Digital solutions by

هل من تقارب روسي أميركي؟

22 تشرين الثاني 2016 | 13:13

المصدر: باريس - "النهار"

هل التقارب بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين يمكنه ان يؤدي الى تحالف أميركي - روسي؟

تشير مصادر ديبلوماسية غربية إلى ان التقارب بين الرئيسين الاميركي ترامب والروسي بوتين يمكنه ان يؤدي في الفترة الاولى من الرئاسة الاميركية الى تقارب رمزي يتمثل برفع بعض العقوبات الاميركية عن روسيا. فتكون اشارة من ترامب الى خطه في السياسة الخارجية والعلاقات مع روسيا. غير ان تحالفًا أميركيًّا - روسيًّا غير مرجح لأن تعزيز المصالح الاميركية في العالم يواجهه توسعا خارجيا روسيا.
أعلن ترامب إعجابه بالرئيس بوتين خلال حملته الرئاسية، كما يوجد تقارب ايديولوجي ومالي بين المقربين من الرئيسين. ولكن هل هذا التقارب كافٍ لوضع حدٍّ لـ "الحرب الباردة " في اوروبا الشرقية؟ وهل سنشهد تحالفًا أميركيا - روسيا ضد الدولة الاسلامية في سوريا والعراق؟ وهل يجب ان تخشى دول اوروبا، الشرقية بشكل خاص، تحالفًا يرفع العقوبات عن موسكو؟
تلاحظ هذه المصادر، من خلال قراءة دقيقة لما أعلنه ترامب خلال حملته الرئاسية، تشابهًا في المواقف، لكن ذلك لا يعني تقاربًا سياسيا على المضمون. والتشابه بينهما لا يمكنه وضع الاختلافات الجيوسياسية بين البلدين جانبا: هل سيتبع سياسة انعزالية، وهل الانطلاقة الجديدة مع روسيا مرجّحة، وهل ستتحسن العلاقات بين الحلف الأطلسي وروسيا، وماذا عن التعاون الروسي الاميركي في الشرق الاوسط؟

اولا : الدعوة الى الانعزالية كانت شعار معركة، ولكنها غير متوفرة سياسيا.
لا يمكن اليوم التكلم عن سياسة ترامب الخارجية انطلاقا من الشعارات التي أطلقها خلال حملته الانتخابية وخطابه في شهر نيسان الماضي يوضح بعض مواقف الرئيس المنتخب. وشكّلت الانعزالية القسم الاول منه عندما انتقد تدخل الرئيسين باراك اوباما وبيل كلينتون. فأعاد تموضع المصالح الاقتصادية والأمنية الاميركية في قلب سياسته الخارجية "اميركا اولا". وقد فسر البعض هذا الشعار كانكفاء على المواضيع الداخلية، وعدم مجابهة السياسة الروسية في اوكرانيا والبلطيق والقوقاز، والتوصل الى تسوية بالنسبة الى التدخل الروسي في سوريا ومحاربة "داعش".
غير ان وصفه بالانعزالي متسرع، لأن ما يريده ترامب هو ما قام به اوباما: عودة الثقة بينه وبين حلفاء اميركا، ومجابهة اعدائها (ايران وكوريا الشمالية) واعادة بناء القدرات العسكرية للولايات المتحدة.
وخلال الحملات الانتخابية السابقة استخدم عديد من المرشحين شعار الانعزالية، وآخرهم الرئيس جورج بوش، لكنه لم يصمد امام ممارسة السلطة والتحديات الاستراتجية.

ثانيا: انطلاقة جديدة للعلاقات مع روسيا.
وتشكك هذه المصادر بانطلاقة جديدة للعلاقات مع روسيا، فالعديد من المرشحين في الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا يستخدمون هذا الشعار في حملاتهم الانتخابية لإبراز كونهم رجال دولة. وكان الرئيس اوباما قد وعد عام 2008 بإعادة إطلاق العلاقات بين واشنطن وموسكو، لكن موسكو انتقدت سياسته الداعمة للانقلاب في اوكرانيا وآسيا الوسطى، وانتقدت توسع الحلف الأطلسي الى اوروبا الشرقية والقوقاز، واتهمت اميركا بمحاصرة روسيا من البلطيق الى الباسيفيك الى بحر قزوين. فموسكو خارج دينامكية التحالفات ولدى الولايات المتحدة شبكة تحالفات قوية لا تشمل موسكو.

