Digital solutions by

ليلى نذرَت حياتها لابنتها وتيريز فقدت كلّ شيء... لنفكِر بهؤلاء في الميلاد

24 كانون الأول 2016 | 20:07

المصدر: "النهار"

زينة ميلادية في طرابلس.

ينتظر الناس الميلاد بشغف ترقباً لساعات فرح، منهم من يتقنه، ومنهم من لا يستطيع إليه سبيلاً لأن في الحياة ثمة ما يقض المضاجع. وفي طرابلس، يعيش الناس جميعاً موسماً ينتظرونه من سنة لأخرى للتجدد، واستقبال عام جديد بعد أيام قليلة. لكن من الناس من يكتنز سروراً وفرحاً، ومنهم من تجعله ظروفه يخبئ الآلام المختلفة.

الجميع يفلفش زينة وأشجار العام المنصرم، وما خبأه منها في خزائنه، وقد يضيف إليها من الجديد المتألق والبراق. ومنهم من يعمد إلى ابتداع أساليب جديدة في الزينة، وتشكيل الشجرة. المهم أن الموسم للفرح، يعبّرون عنه في منازلهم، وأحيائهم، ومحطاتهم العامة.



 

بعض الناس لا تكتمل فرحتهم إذا لم يفرحهم الآخرون، خصوصاً منهم المعذبين، الذين كتب لهم الشقاء. هذا كريكور هارتونيان يحمل من محله لتصنيع الحلويات، قالب العيد إلى بيت الشيخوخة حيث يقيم عشرات من العجزة، ممن لم يتبق لهم من يواسيهم، أو يؤانسهم في ظلمة الحياة. لكن كريكور يصر، كما قال لـ "النهار" على وهب الفرح للمتألمين، وإلا فرحته بالعيد لا تكتمل"، واصفاً عيد طرابلس بالجميل والمفعم بالحيوية والحب، منوهاً بما نعيشه في بلادنا، وفي طرابلس تحديداً، بينما لهيب المنطقة يأكل كل شيء"، ذاكراً أن الطلب على عمله يزداد بأضعاف كثيرة الأيام العادية، والطلب من المسلمين على قالب العيد أكثر بكثير من طلب المسيحيين، أصحاب العيد المباشرين له"، شاكراً لهم مضاعفة تفعيلهم لسوق العمل في الموسم الذي يفترض أن لا يفرق بين انسان وآخر".

في البيت، يقيم جورج توما، المسؤول عن إدارته، العديد من الفاعليات التي تغير حياة بؤساء المقر. زيّن لهم أمكنة الإقامة، ورفع شجرة، وأدار التدفئة بقوة علهم يرتاحون، ويفرحون، ويقول إنه يستقبل المحسنين الذين يقصدون البيت فيقدمون للعجزة ما يساعدهم، ويفرحهم.

لكن الياس الرومي، الذي تظهر عليه علامات الفرح بالعيد، وهو من مقيمي البيت، فإن ما يقض مضجعه فقدانه لحبيبته. هو متزوج سابقا، وترمل منذ ما يقارب الربع قرن، وخرج أبناءه إلى الحياة، كل سار في سبيله، وبقي وحيداً في البيت. رجل قست السنون عليه، وبلغ سن التقاعد، لكنه بات وحيدا بلا شريك ولا مؤنس، فتزوج جارته التي تزيده خمس سنوات، وهي من مواليد ١٩٤٨ كما قال، بينما هو من مواليد ١٩٥٣.

 

يقول الياس إن ما يؤسفني في العيد خسارتي حبيبتي، فقد تزوجتها منذ ثلاثة أشهر خلافاً لرغبة أشقائها، لكنهم عادوا وأجبروها على طلاقي منذ شهر. أحبها وافتقدها، ولذلك، أعود للحياة في بيت الشيخوخة، هناك يقدمون المأكل، والمنامة، ويهتمون بي، وفي النهار، آخذ حريتي وأتجوّل في أحيائنا الجميلة، واعبر كثيرا قرب بيتها علني أحظى منها بلمحة بصر، وهذا ما آمله في هذا العيد".

