Digital solutions by

مهرجان

14 شباط 2017 | 13:51

المصدر: "النهار"

غمر الربيع الشجر والبشر بلطفه الملون، ونشر سماء زرقاء على الجهات الاربع وأراح العقول من التبحَر في معاني الغيوم واطوار المطر، فتخفف الناس وحملوا صغارهم الى البحر. تختال البهجة في اجسامهم الملوحة بالشمس، ولا ينقصهم الا أداء رقصة جماعية ترحيبا بالضيوف... اهلاً بكم في الشاطئ اللازوردي! المهرجان في انتظاركم، الموج يحترق شوقاً اليكم، والمقاهي تصفق ترحيباَ بكم، فوتوا وضيعوا، معاصيكم عندنا فضائل! انشرح قلبي، وازداد سروري لمرأى نبيه في زيّه الناصع وقبعته الموشومة بنورس مذهب، يشرئب فوق الرؤوس والاكتاف باحثاً عني. وارتفعت أيدينا. "حابيب قلبي!" نبيه يرددها كثيراً، يصرخها فرحاً، او يمطها ساخراً، أو يستفيض بين الحاء والباء علامة الزهو والمرح . إلتقيت به منذ اربع سنوات في شارع موفتار. اشترينا سندويشي شاورما ونشأت بيننا إلفة يسمونها كيمياء الجاذبية التي لا تفسير منطقياً لها، سوى انها اعجوبة محيّرة، قد تنشأ بين رجل وامرأة، بين ولدين لم

يلتقيا من قبل، بين راكبي قطار او طائرة، بين غريبين في مقهى، لا فارق في الجنس واللون والاعمار. تلقائياً تخاطبنا، نبيه وانا، وبدأنا نأخذ ونعطي، نأكل ونتسكع . انا أغطي اول مهرجان فرنسي للسينما العربية، وانزل في فندق صفر النجوم، فجريدتي لا تدفع سوى بطاقة سفري 'وروح دبّر راسك'. ونبيه يقيم اتصالات بحثاً عن عمل بحري، وينام على فرشة اسفنج في مطعم رشيد لقاء عشائه وجليه الصحون. ويعد فرنكاته هامساً لها الا تحلم بتركه قبل ان يجد غيرها، ثم يزجها تحت وسادته كل ليلة.
كان والده، اسطفان جبارة، حارساً لمنارة جبيل. سلامة الصيادين والتواصل مع المراكب والسفن وخفر السواحل في الليالي العاصفة علمته ان البحر يرحم ويظلم كبقية الآلهة. ومثلها أيضاً يخفي سرّه عنا الى الأبد. يا بحر يا بحر، كان الريّس اسطفان يردد ، أحياناً كمن يناوش حبيباً، أو من يُضجع أحد اولاده ، أو من يغص بكلماته. وكان نبيه يقرأ الصمت الذي يتلو نداءه من خلال نبرته: يا بحر يا بحر ما أروع الشمس وهي تمطرك بدبابيس الفضة. يا بحر يابحر، ما اكرمك حين تغدق كنوزك على صيادين يرتلون لجبروتك مهما طال الليل، يا بحر يا بحر ما أقسى قلبك حين تخطفهم من صدور نسائهم وعيون اطفالهم.

