Digital solutions by

موت تافِه في حادث سير

24 آب 2016 | 19:24

المصدر: "النهار"

رحيلٌ مباغت لإحدى المواهِب الكتابيّة الباينة والمُنبثقة من بلاد لم تبخَل في منح النصوص اللافتة.

توفّي أخيرا إغناثيو بادييا واحد من أجمل الساردين المكسيكيين في جيله وأحد الأصوات الواعدة دوما بأن ثمة أفضل لا بدّ أن يأتي، بعد حين. لكن الرحيل المُبكر في العقد الرابع، في حادث سير وهو ظرف عاديّ لم يؤتمن على شطحات تخييلية حتى، وضع نهاية لمسار جميل. مسار حيث أظهرَت القصة القصيرة والمقال والرواية والبحث والنص المسرحي وأدب الأطفال مقاربة على حدة كانت دعوتها الإعتراض على التأليف الجاهز غير المُرَحِّب بالإختلاف.

في سياق "جيل كراك" الذي لمّ شمل خمسة كتّاب مكسيكيين في 1996 رفع بادييا بطاقة حمراء إزاء الواقعيّة السحريّة بعدما سطا طيفها في منطقه وفي منطق المجموعة، على كل مشروع تأليفيّ في الجزء الجنوبي من القارة الأميركية. والحال ان ما حرّك بادييا وثلة المعترضين يومذاك كانت الرغبة في نفض كل مقترب إحتكاري.

في بيان "جيل كراك" المُشترك أو "مانيفستو" وصل بادييا وفي مقاربة لافتة إلى جذر الحاجة إلى قلب الطاولة أدبيّاً. كتّب وكما فعل زملاء "الممانعة التأليفية" نصاً تفسيريا لنشأة هذه الحركة. مرّ بداية بالبرتغالي بيسوا ليقرّ بخلقه و"بسبب الإنهاك"، جيلا كاملاً من المؤلّفين في لشبونة الخاضعة لنظام ديكتاتوري والعقيمة أدبياً. نقرأ "في أحد الصباحات، وعلى اثر حلم مزعج إستيقظ ألفارو دي كامبوس ليكتب "لأني أسمع، فأنا أرى. أقرّ بذلك: انه الإنهاك". وفي ساعات أرقِه، ولِد الشِعر العظيم. على النحو عينه، أظنّ القطيعة تولد هكذا وفي كل أنواعها، بدءا من أكثر اليوميات تنوعاً ووصولا الى أكثر الثورات دمويّة وراديكاليّة. لم تأتِ القطيعة بسبب العقائد وإنما بنتيجة الإرهاق".

في المنطق عينه، إحتاج جيل بادييا إلى جَبهِ إنهاك أدب أميركا اللاتينية العظيم والواقعية السحرية المثيرة للريبة والتي اتخذت، في عرفه، منحى مأسويّاً. وها إنه يلفت إلى المسألة في نصه: "هناك إنهاك من الكتابة على نحو سيىء بغية ان نقرأ أكثر، وهناك إنهاك من الإلتزام، وإنهاك من الآداب التي تحلّق وترسم دوائر كمثل ذبابات تحوم فوق جثّتها الذاتية. إنبثق من هذا الإنهاك رحيل عام ليس أدبيّاً فحسب وإنما ظرفيّ أيضا. لست أتحدّث عن التشاؤم او الوجودية المفروضة أو التي تخطّاها الزمن. ربما لا نزال نحتفظ بسِمة تفاضلية وهي ان تصير روح التشخيص والضحك والهزء بدائل ناجعة".
وإذا كانت وضعيّة بادييا كاتباً تكرّست من خلال التحاقه بـ "الأكاديمية المكسيكية للغة" بدءا من 2011 فإن إرثه الذي انقطع على حين غرّة خصّ رجلاً أقرّ بحسن طالعه لأنه انتمى إلى جيل استطاع الإلتزام ومُبكراً جدا بالإبتكار الأدبي في "بلاد بلا قرّاء"، على ما وصف مسقطه.
أخذ موت تافه في حادث سير حياة كاتب هزأ من الموت وإن تحسّب له مُفصحاً عن رغبته في أن تُقرأ حكاياته في أعقاب موته كأنها سيرته، على ما قال في مقابلة حديثة، قبل رحيله.

في رصيد بادييا نحو ثلاثين كتاباً في أنواع مختلفة ومن بينها "ظلّ بلا إسم" و"استحالة الغربان" و"القطارات الأخيرة"، غير ان نسقه الأثير ظلّ القصّة دوما كطريق إلى الكتابة العُصابيّة وإلى اليوتوبيا.

لا بدّ أن الإبتكار هو الكلمة - المرجع في منجز بادييا، والكلمة عنده تحولّت إلى مصدر هجس. شخََص إلى الكلمة كأنها حيوان حيّ، بحَث عنها وتأمّلها وأعاد اختراعها ليسرق حيوات كثيرة وأسماء كثيرة.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

Digital solutions by