Digital solutions by

بين لعبة عضّ الأصابع حكومياً ولعبة عدّ الوقت برلمانياً

17 كانون الأول 2016 | 12:26

المصدر: "النهار"

(الأرشيف).

هل القانون الانتخابي هو الذي يؤخّر ولادة الحكومة أو تعثّر الولادة الحكومية يؤثّر سلباً في التوافق الاضطراري على القانون الانتخابي؟

الجولة التي قام بها وفد "تكتل التغيير والإصلاح" على الكتل النيابية والقوى السياسية الأساسية بالتزامن مع محاولات التأليف الحكومي انتهت الى نتيجة صفر: فالنائب وليد جنبلاط كان في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وشارك في وضع قانون الانتخاب النسبي على أساس ١٣ دائرة وهو ممن يرفضونه اليوم، اضافة الى "تيار المستقبل" الذي يمكنه القول إنه لم يكن شريكاً في وضعه، وكذلك "القوات اللبنانية" التي كانت خارج هذه الحكومة والتي تراعي "المستقبل" في هذا الرفض. وجاء هذا الاخفاق في توافق الحدّ الأدنى على صيغة لقانون الانتخاب بالتزامن معإخفاق أول محاولة قيل أنها كانت من الرئيس المكلف سعد الحريري لاصدار الحكومة.

عود على بدء في المسارين المتزامنيُن حتى وإن قيل إنهما غير مترابطيُن. من الواضح ان الحسابات التي تجريها كل القوى سواء في التشكيلة الحكومية او في صيغة قانون الانتخاب تنطلق من ترابط المسارين المتوازيين. فالحكومة المقبلة هي التي إما تضع قانون الانتخاب الجديد ونظامه وتحدِّد دوائره ومهل تطبيقه، وإما تقرّر اجراء الانتخابات في موعدها حتى ولو على قانون الستين، او تأخذ القرار بالتمديد التقني للمجلس تحت عنوان الاتفاق على قانون انتخابي جديد والحاجة الى مدة زمنية معيّنة للتأهيل والتحضير على تطبيقه في الانتخابات النيابية المقبلة. ولكل ذلك، يسعى كل الاطراف الى حجز مقاعدهم في المركب الحكومي، لضمان مشاركتهم وحفظ وجودهم واستمراريتهم في الحكم كما في مجلس النواب المقبل. وكلما تعثّر الاتفاق على قانون الانتخاب، شعر المبعدون عن جنّة التوزير بسياسة إقصاء تُمارس عليهم من اليوم، ولذلك يتمسّكون بالمقعد الوزاري وكأنه معبرهم الإلزامي الى مجلس النواب. ولا يخفي من يتكمّشون بالحقائب، لاسيما الخدماتية منها، ما ينتظرون منها من مغانم انتخابية وما يعلّقون عليها من آمال في انتشالهم من شحّ لا بل نضوب في المال السياسي والانتخابي. وكل الكلام علىأحجام في ما أطلقوا عليه جزافاً "حكومة وحدة وطنية" ليس الا عملية محاكاة للأحجام التي يريدون القبض عليها في الانتخابات النيابية المقبلة، وما بعد بعد مجلس النواب المقبل.

حتى إن اللعب على الوقت في عملية التأليف الحكومي لا يقوم إلا على ارضية وحسابات الانتخابات المقبلة. ومن قال إن مجلس النواب الذي فشلت كل لجانه في وضع مجرد مسودة قانون انتخاب توافقي، سيسلّم القابضون على كتله النيابية بالمجازفة بقانون انتخاب قد يأخذ منهم اقطاعياتهم النيابية؟ "حكومة الوحدة الوطنية" المزعومة ليست في اذهانهم سوى حكومة المحاصصة الوطنية، وهي قد تجلس هنيئا كما سابقتها ربما سنة وسنتين وأكثر، اذا اقتضى الوفاق الوطني ان لا نجري الانتخابات النيابية الا على قانون جديد، وان لا نتفق على قانون جديد، وان نأخذ وقتنا لإيجاد قانون يرضى به الجميع. بعد انتخاب رئيس للجمهورية وإعادة الروح الى الرئاسة الأولى، لا يبدو أن أحداً مستعجل: هناك رئيس للجمهورية أعاد للمسيحيين رأسهم وروحهم، وهناك رئيس مجلس نواب يحفظ للشيعة حقّهم الدستوري، وعاد للطائفة السنية رئيس الحكومة الذي يمثّل الأكثرية في طائفته. لم يعد من فريق يعيش في الاحباط ليضغط على الاطراف الآخرين في عملية التوازن الطائفي-الوطني المطلوبة في بلد الستة بستة مكرّر. لم يعد احد مستعجلاً. لعبة عضّ الاصابع اليوم قد تتحوَّل غداً لعبة عدّ الوقت. وقبل ان يتبيّن كل طرف حجمه ودوره في اي انتخابات نيابية مقبلة لن يسلّم بما تملكه يداه. عندما تقترب الساعة الصفر لانتهاء ولاية مجلس النواب واستشعار من يعنيهم الامر انهم ذاهبون الى منازلهم، ومجلس النواب قد يقفل ومعه مقرّ الرئاسة الثانية، ستختلف الحسابات. عامل الوقت وضيق المهل لا يضغطان على العهد الجديد وحده، ولا على الرئيس المكلّف، بل ربما أكثر على الطائفة الشيعية.

بين حكومة الـ ٢٤ أو الـ٣٠ لن تزيد الحقائب، وسياسة القضم في الحصص وتكبير الأحجام لن تخدم طويلاً في عملية عدّ الوقت. اذا لم نتفق على تأليف الحكومة ولا على قانون الانتخاب، فمن الطبيعي ان لا نتفق على التمديد الثالث لمجلس النواب. عند هذا الحدّ تنتهي اللعبة المكشوفة الأوراق. ولذلك كله، يصحّ ما يٌقال عن ان لا علاقة للانتصار الميداني في حلب على ميدان التأليف الحكومي في لبنان، والتعنّت في المطالَب الحكومية محدود بسقف زمني، لأن ما بعد شباط لن يكون كما قبله، ومع بدء سريان المهل الانتخابية، سيجد الجميع ان حسابات الحقل الحكومي مختلفة عن حسابات البيدر النيابي، وكلما بكّرنا في تأليف الحكومة وفّرنا الكثير من الخلافات وقرّبنا المسافات نحو تفاهم الضرورة قانوناً او تمديداً او انتخابات.

فلمَ لا تكون الحكومة هدية الأعياد للبنانيين وليس للسياسيين؟!

 

Digital solutions by