وما لام نبيه البحر يوماً ولا كرهه بعد غرق صيّاد أو بحّار. يحزن ويبكي الغرقى ويرافق والده الى عزاءاتهم، لكن مهما كانوا مقربين او حتى أقرباء لم يحدث أن عتب على البحر من اجلهم. "لا أعرف، لعلني اعتبرت البحر قدراً لا سبيل الى نقاشه ، ولطالما فاتحت أبي بضرورة دفن البحارة والصيادين فيه لأنهم ليسوا من تراب كغيرهم بل هم منه وينبغي أن يعودوا إليه. وكان أبي يغمغم: يا بحر يابحر. النتيجة حبيب قلبي، بعد البكالوريا انخرطت في سلاح البحرية ومنه أخذت منحة الى أكاديمية أنتويرب في بلجيكا. . . وجاءت الحرب".
قبلها كان نبيه يفيض تلقائياً بما فيه ويمضي غير آبه للعواقب. الحرب غيّرته. صار يقيس الخطوة بالسنتي، ويصفن مثل ختيار مشوش قبل ان يبتَ أمراً : "كثرة المصائب علّمتني تدوير الزوايا، علمتني اكتفي بجزء من السلامة، مع الحيط مع الحيط ويا رب السترة، حبيب قلبي". ما عاد يستمع الى نشرة اخبار ولا يقرأ جريدة، فإذا اقحمته في حديث الحرب سارع الى شتم أخواتهم وأمهاتهم والنبع الذي منه يشربون. كل "القضايا" عنده مهرجانات قتل باطلة. لا عدل في العالم والظلم ابدي برأيه. "شيلها من راسك". قدماء البشر قتلوا بالحجر والعصا، وبعد ملايين السنين
ومئات الانبياء والرسل والفلاسفة، ها هم يبيدون بعضهم بعضاَ بالطائرات والمدافع. صدقني كل ما يميزهم عن الحيوانات انهم يقتلون مبتسمين. انظر قائد العسكر كيف ينتشي بدم اعدائه. اما الحوت، مثلاً، فيبتلع اخطبوطاً ولا يبتسم. خذها مني، ما يسمونه مدنية او حضارة ليس اكثر من مدافن مزخرفة لقتلى الحروب. وصدقني انا ابن بحر، العمق البحري اكثر تمدناً من شواهق الأرض، لأنه ينظف نفسه بنفسه ولا حروب فيه بل معارك غذائية تحفظ مسار البقاء والاستمرار. حين ترى سمكة كبيرة تأكل سمكة اصغر منها هل تشعر بوقوع جريمة؟ أبداً، بينما السلاح في يد الانسان، اي انسان ولو انه طفل يلهو بدمية مسدس، الا يوحي بجريمة ؟ طبعاً.
ما ملكتُ حجة صلبة اناقشه بها، فهو يدلي برأيه في حدة تعتمد الهجوم الإستباقي. وحين لا اوافقه الرأي اتركه على رسله لئلا تعلو نبرته الى سبحة شتائم جديدة. عدا ذلك يتمتع الكابتن بمتانة صلبة يرطبها حذقه المائي. عصري المظهر، محنك في التماشي مع الظروف، لكنه صادم في آرائه احياناً: "صحافي؟" لم ير في مهنتي ما يفرح القلب "انا مطرحك بفتش على شغلة تانية." وافقته ضاحكاً، واخبرته انني كنت احلم بدراسة الإخراج السينمائي، وكان ابي يريد لي عملاً يطعم خبزاً، فالسينما في
بلادنا ملجأ للمتسكعين. وحينذاك لم تكن عندنا كلية فنون في الجامعة اللبنانية او في غيرها، ما يعني انك ستدرس في الخارج "والخارج يا إبني خارج ميزانية ابوك." بعد جدال متعب طال سنوات وافق الوالد ان اتدرج في الصحافة "ما دامك قوي بالعربي وعنَا صاحب جريدة من عظام الرقبة". هكذا، بدلاً من إخراج أفلامي صرت اعتاش من الكتابة عن افلام الآخرين.
* يعني يللي بتحبها راحت خطيفة مع واحد تاني، رحت تزوجت اختها! ما بحسدك ابداً، حبيب قلبي.
قبيل اشرافنا على الحضيض مادياً، وقرب عودتي الى لبنان، شاءت المصادفات ان يلتقي نبيه بتاجر صحراوي لديه مصالح في فرنسا يدعى الشيخ مصعب الهيسوقي الذي عرض على الكابتن قيادة يخته الراسي في مدينة كان. "وجهك خير حبيب قلبي، وجهك خير!" وجمع نبيه جمجمجتي في راحتيه وباس جبيني ثلاث مَرات. ثم قرر ان الاحتفال بالمناسبة لا يحتمل النقاش. وافقته، لكن في جيبينا 43 فرنكاً وليس في المنظور القريب ما يبشر بمعجزة. تفتقت للكابتن خطة جهنمية رأيت فيها مجازفة بالوقت والجهد، لكنني لم اجد بديلاً منها فركبت الموجة وانطلقنا اولاً الى
