Digital solutions by

الشيعة اللبنانيون طائفة قلقة ومقلقة... لماذا تتراجع الحركة الاعتراضية داخلها؟

29 كانون الثاني 2017 | 14:17

المصدر: "النهار"

(عن الانترنت).

يعبّر كثيرون من شيعة لبنان عن قلقهم مما آلت إليه أوضاع الطائفة. القلق يكبر مما يعتبره البعض إطباق الشيعية السياسية على قرارها، واسترسالها في مشاريع تهمل جماعاتها الدولة لمصلحة أدوار خارجية، وكأنها تأخذهم إلى ما يشبه الإنتحار.

ليس الوسط المعترض على سياسة الثنائي الشيعي المتحكم بأمور الطائفة أو المذهب، قادراً على التأثير، وإن كانت شخصياته تحاول بلورة حركة اعتراضية جامعة، لكنها لم تصل الى تأطير نفسها بفعل عوامل كثيرة. فأياً يكن حجم المشاركة في اللقاء اللبناني الشيعي الموسع الذي انعقد أخيراً في بيروت، لا يعكس نبضاً داخل الطائفة، على الأقل من الناحية الشعبية والتأثير المفترض أن يشكله. فهو بالنسبة الى كثيرين يعبر عن اعتراض شخصيات سياسية وأكاديمية وثقافية شيعية على ممارسات الثنائي، وليس اعتراضاً شيعياً عاماً. وهنا تكمن المشكلة الكبرى في تأطير الإعتراض الذي كان يهتز عند كل منعطف وفق أحد المشاركين في اللقاء، ويقول أن حضوره كان لتسجيل موقف احتجاجي من التمديد للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بهيئته الحالية، معتبراً ان تسمية "اللقاء اللبناني الشيعي الموسع" يناقض مبدأ الإعتراض الذي يفتح الآفاق على المساحة اللبنانية العامة.

الهواجس المعلنة

لا يخفي البعض هواجسه من رد الفعل على اعتراض داخل الطائفة الشيعية، وإن كانت صيغته لم تتبلور بعد، فالصعوبة تكمن في جمع شخصيات شيعية لا تتفق على موقف موحد من الثنائي الشيعي أي #حزب_الله و "حركة أمل"، فالقاسم المشترك للقاء وفق الشخصية المشاركة كان الموقف من التمديد للمجلس الشيعي، ولم يستطع اللقاء إعلان موقف في بيانه مما يعبر عنه كثير من المشاركين بالهيمنة السياسية على شؤون الطائفة وإحكام القبضة على قرارها والتحكم بمصيرها ومستقبلها، وهو أمر ما كان ممكناً باعتبار أن العديد من الشخصيات الشيعية لهم مصالحهم وطموحاتهم السياسية، وبعضهم يعمل لدى طوائف أخرى أو ينتمي إلى تياراتها السياسية، ما يعني أن إمكان تأثيره معدوم لدى جمهور الطائفة، فضلاً عن أنه يتماهى في موقعه ويتحرك وفق موقف فريقه السياسي، خصوصاًوأن المرحلة الراهنة هي للتسويات بين الأطراف في الحكم.

وتذكّر الشخصية المعارضة التي لا تريد أن تذهب بعيداً في هذا اللقاء، بالتجارب السابقة للقاءات شيعية عديدة، باءت بالفشل لأنها تقوقعت داخل إطار ضيق، إذ لا يمكن أن تعارض هيمنة سياسية داخل الطائفة بخطاب مماثل، وكأنه بالنسبة الى الجمهور الشيعي استبدال هيمنة بأخرى، فما لم تكن المعارضات وطنية ولها مسارها واستقطاباتها تنتج كتلاً اجتماعية وتبني عليها لا تستطيع أي معارضة التقدم الى الأمام. ولذا، لا يمكن إسقاط تجارب لدى طوائف أخرى أو استنساخها لأشكال معارضة شيعية، خصوصاً أن المعطيات والوقائع التاريخية مختلفة، إذا كان البعض يعتبر، على سبيل المثال، أنه يمكن للإعتراض الشيعي أن يستنسخ لقاء على شكل "لقاء قرنة شهوان" الذي شكل اعتراضاً مسيحياً فاعلاً وله حيثياته وجمهوره، فيما الوقائع الشيعية تختلف تماماً لأنها اعتراض على الهيمنة داخل الطائفة، علماً أن البعض في اللقاء الشيعي نفسه يذكرون بالحملة التي أطلقت ضد شخصيات شيعية بعنوان "شيعة السفارة" وتركت آثاراً لم تنته الى اليوم بدءاً بالتخوين وصولاً الى التضييق على الناشطين، وهو ما يجب أخذه بالاعتبار في أي نشاط اعتراضي مقبل.

