Digital solutions by

حياة تبدأ بطلاق وتنتهي بقطعة خبز

31 آب 2016 | 18:41

المصدر: "النهار"

يتراءى من البديهي أن نظنّ نهاية جدار #برلين بالنسبة للمؤلّفين من مجايلي زمن التحوّلات الكبرى في نهاية القرن العشرين، تهيئة لمرحلة خصبة حيث لا ضوابط ولا قيود، غير ان السقوط المدوّي لهذا الفاصل الحجري بين مدينتين وبين عالمين، بان بالنسبة لحفنة من الكتّاب، علامة على استحالة العيش التأليفي من بعده.

كيف كان يمكن لصوت من نسق الألماني هيرمان كانت مثلاً أن يستمرّ في أعقاب سقوط جدار برلين وهو حدث قاربه كعودة إلى ألمانيا القديمة؟ كيف كان له ليتحرّر من التصاقه بفكرة لم تعد موجودة؟ عاد هذا النسق من الإستفهامات ليتردّد مع رحيل الكاتب أخيراً، عن تسعين عاماً، في موازاة الرجوع المتأنّي إلى سوء الفهم الذي دأب يزنّر تجربته.

على رغم جميع المعوقات والمواقف المناهضة الجاهزة إزاءه استطاع كانت ومن بين أسماء قليلة إنبثقت من القسط الشرقي من ألمانيا، أن يمضي في التأليف وبإطراد، في أعقاب سقوط جدار الفصل. لم تتبدَّ المهمة سهلة بعدما صعّب إندماجه العفوي بسياسات "جمهورية ألمانيا الديمقراطية" الثقافيّة تقبّل عمله الأدبي، ناهيك بأنه وفي حين لاقت مشاعره المُنتقدة للرأسمالية صدى لدى المثقّفين الليبراليين غرباً إلى حدّ تغاضيهم المرحلي عن وصفه السطحيّ للغرب، لم يكن ممكناً أن تؤخذ انتقاداته لألمانيا الشرقية وعِللها، على محمل الجدّ.

منذ بدايته التأليفية راوح كانت في خانة الواقعية الإجتماعية وجعل مجموعته القصصية الأولى تتقدم ضمن هذا المنحى، ومن طريق روايته "قاعة التدريس" الصادرة في 1965 والمنقولة إلى خمس عشرة لغة إرتقى وفي سرعة لافتة من مصاف الهويات المجهولة إلى مرتبة الأسماء المسموعة. جلب له النص اعترافاً غير مرتقب بموهبته على لسان عميد نقّاد ألمانيا الغربيّة، مارسيل رايش رانيسكي. وصفه يومذاك بالعدوّ الذكي للعالم الغربي، ليزيد إن كانت يفتقر إلى الحياء ربما، لكنه يتمتّع بموهبة التأليف على نحو ممتاز.

لا شكّ في قيمة اعتراف الخصوم، ذلك انه يتأتى دوماً من استحالة النكران. وإذ عوقب كانت على إزدواجيته، على توقه إلى الحرية كتابةً من جهة وعلى إقصائها من معيشه من جهة ثانية، ظلّ في عُرف غونتر غراس الكاتب الجميل والملعون في آن. كاتب لم يتردّد في نشر حكايات على قدر من السخرية الخارجة على الإصطلاح ومن العبث المتخفّف من كل ثقل. هذا ما جعل قصة "أحيانا يكون خبز بوروتشين مقرمشاً تحت الأسنان" والواقعة في نحو أربعين صفحة حالة نادرة في الكتابات المتداولة.

تتمحور الحكاية على رجل يختبر طلاقاً مؤلماً وينتقل للعيش في جوار أحد الأفران فيستدرج إلى إدمان على خصوصية. لا يلبث خبز بوروتشين الألماني الذي يُصنّعه الفرن أن يصير مخدراً يوقع الراوي فارسمان في شركه. على نحو ما، يغدو الخبز الطازج مرادفا للحياة. حياة تتبدّى أكثر تركيباً مما نظنّ ويلخّصها كانت كما يلي: "الحياة نظام معقّد ليس على مستوى الكلّ فحسب وإنما على مستوى التفاصيل أيضاً". تفاصيل تبدأ بالحبّ الزواج والطلاق والإدمان وتنتهي بقطعة خبز.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

Digital solutions by