ثالثا: لا نهاية للحرب الباردة ولا فك ارتباط مع حلف شمال الأطلسي ولا رفع للعقوبات الاميركية عن روسياعلى جدول اعمال ترامب.
لقد اثار انتصاره العديد من المخاوف في اوروبا الشرقية. وهناك تساؤلات: هل سيعلن ترامب انسحابه من حلف شمالي الأطلسي والتعاون مع روسيا؟
وتشير تصاريح ترامب الاخيرة إلى ان هدفه ليس انسحابًا استراتيجيا، ولكن تبديل موقف بشأن تمويل القدرة العسكرية الاميركية اي دعوة الحلفاء الى مشاركة أكبر في الجهود الاميركية للدفاع عن اوروبا. كما نجحت واشنطن في تأمين تمويل 70 في المئة من وجودها العسكري في اليابان بواسطة الدولة اليابانية. ودعوة الدول الاوروبية الى المشاركة بنسبة 2 في المئة من ناتجها المحلي الاجمالي في موازنة الحلف.
كما ان انسحاب الحلف من البلطيق واوكرانيا غير وارد حاليا، فواشنطن لا تراهن فقط على هيبتها بل على مصالحها في هذه المنطقة من العالم. والرئيس الاميركي سيدافع عن هذه المصالح وعن انتشار الحلف الأطلسي في الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي منذ 1999 عندما دخلت بولونيا وهنغاريا وتشيكيا... وقوة الدعم لأوروبا تشكل اليوم نقطة اساسية في السياسة الاوروبية والشرق اوسطية لواشنطن ومن المستبعد ان يفرّط ترامب بهذا الارث خاصة انه يشكل الرافعة الاساسية للضغط على روسيا وايران.
وقد اتخذ ترامب موقفا واضحا عندما اعلن ان الصواريخ التي ستنشر في رومانيا وتشيكيا وبولندا تشكل أدوات للدفاع عن المصالح الاميركية.
ويشكل نشر السلاح الاميركي في اوروبا واجهة ضرورية لتصدير السلاح الاميركي الى القارة الاوروبية. والمطالبة بمزيد من التمويل الاوروبي سيجابه بعزم واشنطن على الامساك بحلف الشمال الأطلسي ورفضها تقاسم الاستقلالية الاستراتجية للحلف مع الدول الاوروبية.
اما بشان رفع العقوبات عن موسكو فقد يتخذ ترامب بعض المواقف الرمزية، لأنها غير مكلفة لاميركا مقارنة بالدول الاوروبية. وموسكو لا تعير نفس الأهمية لرفع العقوبات الاميركية نسبة الى العقوبات الاوروبية وقد يؤدي رفعها الى تنازلات غير مكلفة.
وقد يشكل استمرار نشر الدرع الصاروخي في اوروبا خطًّا احمر لن يمكن لترامب القفز فوقه.

رابعا: حدود التحالف الروسي الاميركي ضد الارهاب في سوريا والشرق الاوسط.
من ناحية اخرى هل يمكن للتقارب الاميركي - الروسي ان يحصل في الشرق الاوسط تحت راية قتال "داعش"؟ لقد اعلن ترامب ان لديه خطة للقضاء على "داعش" مشددا على وحدة المصالح الاميركية - الروسية. لكن ذلك غير كافٍ لإنشاء تحالف أميركي - روسي ضد "داعش"، وغير كافٍ لحلّ التوترات بين أعداء داعش (تركيا وايران ونظام الاسد والسعودية). فالذين يراهنون على تصاريح ترامب للتنبؤ بتحالف أميركي - روسي في سوريا يخلطون بين طبيعة وأهداف التدخل الروسي في سوريا وبين مصاعب السياسة الاميركية في المنطقة.

اولا ان تحالفًا كبيرا مع روسيا ضد الارهاب خرافة حسب هذه المصادر التي تعتبر ان أيّ تحالف يحتاج الى القيام بعمليات عسكرية موحدة وتقاسم المعلومات وتبادل بين القوى العسكرية. ونلاحظ اليوم أحادية للقوات العسكرية الروسية على ساحات القتال: فالأهداف، وطريقة العمل والمسار مختلف. ولا يمكن لأي غرفة عمليات الاستمرار في العمل امام تحديات القوات الروسية الغير المدربة على العمل ضمن تحالف. وقد اظهر الاتفاق الفرنسي الروسي للتعاون لمحاربة الارهاب بعد الاحداث التي تعرضت باريس عدم فعاليته.
فأهداف موسكو في سوريا مختلفة وهي تريد إثبات انها قادرة على الانتشار بعيدا عن حدودها رغم العقوبات الدولية. وهذا يتضارب مع الهدف الاميركي، لمحاربة الارهاب.

ثانيا يتطلب الدفاع عن المصالح الاميركية حماية حلفائها في الشرق الاوسط. وحلفاء واشنطن ليسوا حلفاء موسكو، بل على تناقض مع حلفاء روسيا. فموسكو تتعاون مع المحور الشيعي الممثل بقوات ايرانية ومقاتلي "حزب الله" وميليشيات شيعية اخرى، فيما واشنطن متضامنة مع الدول الخليجية التي ليس لديها نفس الأهداف لقصفها، ولا تعتمد على الفرقاء المحللين أنفسهم، وتتعارض على الخطة للخروج من الازمة. وتصاريح ترامب حول ايران تمنع اي تقارب دائم مع روسيا. واذا أراد ترامب اعادة النظر في الاتفاق النووي الايراني فانه سيصطدم مع روسيا. ويعود عليه الاختيار بين التقارب مع موسكو او ليّ الذراع مع طهران.
فالأهداف الروسية في الشرق الاوسط تتناقض مع اهداف الولايات المتحدة، ومحاربة "داعش" لا تشكل سوى نقطة اتصال جزئية ومؤقتة بين البلدين. فموسكو تريد تعزيز سياستها في الشرق الوسط واعادة بناء تجهيزاتها العسكرية عند الحليف السوري، والاستفادة من التأثير المتزايد لحليفها ايران في المنطقة. وهذه الاستراتجية تتناقض مع حماية وتعزيز المصالح الاميركية.

ان ترامب الذي يوصف بأنه صديق لبوتين واقعي، وسيجد ان روسيا تدافع عن اهداف مختلفة وحتى متناقضة عن الأهداف الاميركية. والتقارب بين ترامب وبوتين غير مستبعد في القسم الاول من رئاسة ترامب لكنه رمزي، وقد لا يشكل تعاونا جيوسياسيا على المدى الطويل.

Digital solutions by