Digital solutions by

بوتين وترامب و"الرهان الممنوع"

2 شباط 2017 | 14:00

(عن الانترنت).

بعد التدخُّل الروسي في الحرب السوريّة وما رافقه من تطويب بعض الجماعات المسيحيّة لصورة الرئيس الروسيّ "بوتين" ورفعه إلى مصاف القدّيس المنقذ والحامي للأقليّات المسيحيّة في بلاد الشرق، بتنا اليوم مع وصول دونالد #ترامب إلى رئاسة الولايات المتحّدة الأميركيّة، ومع قراراته المثيرة للجدل، أضحينا في خضمّ حملةٍ غوغائيّة من بعض الأصوات المسيحيّة التي ترفع هذا الأخير إلى رتبة "قسطنطين الجديد". كيف لا؟ وهو الذي بادر إلى منع مواطني سبع دوَل مسلمة من الدخول إلى بلاده مستثنيًا المسيحيين السوريين، وواعدًا بمناصرتهم ودعمهم وبالوقوف الدائم إلى جانبهم.

والخطير في هذا الموضوع هو "الرهان" الذي يخلقه في نفوس بعض المسيحيين من ذوي النظرة المحدودة والرؤية المعدومة، فإذا عدنا إلى أحداث تاريخنا واستعرضناها بشكلٍ مُفَصَّل، لوجدنا أنَّه في كلّ مرّة راهنّا فيها على سلاطين الدول الكبيرة وقعنا في مصائبٍ مهولة وتراجع حضورنا في بلادنا وانتقلت بنا الأحوال إلى مراحل جديدة من دربِ جلجلتنا.

فإذا استرجعنا أحداث الـ 1860 لوجدنا أنَّ الرهان المارونيّ كان على الفرنسيين في حين أنَّ الرهان الدرزيّ كان على البريطانيين، وفي نهاية الأمر ولمصالح هذه الدول حَدَث ما حَدَثَ من قتلٍ ومجازرٍ دون أن يتدخَّل الفرنسي لنصرة من راهن عليه!
أما في العام 1898 ومَع زيارة أمبراطور إلمانيا غليوم الثاني إلى بلاد الشام فقد انتعشت آمال بعض المسيحيين وَوَصلَ بهم الوهم إلى قولهم بأنهم شاهدوا الملائكة تحيط بحصان الأمبراطور العظيم، وعقدوا الآمال على شخص الأمبراطور والأمّة الألمانيّة في حمايتهم، فما كان من غليوم الثاني إلّا أن رتَّبَ مصالح أمّته مع السلطنة العثمانية وغادر دمشق بعدما وضع إكليل غار على قبر صلاح الدين الأيّوبيّ من دون أن يكترث لكلِّ من طبَّل وزَمَّرَ له من المسيحيين البائسين!

وإذا طالعنا أحداث "الإبادة الأرمنيّة" لوجدنا أنَّ روسيا القيصريّة التي كانت مع الحلفاء، إضافة إلى الولايات المتحدة الأميريكية وبريطانيا، كلّ هذه الدول كانت تستغلّ الشعب الأرمني في محاربة السلطنة العثمانيّة، وعند تبدّل أحول الجبهة الشرقيّة للسلطنة العثمانيّة جَرَت الإبادة بحقّ الشعب الأرمني وسط صمتٍ روسيّ ألمانيّ بريطانيّ أميركي! وسقط الرهان على الدوَل الكبرى مرَّة أخرى!

أمَا بالنسبة إلى الشعب الأشوريّ في العراق فيُخبرنا التاريخ أنَّ أبناء هذا الشعب طالبوا بالحكم الذاتيّ بقيادة بطريركهم في العام 1933، وكان رهانهم على بريطانيا التي كانت تستفيد منهم في صفوف جيشها إذ كانت هي الدولة التي تستعمر العراق في ذلك الزمان، وبعدما ارتفع صوت الأشوريين ارتكبت الحكومة العراقية مجزرة كبيرة بحقهّم دُعيَت بمذبحة "سميل" في العام نفسه، من دون أن تتدخّل بريطانيا لحماية الشعب الذي دفع من دمه في صفوف جيشها!

سأكتفي بهذا القدر من الوقائع التاريخيّة التي إن دلَّت على شيء فهي تدلّنا على أنَّ دوَل الغرب لا تكترث لوضع المسيحيين في شرقنا إلا بقدر ما تستفيد منهم، فالمصالح تحكم وتسيِّرُ سياسات هذه الدول. والخلاص الوحيد للمسيحيين ولدورهم في هذه المنطقة هو في عيشهم لرسالتهم أوَّلًا، وفي المواطنة والشراكة التامّة مع إخوتهم من الأديان والطوائف الأخرى.

ولا أبالغ إذا قلت إنَّه على المسيحيين في هذه المرحلة الدقيقة بالذات أن ينبروا للدفاع عن إخوتهم المسلمين وعن صورتهم في العالم كلّه، وكلّنا نذكر كيف أنَّ البابا فرنسيس رفض ربط الإرهاب بالإسلام، وقال بأنه إذا أراد الكلام على الإرهاب الإسلامي فعليه التكلّم بالفعل ذاته عن الإرهاب المسيحي والعلمانيّ. ولا شكّ في أنَّ السؤال "الطلب" الذي وُجِّه إلى البابا فرنسيس يأتي ضمن المحاولات الأميركيّة والغربيّة الرخيصة في غسل يدي "السياسة الغربيّة" من كلّ الجرائم التي ترتكب بحقّ الإنسان ولصق هذه الجرائم بالإسلام حصرًا ما يوَلِّد التطرُّف والتشدد بشكلٍ أكبر في الأوساط الإسلاميّة. ولا أبالغ أيضًا إذا اعتبرت أنَّ السياسة "الغربيّة-الروسية" تتحمّل مسؤولية الإرهاب وتساهم به أكثر بكثير من الأدوات الإسلاميّة التي تخدم مصالح الدول الغربيّة من غير أن تدري.

هنا أتذكَّر موقف البابا شنودة الثالث يوم قال: "لو أمريكا اللي هتحمي الأقباط في مصر وتفرض الحماية الدولية على مصر فليمت الأقباط ولتحيا مصر"، وأذكر أيضًا موقف رئيس الوزراء السوري فارس الخوري يوم أعلن الجنرال غورو أنَّ فرنسا جاءت إلى سوريا لحماية مسيحيي الشرق، حينها أسرَع فارس الخوري إلى الجامع الأمويّ وصعد إلى منبره وقال: "إذا كانت فرنسا تدَّعي أنّها احتلّت سوريا لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا المسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلّا الله". في المنطق نفسه نقول اليوم: إذا كانت روسيّا أو أميركا ستحميان المسيحيين من المسلمين فبئس حماية كهذه، وبئس خلاص كهذا، وهذه "الحماية" المفتَرَضة تُنذرنا بويلات قادمة لا نستطيع مواجهتها سوى إذا اضطلعنا بدورنا الوطنيّ كما يجب وإذا امتنعنا عن "رهان ممنوع" كهذا لا تُحمد عقباه. يبقى لنا أن نراهن على عيشنا لرسالتنا وعلى الإرث الكبير من "العيش معًا" علَّنا نتعلّم من التاريخ فلا نصبح مضرب مثل للأجيال القادمة في السذاجة السياسيّة وفي الغباء الطائفيّ.

 

 

Digital solutions by