Digital solutions by

رسالة لاجئة سودانية إلى ترامب

31 كانون الثاني 2017 | 14:57

المصدر: "النهار"

هاجر وبناتها.

في الآتي، رسالة السيّدة السودانية الأصل هاجر الشيخ التي لجأت الى الولايات المتحدة بسبب ما تقول انه اضطهاد حكومة الخرطوم لها ولعائلتها المعروفة بمعارضتها النظام القائم. انتقلت هاجر الى أميركا وأسست عائلة، فعاندها القدر مجدداً حين تحوّلت ضحية عنف أسري على يد زوجها السوداني. هي تعلم جيّداً ان القوانين الأميركية أنصفتها وأتاحت طلاقها واحتفاظها بأولادها، ولو كانت في مكان آخر، لكان الصمت مصيرها. وتقوم هاجر اليوم بعمل إعلامي وترأس جمعية لمساعدة النساء ضحايا العنف الأسري في أميركا.

هاجر المصدومة من قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب منع رعايا وطنها الأم من دخوله، رغبت في توجيه الرسالة الآتية اليه:

 

السيّد دونالد ترامب،

لا يُخفى على أحد أن قرارك التنفيذي الأخير حول الهجرة سيؤثر سلباً على عدد كبير من اللاجئين، وخصوصاً اللاجئين من الدول التي شملها القرار بحظر دخول رعاياها إلى الولايات المتحدة. هذا القرار يشمل اللاجئين وأسرهم وحتى حاملي البطاقة الأخضر. القرار يهدف إلى منع أي مواطن من الدول السبع المذكورة، وهي: إيران، السودان، سوريا، ليبيا، العراق، اليمن، والصومال بحجة أن هذه الدول من اكثر الدول تصديراً للإرهاب. ومع اتفاقي مع تقييم السودان من الدول المصدرة للإرهاب للأسباب التالية:


- الحكومة الديكتاتورية الحالية حكمت السودان بانقلاب عسكري في العام 1989، ومنذ ذاك اليوم ارتكبت الحكومة مجموعة من الجرائم بحق حقوق الإنسان السوداني عموماً، وحقوق المرأة خصوصاً.
- تفاقمت الحرب بجنوب #السودان واشتعال الحرب بدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
- الإبادة الجماعية والتصفية العرقية بدارفور، وهي تمثل أسوأ الجرائم الانسانية في القرن وأبشعها.
- يعتبر السودان من أكثر الدول انتهاكاً لحقوق الانسان، ويعلو في قائمة الانحلال.
- تقوم حكومة عمر البشير إلى هذه اللحظة بتعذيب المعارضين وقتلهم، وسجن الصحافيين والناشطين بحقوق الانسان وتعذيبهم.
- تواصل تعاملها اللاإنساني مع المرأة السودانية وتكتمها على أنواع العنف، سواء أكان عنفاً أسرياً، أم اغتصاباً، أم قمعاً للنساء بقانون النظام العام الذي ما زال موجوداً من ضمن القوانين بالسودان، ويُمارس يومياً.
- قانون الأحوال الشخصية لا يزال يحوي فقرات لا يمت مضمونها بالقانون والإنسانية بشيء.
- تردى الوضع الاقتصادي بالسودان مما أدى الى انتشار ممارسات عدة، من ضمنها الاتجار بالبشر وخصوصاً الاتجار الجنسي.

ولهذه الأسباب، كمثال وليس للحصر، وجد السودانيون أنفسهم مجبرين على الهروب من هذه الجحيم، واستعانوا بدول أخرى لكي يبنوا حياة تناسبهم كبشر، منها الولايات المتحدة الأميركية التي شكّلت ملاذاً للسودانيين، وهي بطبيعتها وتاريخها قامت على المهاجرين، سواء أكانوا مهاجرين لأسباب دينية أم سياسية أم غيره. ولهذا السبب كان الطابع الأساسي هو قدرة هؤلاء الجماعات على التعايش سلمياً رغم الاختلافات، مع احترام خصوصية الآخر وثقافته. بل شكّل هذا الأمر إغناءً وميزة إن زالا، ستزول معهما قيم إنسانية عدة وسيعمّ العنف والتفرقة العنصرية والدينية. الملاحظ أنه منذ ترشيح ترامب للرئاسة، شعر عدد كبير من الأميركيين البيض أن ترامب هو صوتهم، لذا حاز اهتمام الكثير من البسطاء والجماعات العنصرية، ولا سيما أن خطابه الانتخابي تركّز على العنصرية بحيث صبّ جام حقده على المهاجرين، وخصوصاً المسلمين منهم، الأمر الذي كان مسار تساؤلات وغضب عدد كبير من النشطاء والعاملين بمجال حقوق الانسان.


