Digital solutions by

المستور خلف الكلام على الحوار بين "حزب الله"و"القوات"

25 شباط 2017 | 18:13

المصدر: "النهار"

تواترت في الشكل علامات التبريد بين "القوات" اللبنانية و"حزب الله". من جهة "القوات"، كانت من بين أبرز علامات التبريد في الفترة المنصرمة – من دون نسيان كلمة النائب ستريدا جعجع في البرلمان في آذار 2014 - تعزية وزير الشؤون الاجتماعية بيار بو عاصي بوفاة آية الله هاشمي رفسنجاني ممثِّلًا رئيس حزب القوات اللبنانية، وجلوس وزير الإعلام ملحم رياش بين النائبين محمد رعد وحسن فضل الله في حفل تكريم ناشر جريدة "السفير" طلال سلمان.

وما بين كلمة النائب جعجع عام 2014 والتعزية والتكريم عام 2017، حصلت بعض اللقاءات الاجتماعية أو العملية أو الشخصية بين أفراد من الحزبين، كاللقاء ذي البعد الاقتصادي الذي حصل في شهر تشرين الثاني 2015 وجمع، من بين من جمع، مرشح القوات اللبنانية فيكسروان شوقي الدكاش بصفته عضوًا في جمعية الصناعيين ووزير الصناعة (في حينها) حسين الحاج حسن، أو العشاء الذي جمع على طاولة واحدة في الضاحية الجنوبية، النائبين شانت جنجنيان وعلي فياض وأفراد من "حزب الله" نهاية آب 2016.

مواقف تبريدية
أما من جهة "حزب الله"، فإلى جانب التبريد الإعلامي الذي يُسمع على لسان إعلاميين مقربين من الحزب، فإن أبرز المواقف التبريدية صدرت على لسان السيد حسن نصرالله ورئيس المجلس السياسي في الحزب السيد إبراهيم أمين السيد. ففي كلمته بتاريخ 9 كانون الأول 2016 قال السيد نصرالله إن "القوات اللبنانية كحزب هي قوة أساسية سياسية موجودة في البلد، ولها تمثيلها بمجلس النواب ولها أناسها ولها قواعدها".
وتبعه السيد إبراهيم أمين السيد من بكركي، حيث قال بعد زيارة لتهنئة البطريرك الراعي بالأعياد في 29 كانون الأول 2016، تعليقًا على سؤال حول حوار قريب بين "حزب الله" و"القوات" اللبنانية، أنّ "الظروف ستفرض نوعًا من التواصل، ونأمل أن يصل الى مدى سياسي معين، ونحن منفتحون على هذا الموضوع".
هذه اللقاءات وهذا الكلام الذي قيل على لسان قيادات وإعلاميين من الطرفين، وغيره من الكلام الذي يمكن أن يقال على تشابه في التنظيم وفي النسيج الاجتماعي لكلا الحزبين، أو على دعم بالسلاح والمؤن من القوات لحزب الله في الثمانينيات في مواجهاته مع حركة أمل...، لا يؤسس لحوار، بل يمكن أن يكون مدخلًا تسهيليًا وإخراجًا إعلاميًا لحوار يقرر الطرفان الشروع به، بناءً على مسائل ملموسة وفعلية. والبحث الفعلي، هو عن إمكان قيام حوار كهذا، وعلى أي أسس يجب أن يقوم إن كان بالإمكان قيامه.

عقلانية القوات وراديكالية الحزب
هناك حادثتان بارزتان في مسار الحوارات السابقة (التي جمعت أفرقاء عدّة ومن بينهم القوات وحزب الله) تعطيان مبررًا لعنوان الفقرة أعلاه: المفاوضات في الدوحة إثر أحداث 7 أيار 2008، والورقة التي قدمها الدكتور جعجع حول الاستراتيجية الدفاعية في "حوار بيت الدين" في آب 2010. يُروى أنه عند وصول وفود فريقَيْ 8 و14 آذار إلى الدوحة، انتقل الجميع مباشرة الى فندق "الشيراتون" حيث مقر الإقامة وحيث ستعقد الاجتماعات. قيل يومها أنه حصل خطأ برتوكولي مع جعجع حين توجه بداية الى القاعة التي يجلس فيها المعارضون، قبل أن يعود الى حيث رفاقه. ولكن حين حان وقت الطعام، تقصّد جعجع التوجه إلى الطاولة التي جلس عليها ممثّلو قوى 8 آذار وألقى التحية: "مرحبا شباب"، فاستعدّ حسن خليل، ناشر جريدة الأخبار حينذاك، للوقوف والسلام على جعجع، فزجره النائب محمد رعد قائلًا "اجلس! لا قيام عن الطعام".