"لا يقرأون التحولات"

يستطرد سياسي شيعي ناقداً اللقاء، بأن بعض المشاركين لا يقرأون فعلاً التحولات في الطائفة الشيعية، فالثنائي قابض على أحوال الطائفة، وإن كان يمكن الحديث عن مساحات خلافية بينهما. لكن ليس مستغرباً أن يقررا التمديد للمجلس الشيعي، علماً أن الإعتراض على هذا الجانب لا يشكل استقطاباً داخل الطائفة. وعلى سبيل المثال، إن رئيس مجلس النواب نبيه بري يعبر عن كتلة أهلية وازنة، انتقلت لتحتل موقعاً أساسياً في الكيان، مستندة إلى نموها الديموغرافي، وإلى صعودها الاقتصادي، وإلى تطور حضورها الثقافي، وإلى انخراطها في معركة التحرير ضد الاحتلال. لذا بات القيمون عليها يعبرون عن مصالحهم الجديدة، ووزنهم الجديد أيضاً، بخلاف ما كانت الطائفة في موقع الحرمان سابقاً، وكلنا يذكر مدى التأثير قبل انجاز الاستحقاق الرئاسي، فيما الطرف الشيعي الآخر لديه مشاريعه الإقليمية ويعبر عن صقور الشيعية السياسية بسلاحه المحلي والإقليمي. فإذا كان اللقاء الشيعي الإعتراضي يقرأ التطورات الشيعية ذاتها، سيعرف المشاركون فيه، أن ليس في إمكان أحد اليوم أن يقود تياراً آخر ضمن الشيعية السياسية، طالما أن شكلاً ومصالح جديدة وموقعاً ذهبت إليه وشكلت إقلاقاً في الكيانية اللبنانية.

ليس الحديث هنا عن علاقة الشيعة اللبنانيين بمشروع الدولة، قبل أن نتحدث أيضاً عن دخول التشيّع الإيراني العابر للأقاليم وللدول وللجماعات الوطنية، على خط التشيّع اللبناني التقليدي ومرجعيته العربية، فإذا كانت شخصيات اللقاء الشيعي تنطلق من ضرورة التغيير داخل الطائفة الشيعية، فإن لذلك مسارات مختلفة ترتبط بالتغيير على مستوى كل الطوائف، وإن كان الهدف عقلنة الشيعية السياسية اللبنانية بطرفيها، ففي ذلك تغييب للوقائع وربما أوهام. أما إذا كان الهدف مواجهة الثنائي برفع السقف السياسي، فيحتاج ذلك الى مناخ مختلف ونهوض اجتماعي لبناني عام وكتل قادرة على التأثير، وإيجاد مساحات مشتركة، لذا لا ينبغي وفق السياسي الشيعي، تضخيم التوقعات حول لقاءات شيعية وتكبيرالأهداف التي تسقط أمام الحديث عن كيفية انتقال لبنان وما إذا كان البلد قادراً اليوم على الانتقال الى الحداثة. وقبل ذلك إعادة تكوين الجماعات الطائفية ضمن الدولة ودمجهم في الاجتماع اللبناني العام، ومن بينهم في شكل أساسي الشيعة. وهذا يستدعي التساؤل عن الهوية والإنتماء بتصحيحهماانتساباً إلى الوطن!

ibrahim.haidar@annahar.com.lb
twitter: @ihaidar62

 

Digital solutions by