Digital solutions by

مواطنون ومواطنات في الساحة... لا وصاية ولا اصطفافات

19 آذار 2017 | 15:40

المصدر: "النهار"

لا يغيّر نزول رئيس الحكومة سعد الحريري الى ساحة #رياض_الصلح من أهداف التظاهرة الشعبية في ساحة رياض الصلح. حتى لو تعهد الحريري بكلمة مقتضبة، وقف الهدر ومكافحة الفساد، لم يقنع المتظاهرين أن الحكومة تستطيع بسياساتها نقل البلد الى الشفافية ووقف السرقات ونهب المال العام. وعلى قول أحد المتظاهرين أن وجوده في الساحة ولو لبرهة، لا وظيفة لهن لأن ذلك استجدى ردود فعل وهتافات كانت التظاهرة بغنى عنها، طالما أن أهدافها مدنية واجتماعية، خصوصاً أن تعهداته لا يمكن تحقيقها في ظل المحاصصة القائمة.

يكفي أن يتدفق ألوف المواطنات والمواطنين إلى ساحة رياض الصلح رفضاً للضرائب والفساد، للقول أن لا وصاية على تحرك شعبي مدني لا تحكمه اصطفافات سياسية وطائفية. ولا أحد يدّعي أنه أب التحرك أو يمون عليه، على رغم محاولة البعض نسبه إلى تياره أو حركته أو حزبه أو جمهوره مستنفراً عصبياته. تدفق المواطنون بلا دعوة حزبية وصرختها واحدة: لا للضرائب ولا للسياسات التي تفقر الناس، فهؤلاء شبان وشابات وطلاب جامعات وأساتذة وعمال من كل الأعمار، جمعهم المطلب الواحد بلا شعارات الإنقضاض والشعبوية التي أجهضت الكثير من التحركات السابقة، وتمكنت القوى السياسية من خرقها وتفكيكها.



لم يتوقع البعض أن تكون التظاهرة الشعبية هادئة، بلا هتافات ثورية ولا شعارات برّاقة تدعو لتغيير النظام. هي تظاهرة للتعبير عن رفض سياسات الطبقة السياسية التي تنصل أطرافها من مسؤولياتهم عن إقرار الضرائب على المواطنين. واللافت مشاركة متنوعة من حركات مدنية ومواطنين من المناظق كافة، ومن مجموعات شبابية ومن أحزاب ومنظمات سياسية يسارية، حتى مشاركة بعض مناصري أحزاب السلطة وناشطين من 14 أذار لم يغير من استقلالية التظاهرة واحتجاج المواطنين على سياسات الطبقة السياسية وضرائبها وضد الفساد والإهدار والسرقات.
ولعل الحماس الذي دفع بعض الشباب من مجموعات معينة، كاد أن يطيح بأهداف التظاهرة، فالدعوات كانت واضحة: لا هتافات ثورية ولا دعوة الى تغيير النظام ولا مراهنات أن تكون التظاهرة منعطفاً للتغيير في التوازنات في البلد.
كان الاحتجاج مدنياً واضحاً وشعبياً من قطاعات مختلفة، على رغم غياب النقابات العمالية وهيئات الأساتذة ورابطاتهم التي وقعت في فخ المطالبة بسلسلة الرواتب المحقة، لكم من دون أن يكون لديها استشرافاً لما قد يكون عليه واقع البلد في المحاصصة والفساد، وهي لا تطالب أيضاً بحقوقها من مدخل تحسين نوعية قطاعاتها، فوضعت السلسلة مقابل الضرائب، ووضعت القطاعات التعليمية في مواجهة الناس.

 

ويسجل لتظاهرة ساحة رياض الصلح، على رغم كل ما اعتراها من شوائب وفوضى وردود فعل على كلمة الحريري، وعلى محاولة البعض تسجيل نقاط في التوازنات السياسية في السلطة، أنها خارج الاصطفافات والوصاية، فلا أحد يستطيع القول أنه هو الذي حشد هذا العدد من المواطنين، أو حدد كلمة السر ليكون جمهوره الطائفي أو السياسي والحزبي في الساحة، ولا يستطيع أن يقول أنه أفتى بنزول الناس أو اخراجهم من الساحة، فهذا التنوع الكبير الذي شهدناه منذ زمن قد يؤسس عليه من خارج الاصطفافات والمصالح الضيّقة، وبعيداً من الحماس الشبابي الذي يريد التغيير سريعاً بدلاًمن أن يراكم في مطالبه وطموحاته ومستقبله.


لا أحد أيضاً يستطيع القول إلى ما سيؤول إليه التحرك، علماً أن تظاهرة 19 أذار تختلف عن كل تظاهرات الحراك المدني وتلك التي قادتها هيئة التنسيق النقابية، حيث رفع الإثنان شعارات تفوق قدراتهما، فقدما نفسيهما بديلاً للسلطة، وكأن في إمكانهما حلّ مشكلات البلد السياسية والاجتماعية وتفكيك المحاصصة الطائفية وتغيير السياسات الاقتصادية والمالية والضريبية. فهذه التظاهرة يبنى عليها، لأنها ليست في أهدافها ضد طرف سياسي أو طائفي أو تقدّم نفسها بديلاً للسلطة. فليبنَ عليها لأنها ضد الضرائب والفساد وإهدار الأموال، ولتراكم استقطاباً للمواطنين المتضررين من سياسات أفقرت البلد وألناس ووضعتهم أمام احتمالي الموت والهجرة.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb
twitter: @ihaidar62

Digital solutions by