هذه الحادثة، على صغرها، وربما على قلة أهميتها لدى البعض، إلا أنها تؤشّر على اختلاف حتى في منظومة اللياقات البديهية بين الحزبين. وهي مؤشر على نظرة كامنة لدى حزب الله تجاه القوات، ستتوضّح في سياق المقال. أما في الحوار بشأن الاستراتيجية الدفاعية، وفي جلسات آب 2010 في بيت الدين، قارب جعجع المسألة مقاربة عملية موضوعية أخذت بالاعتبار طروحات الجميع، وقدّمت طرحًا فاجأ كل من كان يعتقد براديكالية مطلقة ما، عند القوات، وبتعنّت في كل ما يخصّ "الآخر" المختلف. وكان اقتراحه يومها تعزيز الوجود العسكري للجيش اللبناني في الجنوب وإيجادوحدات قتالية خاصة تنتشر داخل مدن وبلدات وقرى الجنوب بلباس مدني إذا اقتضت الحاجة.

واعتبر أن الشرط الاساسي لنجاح هذه الخطة هو أن تكون الإمرة العملانية للدفاع عن لبنان كلياً بيد الجيش اللبنانيحيث يضع "حزب الله" مجموعاته وأسلحته في إمرة الجيش ولكن دون أن يطلب من الحزب إطلاع الجيشعلى نقاط تمركز هذه المجموعات ووجودها. الإجابة الأولى والسريعة لحزب الله على هذا الطرح، هو أن هدف القوات ضرب "المقاومة" ونزع سلاحها والانتهاء من وجودها. أُخرِجت الإجابة هذه، إخراج الإجابة المعدّة سلفًا دون نظر في الطرح، والمتوجّهة ليس إلى مضمون النص المقترح، بل إلى الجهة التي طرحته. وهنا أيضًا، تعبيرٌ عن نظرة كامنة للحزب تجاه القوات، مع أنّه، وإن وسّعنا مجال النظر، يظهر أن نظرة القوات وما تمثل،تجاه الشيعة اللبنانيين، تختلف عن نظرة حزب الله وما يمثل، تجاه المسيحيين اللبنانيين، وخصوصاً الموارنة منهم.

لاءات "حزب الله"
بالعودة إلى إمكان الحوار الذي يُحكى عنه أخيراً، تناقل الإعلام ما سُمّي "شروطًا" من "حزب الله"، يضعها على القوات، في حال أُريدَ للحوار أن يقوم ويتحقق. عناوين هذه الشروط متعددة، أهمها ثلاثة: الموقف من حلفاء حزب الله، الموقف من إسرائيل، الموقف من التكفيريين.
في مسألة حلفاء "حزب الله"، يطلب الأخير من القوات "ترتيب" وضعيّتها مع آل فرنجية وآل كرامي قبل الشروع بأي حوار. ولكن لا يمكن تناسي واقعتين مرتبطتين بهذه المسألة. الأولى، هي أن الحوار بين القوات وتيار "المردة" قائم منذ زمن وهناك لجنة متخصصة بحل المشاكل على الأرض في حال وقعت بين الطرفين. لا بل تطوّر الحوار عبر وساطة المطران طربيه حين كان الوزير فرنجية متخوّفًا من تحرّك "سنّي متطرّف" من طرابلس باتجاه زغرتا، وأرسل له جعجع رسالة اعتبر فيها "زغرتا مثل بشري" وطمأنه بأن القوات على تواصل دائم مع أصدقائها في طرابلس الذين لا يمكن أن يسمحوا بحدوث أي شيء من هذا القبيل. أما المسألة الثانية، فهي أن فرنجية وكرامي أرسلا موفدين إلى القوات عام 2005 قبل خروج جعجع من السجن، لمحاولة إقناع الأخير بالدخول بحلف سياسي معهما. وأحد وزراء تيار "المردة" في إحدى الحكومات السابقة يعلم الموضوع بتفاصيله، فهو كان الموفد الذي فاوض. المسألة، إذاً، لا تتعلّق "بترتيب" علاقة أو إنهاء وضع شاذ، إنما هي مشهدية أو حجة، لإخضاع الحوار لميزان قوى يُقصد منه الاعتراف بأن "حزب الله" هو الراعي لهذه الجهات السياسية. بالنسبة إلى القوات، هذه الرعاية غير مستحقة، ولا يمكنها قبولها والاعتراف بها، لأن "حزب الله" ليس فوق الأحزاب اللبنانية الباقية، ولأن منطق القوات يتعارض جذريًا مع منطق "الأسياد والعبيد".

