Digital solutions by

"الجينز" الذي مزّقَهُ شَبَقُ ساقَيكِ

3 تموز 2016 | 17:23

المصدر: "النهار"

مُذ أنْ وقعَ ناظرَي عليه لم أستطِع إلّا أن أرثي لحاله، أن أُشفق على مآله، أن أتعاطفَ معهُ حدّ التماهي مع معاناته. ما الذنبُ الذي اقترفه هذا القماش ليُعاقب بملاصقة هاتين الساقين المُستبدّتين؟ وكيف له أن يحتملَ هذه الطاقة الجارفة من الجمال والأنوثة والعذوبة وأن يبقى سليماً؟ لذا، لم أعجَب حين رأيتُ التمزّق الذي أصاب بِنطال "الجينز" الذي ترتدينه، وكيف أن خيطانه آخذة في التملّع والتنسّل والتقطّع تماماً كشرايين قلبي وأوردته، وحواسّي، وأحاسيسي!

كلا، عزيزي القارئ، لا تعتقدنّ أني أُبالغ في توصيفي هذا، فأحياناً الجمالُ قد يكون موجعاً، ظالماً، حارقاً، مُرهِباً، مُلهِباً، فتّاكاً، مُفتناً، كافراً، مُدمِّراً، مُزلزلاً، مُبيداً. نعم، هو قنّاصٌ ماهرٌ لا يُخطئ هدفه، قدرٌ محتومٌ، حِجابٌ مكتوبٌ، سيّافٌ بقلبٍ ميت. يقتنصُكَ، يتقبضُّك، يلفُّك، يصعقُك، يجلدُك، ينتهكُك، يسبيك، يتقمّصُك، يحتلُّك، يفترسُك، يُرديك. آهٍ، أما كانَ أرحم لِقماش "الدنيم" أن يُحكم إعداماً، أن يُشرَط شَرطاً، أن ينهشَه مِقصٌّ، أن يُسحل حتى آخر خيطٍ منهُ، بدلَ أن يتحفّفَ ساقيكِ، يتلمّسهما، يُمسِّدهما، يكتوي بشبقهما؟

أكان عليه أن يُتركَ "يُهبّشُ" ذاته بعدما صار الاحتكاكُ ببشرتكِ لا يُطاق، وأن يفتح ثقوباً ونوافذ لدخول الأوكسيجين لئلّا يختنق؟ مسكينٌ، أيّها "الجينز"، عليك دفع ضريبة ما لم تقترفْهُ، والتعايش مع نِير مفاتنها النزقة. كلانا عليه دفعُها والتعايش معها. ما بيدِنا إن كنّا لا نُحوِّم إلا حول ضوء الجمال، وإن كنّا لا ننسحبُ من ساحِ الجمال غير معطوبين، منسحقين، مدمّين.

جسدُكِ ضارٍ أكثر من أسدٍ. انتحاريٌّ أكثر من "كميكازيّ". انشطاريُّ مُتفجِّرٌ أكثر من قنبلة. مُسكِّرٌ، مُخدِّرٌ، مُنوّم، ماجنٌ، تقيّ، صارخٌ، هامِس، آثمٌ، قديسٌ، ملعونٌ، مُختارٌ، ملاكٌ، شيطانٌ، وحدةٌ، كثرةٌ، حَيِيٌّ، عدميّ. جسدُكِ صيفٌ لاهبٌ معهُ تسخن تربتي، وتخضرُّ أشجاري، ويتفتّخُ زهري، وتستوي ثماري، ويكتملُ حضوري. جسدُك عُصارةُ الحُسن، والشهوة، واللذة، والنشوةِ. كلُّ من احتساكِ خُلِّد في سكرةِ الأبد. جمالُه فاق الوصف إعجازاً، واستعصى كمالُه على مُخيّلةُ الجِنّ. وإن كان لا بُدّ من جنّة وجهنّم فهما جسدك.

فيَا، بنطالها "الجينز"، أحسدُ رباطة جأشك. وكيف أنك لم تتمدّد تحت تأثير جاذبية جسدها لتحتلّ كل شبرٍ منه، ولم يغوِك تُفّاحُه لتقضمهُ حتّى آخر خطيئةٍ!


charbel.abimansour@annahar.com
Twitter: @AbimansourC

Digital solutions by