Digital solutions by

احتضارُ تيار

4 آب 2016 | 20:13

المصدر: "النهار"

بعد أسابيع قليلة من انتخابات 2005 التي حصد فيها "التيّار الوطني الحر" 21 مقعداً نيابيّاً و73 في المئة من أصوات المسيحيّين، على أساس برنامجه الوطني المتقدّم والمعروف بالكتيّب البرتقالي، "الطريق الآخر"، بدأت مرحلة الانحدار مع بدء التخلّي عن نصوص البرنامج وروحه ومبادئه، وكتبتُ آنذاك نصّاً نقديّاً في جريدة "النهار" بعنوان "الطريق إلى الآخرة".
صحيحٌ أنّ عوامل عدّة كانت وراء ذاك الإنجاز الانتخابي والسياسي، ليس أقلّها أنّ "التيّار" كان الضلعَ الخامس غير المنظور في "الاتفاق الرباعي" طرداً وعكساً مستفيداً من طابعه الإسلامي على خلفيّة سابقة "العزل" الشهيرة في قمّة عرمون عام 1975، كما استغلّ عطفاً استثنائيّاً من الكنيسة والجيش وزيارة العماد ميشال عون إلى الدكتور سمير جعجع في سجنه، وتراكم نضالات ناشطيه ميدانيّاً وإعلاميّاً وسياسيّاً على مدى 15 سنة، من دون إغفال "شغل" المخابرات اللبنانيّة وذيول المخابرات السوريّة.
لكنّ خللَيْن طرأا على تلك الحالة السياسيّة الفريدة، وتسبّبا ببدء مسيرة الانحدار منذ ذلك الحين:
- الانحراف عن النهج السياسي والوطني السليم نحو تحالفات وارتباطات غير منطقيّة وغير طبيعيّة مع نقيضين هما "حزب الله" والنظام السوري وتوابعهما، بما جعل "التيّار" في غربة عن مبادئه وتاريخ نضاله.
- الاتجاه الواضح والمقرّر سلفاً بعدم استيلاد حزب سياسي ديموقراطي عصري، بل تكريس القرارات الفوقيّة فيه وتوريثه بأسوأ الأساليب وأبعدها عن حداثة الأجسام السياسيّة.
وقد تفاعل هذا الخلل عبر لعبة السلطة والمال، فتحوّل "التيّار" تباعاً، وبخطّة منهجيّة، من حركة سياسيّة وطنيّة واعدة إلى نادي أثرياء ورجال مال وأعمال، في نموذج أوليغارشي كليبتوقراطي في منغلقات المافيا الشهيرة.
ولا غرابة في ما يحدث الآن من صراع داخلي مرير. فقد كان هذا الصراع مكتوماً غالب الأحيان تحت قبضة المرجعيّة المطلقة التي جسّدها عون نفسه. وقد بدأ التبرّم من الانحراف السياسي والتعليب الاداري العائلي منذ 12 سنة، وخرج مؤسّسون وقادة رأي وناشطون مميّزون بعدما يئسوا من "الإصلاح والتغيير" في الداخل. وهناك عشرات الأسماء التي كانت سبّاقة في إدراك حقيقة الخلل وبؤس الخيار والأداء، وفي الخروج من المركب المتهاوي.
وقد تأخّر ناشطو اليوم في معرفة جوهر الخطّة الاستئثاريّة وفي رفع الصوت، وخير أن يأتوا متأخّرين من ألاّ يأتوا أبداً. لكنّ الثغرة التي تُضعف حِراكهم تكمن في اقتصار انتفاضتهم على الجانب التنظيمي الاداري، والتسليم الخاطىء بالالتزامات السياسيّة الخطيرة، وكأنها قدر لا يُردّ.
ولا يمكن لأيّ حركة اعتراضيّة أو تصحيحيّة أن تنجح إلاّ إذا شملت الخللين معاً، لأنّهما مترابطان متلاصقان، فلا تصويب للمسار التنظيمي طالما أن المسار السياسي نقيض الأسس التي نهض عليها "التيّار".
لكنّ الواقع يؤكّد أنّ الإصلاح والتغيير في الداخل باتا غير ممكنين، لأسباب كثيرة نلفت إلى أبرزها:
- هذا "التيّار" هو الجسم السياسي الوحيد في لبنان، بين الأجسام (الأحزاب) القائمة على أحاديّة الشخص القائد، يبدأ انحداره، وربّما انهياره، بوجود زعيمه على قيد الحياة. فالأحزاب هذه تضعف وتشيخ وتضمر أو تسقط عادةً بسقوط المؤسّس القائد وليس قبل رحيله.