جردة حساب
في المسألة الإسرائيلية، يطلب الحزب من القوات موقفًا حازمًا ونوعًا من "جردة حساب" لأيام الحرب على الرغم من أن التزام القوات اتفاق الطائف وما نصّ عليه لجهة تحديد العدو، هو التزام كامل، عبّرت عنه القوات في أكثر من مناسبة، وآخرها ربما، كان في ورقة النقاط العشر في 18 كانون الثاني 2016. وأكثر من ذلك، ليس اتفاق الطائف ما يردع القوات عن التعامل مع إسرائيل، بل هو بالأحرى اقتناع راسخ لديها، إذ إنّ التعامل مع إسرائيل أتى في السابق لضرورات الحرب فقط، أمّا الآن فانقطاع العلاقات معها يتمّ عن اقتناعراسخ يترجم فعلاً لا قولاً بعكس أفرقاء كثر ومن بينهم الحزب عينه الذي اكتُشف في "عقر داره" كثير من العملاء لإسرائيل، بينما لم يثبت تورّط القوات ولو لمرة واحدة في هذا المجال. صحيح أن حزب الله لم يتصرّف بالطريقة ذاتها حين "احتضن" إيلي حبيقة، وصحيح أن الجمهورية الإسلامية في إيران (التي يرتبط بها الحزب ماليًا وعسكريًا ودينيًا) لم تتوانَ عن طلب مساعدة الإسرائيليين إبان حربها مع العراق، إلا أن القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع هي مسألة أخرى، لا يمكن مقارنتها لا بحبيقة كشخص ولا بوضع الجمهورية الإسلامية خلال حرب كادت أن تهدد وجودها. ولكن ليس هذا بيت القصيد.

اللا-سامية
فحزب الله يؤمن فعلًا بما يعلنه ويقوله عن اليهود وإسرائيل، ولتُقَل من دون خجل: إن النظرة اللا-ساميّة هي لُحمَةْ البنية الإيديولوجية للحزبوليست عَرَضًا في تفكيره الإيديولوجي. هي تعبير عن ذات الحزب، وليست كلامًا إعلاميًا فقط، يصدر عن الحزب. تعود جذورها إلى اللا-سامية في إيران (وهي جديدة على التاريخ الإيراني) وبالتحديد إلى اللا-سامية داخل تركيبة الحرس الثوري النفسية والفكرية (والحزب يتبع للحرس الثوري). لا يمكن القوات أن تجاري "حزب الله" في لا-ساميّته هذه، لا بل لا يمكن لأي أحد في لبنان أن يجاريه فيها، سوى ربما الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث. وبالطبع، ليست اللا-سامية موضع الثقل في الخلاف بين "القوات" و"حزبالله"، ولكنها نقطة نافرة، لا يمكن إغفالها حين يتكلم الحزب عن العلاقة مع إسرائيل.

العدو المطلق
أما في مسألة التكفيريين، الذين رفعهم حزب الله إلى مستوى العدوّ المطلق بالمعنى الوجودي والكياني (على مثال ما ينظر إلى اليهود وإسرائيل)، فإن موقف القوات واضح، ومنذ نشأت، من كل ما يمتّ بصلة إلى التكفير وفتاوى القتل، من أي وجهة فقهية أو مذهبية أتى. ولكن إن كان المقصود بأن لا حوار قبل دخول القوات في مشروع "حلف الأقليات" (أو ما تبقى منه)، فهذا أمر أجابت عنه هي بوضوح على رغم التهديدات التي طالت قائدها لوقوفه في وجهه.

لماذا؟
انطلاقًا مما تقدّم، ولأن العدو بالنسبة إلى "حزب الله"هو عدو مطلق وليس نسبيًا، فهل يمكن القول بأن هذه الشروط الثلاثة، أو هذه "اللاءات" الثلاث، تغطّي، عند حزب الله، تصنيف القوات كعدوّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، عن أي حوار نتكلم وكيف يمكن الكلام عن شركة في هذا الوطن مع حزب الله؟ إن كان الأمر كذلك، لا يبقى من معنى للكلام المعسول وكلام التبريد، إلا أللّهممحاولة تكرار "موقعة القلعة" أيام "محمد علي باشا"، أو ألاعيب "أبو العباس السفاح" مع "الأمويين". ولكن هذا صعب الحصول في حالة القوات.
أما إذا لم يكن تصنيف العدو، ينطبق على القوات عند حزب الله، فلماذا لا تكون هذه "اللاءات" الثلاث على الحوار، بالذات، هي موضوع حوار؟

Digital solutions by