وإذا كان تركيز ترامب على استئصال الإرهاب كما يدعّي، فمن باب أولى أن تضغط الحكومة الأميركية على الحكومة السودانية (والحكومات التي تشكّل ملاذاً آمناً للجماعات الإرهابية) والمساهمة بتسليم عمر البشير وحكومته للمحكمة الدولية بدلاً من معاقبة المواطنين بسبب فساد حكوماتهم. فالمواطن السوداني يستجير من الرمضاء بالنار، والآن يتلقى صفعة من الحكومة السودانية وصفعتين من الحكومة الأميركية. مكافحة الإرهاب لا تكون عبر منع أشخاص مضطهدين في دولهم، بل عبر محاربة الجهل والتخلّف والأميّة وزيادة الوعي عند هذه الشعوب وتطوير تفكيرهم وتحسين معيشتهم.
لا شك في أن الأعمال الإرهابية، ومنها أحداث 11 أيلول، زادت مخاوف الأميركيين، ولا سيما مع انتشار ظاهرة "الإسلاموفوبيا" التي ساهم الإعلام في ترويجها، فكان العرب والمسلمون أولى ضحاياها. ولكن لا بدّ من التعقّل ومقاربة الأمور بواقعية بحتة، وتوفير الحقائق للمواطن الأميركي لزيادة الوعي باللجوء واللاجئين. وسنجد أن:

- الولايات المتحدة أعادت توطين ما يقارب الـ 800000 لاجئ منذ أحداث أيلول11 في العام 2001 ، ومن هذا الرقم قد ألقي القبض على عدد قليل من الاشخاص بتهمة المشاركة في الإرهاب.

- إجراءات إعادة التوطين والهجرة هي من أكثر الإجراءات تعقيداً، وتدقّق جهات قانونية عدة بالوافدين الجدد عبر إجراءات أمنية دقيقة.
- أكثر من نصف اللاجئين بالعالم هم من الأطفال الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة، وثلاثة أرباع اللاجئين هم من النساء والأطفال.
- علينا ألا ننسى أن طالبي اللجوء سواء إلى أميركا أو أي دولة أخرى، هم ضحايا لحكوماتهم سياسياً او دينياً او عرقياً. ومعظم الضحايا هم من النساء اللاتي يعانين من العنف بأشكاله المختلفة والاضطهاد وعدم وجود الفرص المتكافئة سواء للدراسة أو العمل. وهذه الحالة تنطبق على معظم اللاجئين السودانيين الذين هم ضحايا للحكومة السودانية، فهاجروا بحثاً عن حياة كريمة اندمجوا بالمجتمع من غير أن يشكلوا أي خطر. وهنا لا بدّ أن أستذكر تجربتي الشخصية مع الهجرة، وكيف ان وجودي كلاجئة في دولة تحترم حقوق الانسان وتمنح مواطنيها القدرة على إثبات الذات والنجاح هو الدافع الأكبر لي أن اقاوم، وبكل ما أوتيت من قوة، قرارات الرئيس الحالي ترامب. وذلك لأسباب عدة، منها:
- معرفتي التامة بالوضع في السودان ومعظم الدول التي تحكم بالدكتاتورية، وما يتعرض له المواطن السوداني الناشط سياسياً أو الذي يدافع عن حقوق الانسان، وكذلك ما تعانيه المرأة عموماً والمرأة السودانية خصوصاً.
- رغبتي في أن تتاح الفرصة لكل شخص يعاني في بلاده ولا تتوافر له حياة جديدة. والحق في العيش في دولة تحترم حقوق الانسان وتسعى إلى خدمة الإنسانية وتقدمها.
أنا لا أتكلم كشخص حالم بل أحاول كلاجئة سودانية، ونتيجة للصعوبات والمعوّقات التي اعترضتني، أن أؤدي الدور المنوط بي والوقوف في وجه ممارسات ترامب اللاإنسانية ومحاربة العنف ونبذ العنصرية. إذ ثمة مهاجرون كثر كانوا طاقة إيجابية في هذه المجتمعات، فساهموا في عملية نهوضها وارتقائها وتالياً تغيير حياتهم نحو الأفضل.
المنع والقمع وبناء الجدران العازلة والتمييز أمور كلّها لا تؤدي إلا إلى المزيد من الظلم والبؤس والحقد والإرهاب، فقط التقبّل والتسامح والاحتضان هي ما تصنع الفارق والحياة.

 

Digital solutions by