Digital solutions by

برلين ٦٧- "فيلده ماوس": كائن تُصادَر كلمته هو كائنٌ خطير!

13 شباط 2017 | 12:15

المصدر: "النهار"

حكاية عبثية، ظريفة جداً، يأتينا بها فنان الكاباريه الممثل الفكاهي جوزف هادر في أول أفلامه كمخرج، "فيلده ماوس"، المعروض في مسابقة #مهرجان_برلين السينمائي السابع والستين (٩ - ١٩ الجاري). جورج ناقد موسيقي (يضطلع بدوره المخرج نفسه) يعمل في صحيفة معروفة ومنتشرة منذ ربع قرن. يبدأ الفيلم مع مشهد صرفه. مشهد كان ليُمسي مأسوياً لولا لمسة هادر السينيكية التي تضع الأشياء في نصابها منذ البداية، لتحدّد اللون الذي سيطغى على العمل، مع ردّ فعل ناقدنا أمام ربّ عمله: "قراءي سيعترضون". فيأتي الجواب ليقضي عليه كلياً: "أشكّ. معظمهم ميت"!

بقية الفيلم تتبلور وفق منطق مشابه: كلّ حلّ سيجده هادر للخروج من مأزقه بشكل لائق ستُقابله مشكلة. إلاّ أنّ هاجسه الأكبر الذي سيجلب للفيلم الكثير من العبثية واللامنطق والـ"بورلسك"، هو تصميمه على الانتقام من ربّ العمل الذي استغنى عنه مستبدلاً إياه بصحافية أصغر سنّاً وأقل تكلفةً. في البداية، يُخيّل لنا أنّ الفيلم سيتّجه إلى محاصرة جورج في أزمة منتصف العمر، فتتحوّل القضية قضية تعاطف وذرف دموع على مصير رجل ضحّى ولم يجد. يتبيّن بسرعة أنّ تلك ليست وجهتنا. فالكوميديا السوداء ذات المزاج المتقلّب هي الحاكمة هنا، هي التي بخبثها تكشف وجهاً آخر من وجوه الحياة البورجوازية الصغيرة في النمسا، التي ستُصاب بخلل مفاجئ في تركيبتها نتيجة حدث يهدّد استمراريتها.

صرف جورج سيكون بداية سلسلة مفارقات تنعكس سلباً على حياته الزوجية. فهو يخجل حتى من إخبار زوجته بما يجري له. زوجته التي تحاول، بلا جدوى، أن تُنجب منه. نصّ هادر يصف نزوله غير العقلاني إلى القعر. كأنه كان ينتظر تلك اللحظة. هناك سخرية واضحة من الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها جورج، فهو على الأرجح لم يكن على احتكاك بالعالم الحقيقي قبل السقوط المدوّي من الأعلى إلى الأسفل. فجأةً، يصبح كما الجميع، فيضطر إلى التعامل مع الآخرين معاملة ندية. في المقابل، نكرانه واقعه الجديد يجعله يتظاهر أنّ كلّ شيء على ما يرام، فيخرج من البيت صباحاً متّجهاً إلى وظيفة لم تعد له، ليقضي وقته في منتزه شهير وسط فيينا. اللقاءات التي يجريها هنا ستفتح أمامه آفاقاً جديدة، وتبعده من حياته السابقة.

يقوم الفيلم على جلد الذات الذي يتطوّر إلى تدميرها نفسها. ربما كان يجب لهذا الصرف أن يحصل كي يكتشف رجلنا بعض الحقائق التي لطالما أخفاها عن ذاته. يطعّم هادر المغامرات التي يعيشها جورج بعناصر من الواقع التي تصلنا على شكل شذرات إخبارية عن مآسٍ تحصل في مختلف أنحاء العالم (هجرة وحروب). الهدف من هذه المعلومات واضح: تسخيف "مأساة" رجلنا البورجوازي. يمكن أن "نمسك" الكثير من الأشياء على الفيلم، أكثرها إغواءً القول إنّ كائناً يُصادَر منه حقّ الكلمة هو كائنٌ في منتهى الخطورة!
"فيلده ماوس" يشكّل فرصة لهادر كي يظهر قدراته الإخراجية ويثبت نفسه كممثل جسماني، خصوصاً في مَشاهد الركض الأخيرة فوق الثلوج. هناك هالة تقع، هي هالة تحيط الشخص العارف أكثر من غيره، المعشوق والمنبوذ في آن. إلا أنّ الوقعة لا تُحدث الصدى المتوقّع. فجورج، كأنه من خلال افتعال كل هذه البلبلة، يريد التعويض عن هذا الصمت والتجاهل. بأسلوبه المسلّي ومتتالياته الرشيقة، يزجّنا الفيلم في اتجاهات عدّة، لا يتعمّق كثيراً في أي من الموضوعات التي يلمسها، ولكن ليس ثمة شكّ أنّ خلف هذه المعالجة التراجيكوميديا درساً سينمائياً يذكّرنا مرة جديدة أنّ لا متعة تضاهي متعة رؤية الآخرين يتعذّبون ولا يهتمون.

 

 

 

Digital solutions by