Digital solutions by

داليدا تلك الساحرة الأنيقة التي زيّنت حياتها بالأحزان تعود بعد 30 عاماً!

10 شباط 2017 | 16:27

المصدر: "النهار"

زيّنَت حياتها بأحزانٍ كَتَبَتها ابتسامتها العارِفة نيابةً عنها. وكم كان يحلو لها أن تَستَقبِلَ إنكسارها الدائم، بنَظرَته المُتعالية، باستِسلامٍ أنيق، كُتِبَ عنه الكَثير...بيد أنه لم يَتمكّن من أن يُسعِفها ولا أن يتحدّى القَدَر... وخُطَطه الأخرى!

ساعتان و"كَم دقيقة" حَبَسَ خلالها الجمهور أنفاسَه... وكم حاوَلَ أن يَفهَم كيف يُمكِن أن "تُقدِّم" الحياة كل هذه "المُنعَطَفات المُنهَزِمة" لامرأة جُلّ ما أرادت هو أن تَجِد الحب، هذا الساحِر والماكِر الذي يَحلو من أجله أن نتعرّى من التَحفّظ المَدروس وحصاره المفروض من المجتمع.

لَحظات عابِرة من السعادة لم تكن كافية لتَقيها، هي التي وُلِدَت لِتَكون نَجمة، من واقِعٍ أكثَرَ رُعباً من قدرتها على التَحمّل... فكان الانتِحار ذات لَحظة هادِئة ومصيريّة من العام 1987... وانتَهَت القصّة المُسيّجة بالأحلام التي كانت لِتَتَحَقّق لولا هذا الوَهم الجميل الذي يُدعى الحياة.

 

"داليدا"، الفيلم – الحَدَث الذي يَروي بعض فصول غير مُتَسَلسِلة من حياة أسطورة الغناء التي أعادَت صوغ ما ترمز إليه التراجيديا، يولاندا كريستينا جيليوتي، أو داليدا لكل عُشّاقها، لن يَمرّ مرور الكرام على كل "اقتحاميّ" يَجرؤ على القيام بنُزهة في حياة مُفجِعة تَليق بها النَظرة الجانبيّة التائهة.

الفيلم من إخراج الكاتِبة والمُنتِجة الفَرنسيّة من أصول مغربيّة، ليزا أزويلوس (ابنة المُغنية العالميّة ماري لا فوريه)، وقد وضَعَت بِنَفسها السيناريو المُكَثَّف والشامِل بالإشتراك مع شَقيق الراحِلة، "أورلاندو".

ووَجّهها هذا الأخير في اتجاه زوايا مُحدّدة في يوميّات تلك السيّدة النَبيلة بحِزنها. بيد أنه، في الوقت عينه، تَرَكَ لها الحريّة الفنيّة الكامِلة لتُحوِّل "مَلحَمة" الانكِسار، ابتسامة صَغيرة تَشي بكل الأحاسيس التي حوّلتها الأيام، غَصّة هَدهَدها القَلب المُتعَب.

واضطَلَعَت عارِضة الأزياء الإيطاليّة، سفيفا ألفيتي (32 عاماً) بدور داليدا، ناقِلة إلى الشَخصيّة تِلك الحساسيّة الجميلة بِهَشاشتِها، وتلك الابتِسامة التي تُناجي على طَريقَتها، "القَليل من السَعادة. القَليل من الحُب!".

 

وفي الفيلم تَظهَر داليدا، امرأة حسّاسة وطيّبة وقويّة، تَعيشُ وِحدة قاتِلة لم تتمكَّن يوماً من أن تُروّض سَطوَتها عليها... شهرتها وشَعبيّتها والجوائز العالميّة التي حازَت عَليها لا تَعني لها أي شيء...أنه الحُب، وَحدَهُ الحُب الذي نُبَرِّر من أجله، كل الأخطاء التي ربما ارتَكَبَتها العاشِقة في الطَريق "إلى القُبلة".

أنها الأمومة التي لم تَتَحَقّق فإذا بهذا الفَراغ الخانِق يَزرَع وُروده حول ساعاتها الطويلة.

أنه الأب الذي كانت علاقَتها به رَكيزة العلاقات التَدميريّة الأخرى مع الرِجال... عَشرات الرِجال... ولكن، أين هو الحبّ؟

أنه الموت يَقتَحِمُ وِحدَتها مراراً وتِكراراً وبلا استئذان، آخذاً معه هؤلاء الذين عَرفت معهم لحظات خاطفة من الأمل... إلى أن تُقَرّر أن "تَغدُرَ" به ذات مَساء من شهر أيار من تلك السنة المصيريّة، لِتَنتَصِرَ عليه، ولو لمرّة، ولَتَغدُرَ بقامَته "المهيبة" حتى الهَلَع.

 

من ولادَتها العام 1933 في القاهِرة إلى حَفلتها الموسيقيّة الأولى في "الأولمبيا" في باريس عام 1956، إلى...إلى...إلى...
أنه بورتيه شاهِق بمأساته، ومَع ذَلك، يَحلو الغوص من خلاله في حَنايا تلك السيّدة ذات الشخصيّة المُعقّدة، "المَجبولة" بالوحدة على رغم بَحثها المُستَمر عمّن يواسي دموعها... دُموع ذَرَفَتها في أكثَر من مُناسَبة ولأكثَر من سَبب.

وحدها الخَشَبة زوَّدت أيامها تألقاً، سَحَرَت من خلاله الملايين الذين عَشقوا فَرَحها الظاهريّ وقٌدرَتها على تَحويل الأغاني ساحَة حَربٍ نَغميّة يَليقُ بها الجنون والسَعادة والهتافات والصَخب... ولكن ستارة المَسرَح تُسدَل دائماً لتَعودَ السيّدة النَبيلة بحزِنها إلى وِحدَتها القاتِلة.

 

وذات مَساء، اتَخَذَت قَرار الرَحيل، ولكنّها قَبل تلك اللحظة الأخيرة، قدّمت لشقيقها الحبيب شالاً صَنَعَتُه بنَفسها قائلة له بهدوء مرعب، "هذا، لتتذكرّني لاحقاً"، وكَتَبَت رسالة قصيرة راجية أن يُسامحها الجمهور وأفراد العائلة: "الحياة باتت لا تُطاق...سامحوني!".

تناولت جرعة زائدة من الحبوب المنوّمة.

تَمَدَّدت على السَرير وأطفأت الأنوار، هي التي كانت تَخشى الظلام.

...وها هو الجمهور يَذرُف الدُموع التي انتَصَرَت على الغصّة... ويُصفّق وقوفاً لدقائق طويلة!

Hanadi.dairi@annahar.com.lb

 

Digital solutions by