وفي محل لبيع "الجوال"، أقامت هدى بيطار زينة الميلاد، الفرح يغطي وجهها في العيد، والبسمة لا تفارقها. تنتظر السهر بشغف، "سنسهر، ونجتمع مع الأهل والأصحاب، ونشرب، ونأكل. ليلة جميلة للفرح، وتجدد الحياة"، كما علقت على طريقتها في قضاء ليلة العيد.

ادريان سليمان (12 سنة)، قال:"عيد الميلاد اجمل عيد لأن العائلة تجتمع ويتبادلون الهدايا الكثيرة، كما ان فكرة بابا نويل رائعة والهدية التي طلبتها هذه السنة هي طائرة الفانتوم 3 التي تصور من الجو".

اما تريز كرم فحالة اجتماعية تترك بصمة كمد على العيد، تعيش مع شقيقها المقعد، وقد فقدت كل افراد العائلة، الواحد تلو الآخر في أقل من خمس سنوات. تتحدث عن حياتها السابقة بحسرة، وعينها تذرف. كان البيت يعج بالأهل، الأب، والأم، وشقيق فقدناه في الأحداث، وشقيقة كانت معوقة، فقدناها منذ أربعة أشهر، أما الوالدان فقبل ذلك بسنوات قليلة، يفرق بين فقدانهما سنتان فقط".

تضيف: "يوم كان والدي شاباً، ويعمل في البحر، كانت حياتنا جميلة ومريحة، ومع تقدمه بالعمر، بدأت حياتنا بالتراجع، واصيب شقيقي الذي انضم إلى الجيش في الثمانينات، ومنذ ذلك الحين هو مقعد، لكن بقي له ولي معاشه التقاعدي، نعتاش منه يوماً بيوم".

عن العيد تقول: "نتمنى ان تتغير الاحوال، فإن زارنا أحد الأقرباء، سررنا به، لكننا لا نقيم أي شيء خاص بالعيد وحياتنا لا تسمح لنا بالفرح وبخاصة بعد فقداننا شقيقتنا منذ شهور قليلة".

 

أما ليلى بيروتي، فقد نذرت حياتها لابنتها رانيا، التي ظهرت عليها في الشهر الثالث من العمر علامات الإعاقة، والتخلف العقلي. رانيا عمرها أربعون، تتقلب على الأرض، تقف ملتوية، تهز رأسها باستمرار، وليلى تحبها، ولا تفعل شيئا آخر في الحياة سوى خدمتها. تصنع لها الطعام الرخو لأنها لا تقوى على المضغ. وتقول:"هي نعمة من الله، فكيف أهدرها؟"، وتتحدث شاكرة ربها على كل شيء، وهي مقتنعة بحياتها رغم قساوتها، ولها ابنتان أيضا، واحدة متزوجة، والثانية تعمل في مقر عمل خاص، وهي التي تغطي نفقات العائلة، الكثيرة بقليل من المال، بحسب ليلى، التي لا تتأفف من القلة، فـ "ما انعم الله به علينا يكفيني".

 

كان زوج ليلى قبل وفاته، يدخر المال بصورة جيدة، لكنه كان يلعب القمار، بحسب ما روت، فـ "قاسينا بسببه الكثير، واليوم، أكثر ما أحتاجه تأمين دواء لرانيا يخفف من آلامها، وبعض دواء لي". أما العيد بالنسبة لها، فهو خدمة رانيا، والبقاء قربها، والوقوف على حاجاتها وتحلم ان تحصل المعجزة وتشفى.

المآسي اسرار البيوت، لكن الشوارع تكتظ بالزينة، ومنها من يغالي في إقامتها، ويصرف عليها الملايين، فارتفعت أشجار الميلاد المضاءة والعملاقة في أمكنة متعددة من المدينة. إنه العيد يعبر بأفراحه وأتراحه، وهكذا الحياة تمضي. 

 

rolahamid@hotmail.com

 

 

Digital solutions by