الكونكورد، محيط برج إيفل وكعبة السيّاح المأهولة بهم في اي وقت. "عذراً سيدي، سيدتي، هل تذوقتم الأكل اللبناني من قبل؟" نعم او لا، فهموا او لم يفهموا، ناولناهم إحدى بطاقات مطعم رشيد وتبادلنا معهم مصافحات حارّة، وارشدنا الضائعين الى فنادقهم، وشرحنا للمرتبكين مغازي البرج الحديدي المهول باللغات المتوافرة والإشارات، وعلّمنا الجميع ان يقولوا "كابتن نبيه!" حين يأتون الى العشاء عند رشيد. كنا في حالٍ من المرح واللهو راقت لمعظم الذين تحدثنا اليهم بمن فيهم اليابانيون الذين يسافرون جماعات مبرمجة ضمن سياق مرصوص، وليس وارداً في المبدأ زحزحتهم خارج برنامجهم. مع ذلك فوجئنا بزوجين مسنّين أصرّا أن نبيّن لهما موقع المطعم على الخريطة، وراحا ينحنيان بلطف وكياسة كلما بدا انهما أدركا شروحاتنا. وزّعنا ستين بطاقة في الكونكورد ، وركبنا الميترو الى مونمارتر حيث صرّفنا ما تبقى من رزمة المئة . ما خلّينا حدا! الرسامون والمرسومون، رواد المقاهي والندل، الآكلون والشاربون، صغاراً وكباراً، من كل الجنسيات، تفضلوا الى جنة التبولة والحمص والمشاوي لنحتفل بعثور آخاب الجبيلي على سفينة. ووقعت اجمل الكوارث عندما غصّ رشيد بدفق غير مسبوق من الهاتفين: كابتن نبي! استبدلوا هاء النباهة
بياء النبوّة ما ابهجنا وحفزنا على ابتكار سندويشات لمن لم نستطع حشرهم الى مائدة واحدة. وعندما وصل الزوجان اليابانيان انحنينا براحتين مضمومتين ولبّيناهما بسندويشي كفتة مشوية وبابا غنّوج، لأن الحمص نفد. رشيد لم يطر فرحاً وحسب بل تحوّل عصفوراً يتنقّل في جسم نورييڤ داخل قفصه الصغير.
* كابتن نبي، كاسك!
اليوم تذكرني صداقتنا بمن كانوا قديماً يختارون واحداَ من اعزّ اصدقائهم، ليمزجوا دمهم بدمه عربون إخاء مدى الحياة. كان لجدي 'أخ' من هؤلاء. مثل ذراع واختها، طويلي القامة، مشوربين، يمشيان يداً بيد متى التقيا، فاذا افترقا تفقد واحدهما الآخر قبل ان يدخل الى امرأته واولاده. وفي احدى المرات ناما بكامل ثيابهما العربية في سرير واحد، لانهما نعسا قبل نهاية الكلام. وما زلت اسمع شخيرهما كأنه ردات موشح على منبر. ومنذ لقائنا الاول ادركت ان الكابتن سيكون لي ما كانه ذلك الأخ لجدي. لو كنا معاً في حياة سابقة او قل رضعنا من ثدي واحد لما جرفتنا بسرعة عفوية تلك الكيمياء اللا إسم لها.
وضعت كاميرتي وحقيبتي على المقعد الخلفي وترحرحتُ في المرسيدس المكشوفة وقلت للازرق الفسيح لفّني بروعتك. لا عبارة قدرية على السيارات المتدفقة بلا زمامير، لا سيري فعين الله ترعاكِ، ولا العين البصاصة تبلى برصاصة، ولا دوبلني وودّع اهلك، او اسرعي يا ماما البابا قتل صاحبك! لا، ولا تزاحم مع سيارات تُماشينا ونماشيها كأننا اغنية واحدة، كل سائق يعرف حدوده، ويحترم حدود سواه. الى يميننا منازل مرشوشة فوق تلال خضر، لن ترفع بيارق العداء لأحد، ولن تحترق نوافذها او تندلق جدرانها على الدروب. اهلها ينامون ملء احلامهم بلا ادوية للاعصاب ، بلا توقعات مميتة، بلا حرب تحت الجفون، يا الله . اي هوة بين هنا وهناك! دهور حيالها ادراكي خربشة على جدار كهف. دعني الطم جبيني بالجدار. أنحن وهم على الشاطىء نفسه، تحت سماء واحدة، بيننا لغة مشتركة وتاريخ وعلاقات، بل في بعض بيوتات بيروت لن تسمع كلمة بغير لهجة باريس! إذاً لماذا نحن في الجحيم وهم في النعيم؟
نعم، صديقي، شو بدي خبرك، فينيقيا بالف خير. مصائب زيد فوائد عمرو. الحرب فرصة ذهبية للذين جعلوا الفوضى دولة، بعدما كانوا يفعلون العكس ايام الدولة.
ابتكروا مؤسسات لتيسير عُسر المهربين والقوادين وبائعي الاعضاءالبشرية والرقيق الابيض والنفايات النووية. ويللا مشّينا الحال. كله ماشي مثل الليرة، نزولاً كشلالات جزين. والكلام يسرّك، شحننا هيرويين الى اميركا وسميناه "الأسمر اللبناني". كلّه يا أسمر، كلّه ماشي.
* والريّس؟
* الله يساعد، الله يعين.
* طيّب على شو اتفقوا لحدّ اليوم؟
* على لوايح الاكل. الاكل صديقي اساس. لأن المعدة بيت الداء. ونحن ماشيين على اساس ما زال الحمص مجبول كلّه محلول!

* مقطع من رواية عن السينما والحب، معدة للطبع.

 

Digital solutions by