- وهو "تيّار" لا ينتمي إلى ما يُعرف بالأحزاب العميقة التي دخل ناديها، مثل "الكتائب" و"القوّات" و"التقدّمي الاشتراكي" و"السوري القومي"... وهي أحزاب شكّلت قواعدها الصلبة في بيئاتها الحاضنة. بينما هو فعل العكس، فلم يحافظ على قاعدتيه العميقتين، الجيش والإكليروس، بل ذهب أفقيّاً في تجميع مؤيّدين غير متجانسين سرعان ما يتفرّقون ويتصادمون إلى حدّ التضارب والضغينة عند أوّل مصلحة خلافيّة، كما حدث مثلاً في الانتخابات البلديّة الأخيرة، في الأشرفية والمتن وسائر بقاع الانتشار.
وليس خافياً مدى تراجعه في مؤسسة الجيش التي بنى "مجده" عليها وكاد يختزل احتضانه لها في وقت سابق، وأسطعُ دليل عدد غير قليل من الضبّاط الكبار الذين تقاعدوا وأصبحوا ضدّه بعدما كانوا رؤوس حرابه. أمّا الإكليروس، فلا حاجة لإثبات الهوةّ التي تفصلهما، من بكركي إلى المطارنة، إلى كهنة الرعايا والرهبنات.
- وهو "تيّار" ذو وظيفة موضعيّة معيّنة ومحدودة في الزمان والمكان. فقد تبيّن منذ تأسيسه أنّه حاضنة لهدف زعيمه، بل متنُه لبلوغ أعلى مركز في السلطة، الرئاسة. هكذا كان منذ أيّام "بيت الشعب"، قصر بعبدا في نهاية ثمانينات القرن الفائت، وهكذا هو اليوم، مطيّة للوصول.
وخلافاً لأحلام الأغرار من ناشطيه، ففي حال وصول زعيمه إلى كرسي الرئاسة (وهو في الحقيقة حلم ليلة صيف)، فإنّ "التيّار" ينتهي بأسرع ممّا لو بقي خارج القصر، لسبب بسيط هو اكتمال وظيفته. والأمر يختلف جذريّاً عمّا كان الرئيس الشهيد بشير الجميّل ينوي فعله لحلّ "القوّات" مع تسلّمه سدّة الرئاسة.
فـ"القوّات" كانت حينذاك، وهي دائماً كذلك، مقاومة مسيحيّة وطنيّة سياديّة وليست مجرّد مطيّة إلى السلطة، وكان بشير الجميّل قد قرّر حلّها لمصلحة بناء دولة شرعيّة قويّة وجيش وطني بقرار سياسي سيادي حرّ. أمّا "التيّار"، وبعد المراس والتجربة، فليس سوى وسيلة، تنتفي الحاجة إليها بعد استعمالها، وهذا ما يفسّر عدم تحويله إلى حزب قابل للحياة، على أساس المحاسبة وانتاج القرار ديموقراطيّاً. فقد نشأ تيّاراً واستمرّ تيّاراً وينتهي تيّارأ، على قاعدة الشعبويّات في تسلّق السلطة، والتخلّي عن سلالم الصعود.
- ولعلّ أسوأ ما أُصيب به "التيّار" أخيراً، هو هذا الاستعراض "الديمقراطي" المثير لدهشة المراقبين وسخريتهم : انتخاب مرشّحيه إلى النيابة من قبل ناشطيه!
نعم، ينتخبون مرشّحيهم في "إنجاز" ديموقراطي غير مسبوق، لكنّ المساكين الذين يتمّ انتخابهم سيخضعون لـ"الاستطلاع" (وما أدراك ما هي شركات الاستطلاع وكيف تُموَّل)، ثمّ لاستنسابيّة رئيس "التيّار" وفقاً لتقدير ظروف المعركة ومقتضيات التحالف والضخّ المالي في نادي الأثرياء... وعلى المُنتخَبين ديمقراطيّاً السلام!
ولا ينتبه مخترعو هذا "الانجاز" الديموقراطي إلى تناقضهم الخطير في ملفّ الانتخابات الرئاسيّة. فلنسلّم بأنّ عون هو الأوّل مسيحيّاً بعدما رفدته "القوّات" بشرعيّتها المسيحيّة وقاعدتها الواسعة. ولكن، وعلى قاعدة الترشيح داخل "التيّار" فلتُطبَّق القاعدة نفسها، المسيحيّون اختاروه، لكنّ انتخابه خاضع لمشيئة مجلس النوّاب بمكوّناته السياسيّة والطائفيّة المتنوّعة. هنا، داخل "التيّار" يخضع الناجح في النهاية لقرار رئيسه كي ينال حظوة الترشيح للنيابة، وهناك، في رئاسة الجمهوريّة، يخضع الناجح مسيحيّاً لإرادة مجلس النوّاب كي يحظى بكرسيّ بعبدا. السنّ بالسنّ والعين بالعين. المقياس نفسه والعدالة نفسها.
يبقى أنّ تيّاراً سياسيّاً بحجم "التيّار العوني"، بدأ مختلفاً ثمّ انتشر وتمدّد وتعملق، دخل مرحلة احتضاره، ليس الآن فقط، بل منذ انسلاخه عن مبدأ نشوئه وارتقائه. لقد تعدّدت أسباب الضمور، والموت واحد.
أمّا الورثة فكثيرون، ولعلّ أضعفهم وأقلّهم قدرة على الاستمرار هو الوارث العائلي. وسيكون التيّار الوحيد من جنسه، يتفكّك ويحتضر، على عهد زعيمه.

Digital solutions by