Digital solutions by

واشنطن في الشرق الأوسط: تبقى، لا تبقى!

27 نيسان 2016 | 17:38

المصدر: "النهار"

(عن الانترنت).

دخل الرئيس باراك #أوباما البيت الأبيض باعتباره "ابناً من أبناء الباسيفيك"٬ حيث ولد في هاواي٬ وترعرع هناك٬ ثم عاش أربع سنوات من طفولته في إندونيسيا. ومثلت آسيا بالنسبة لأوباما المستقبل٬ واستحقت منه الاهتمام الكبير. لكن مشكلات #الشرق_الاوسط وتعقيداتها حدّت كثيرًا من اهتمامته الآسيوية حيث وجد نفسه عالقا في ملفات ارهاب "الدولة الاسلامية"، وانهيار دول عدة في المنطقة، والازمات المتلاحقة من سوريا الى اليمن وليبيا والعراق، عدا عن العلاقة المستجدّة مع #ايران قبل توقيع الاتفاق النووي وبعده، وما ترتّب على ذلك من متغييرات سياسية كبرى. وأقرّ أوباما مرارًا بأن الشرق الأوسط يمنعه من تحويل محور اهتمامه إلى المكان الذي يجب أن ينخرط في شؤونه، لا سيما في أسيا والباسيفيك، او التغيير المناخي الذي يعتبره "خطرًا وجوديًّا محتملاً للعالم بأسره٬ إذا لم نفعل شيئاً حياله".

وهكذا صارت الاسئلة تجرّ الاسئلة في اكثر من محفل دولي وإقليمي ومحلّي في شأن ما اذا كانت واشنطن ستتخلى عن الشرق الاوسط في اللحظة المناسبة، للتفرّغ لأماكن أخرى في العالم او لقضايا تعتبرها اكثر إلحاحًا من القضايا الشرق اوسطية؟ أو هل تراجعت أهمّية هذه المنطقة في الحسابات الاستراتيجية الاميركية؟ وما هي البدائل الاميركية عن وجودها المباشر فيها؟ وكيف تنظر الى مستقبل الاقليم ومن هي القوى المرشحة لضبط الاستقرار فيها وبأيّ توازنات؟

هذه الاسئلة ناقشها منتدًى سياسي في معهد واشنطن في أعقاب نشر الغلاف المثير للجدل في مجلة "أتلنتيك" بعنوان "عقيدة أوباما". وتحدث فيه نخبة من الخبراء الاميركيين في السياسة الخارجية للولايات المتحدة وعرضوا فيه لوجهات نظرهم في هذا المجال، ونقتطف منها بعض ما ورد في المداخلات التي قدّمها أبرز المشاركين.

يعتقد الاستاذ في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدّمة مايكل ماندلباوم ان الشرق الاوسط بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يُعتبر حالياً أقل أهمية نسبياً مما كان عليه بين العامين 1989 و 2014. فخلال تلك الفترة ما بعد "الحرب الباردة"، كانت أوروبا وشرق آسيا تشهدان فترة سلام إلى حد كبير، الأمر الذي سمح لواشنطن بتخصيص المزيد من الموارد والاهتمام للشرق الأوسط. لكن الوضع مغاير حالياً، فالتحديات الاستراتيجية الجديدة تتطلب إيلاء الاهتمام لشرق آسيا وأوروبا وأجزاء أخرى من العالم، مما سيتطلب بلا شك إعادة تخصيص الموارد في المستقبل.

3 عوامل للقلق
ويضيف ان هناك ثلاثة عوامل رئيسية تثير قلق الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وهي: منع أيّ بلد منفرد من فرض هيمنته، ومنع الانتشار النووي، والحفاظ على الوصول العالمي إلى النفط في المنطقة. وعلى رغم أن التكنولوجيا الجديدة قد جعلت الولايات المتحدة أقل اعتماداً على موارد الطاقة في الشرق الأوسط، إلا أن #اليابان وأوروبا الغربية لا يزالان يعتمدان عليها، ولذلك فإن الحفاظ على علاقات الولايات المتحدة مع هؤلاء الحلفاء المقرّبين من واشنطن سيتطلب على الأرجح الاستمرار في إعطاء الأولوية لأمن النفط في المنطقة. ومن جانبها، لا تزال إسرائيل بحاجة إلى مساعدة في مكافحة الانتشار النووي بين جيرانها.

ويعتقد هذا الباحث انه في حين يشكّل تنظيم "الدولة الإسلامية" التهديد الرئيسي بالنسبة إلى الأميركيين في المنطقة، إلا أن إيران هي الخطر الرئيسي الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة والتزاماتها في الشرق الأوسط. فهي دولة تسعى إلى الهيمنة الإقليمية وتبقى مصدر قلق في ما يتعلق بانتشار الأسلحة النووية. ووفقاً لذلك، فإن احتواء إيران يجب أن يكون الهدف الرئيسي لواشنطن في المنطقة.

وفي رأيه ان أوباما يدرك جيداً أن التخلّي الكامل عن المنطقة سيفضي إلى اختلال في التوازنات القائمة، وانفلات في سياسات القوى الإقليمية، وتحرّكاتها المتبادلة، بما يهدد استقرار المنطقة ككل، ومن ثم المصالح الأميركية، ومن خلفها الإسرائيلية. وهكذا، كان ضرورياً أن تبارك واشنطن وتشارك في عملية "عاصفة الحزم" لدواع جيواستراتيجية تتعلق بأمن الملاحة في باب المندب، ودواع أخرى سياسية، أهمها حشر طهران في الزاوية.

ويأخذ ماندلباوم على اوباما تسرّعه في إنجاز الاتفاق مع ايران، لأن من شأن ذلك ان يقدم لإيران ووكلائها "حوافز" إقليمية وتنازلات نووية، على حساب العرب، وربما إسٍرائيل أيضاً. وإذا كان لدى الأخيرة رادع نووي يضمن حمايتها، فليس لدى العرب مظلة نووية، أو قدرات ذاتية تكفل الحماية من تقلبات واشنطن، وتناقضات رؤسائه. ويعتبر ان تلك السلبية ليست سوى دعوة صريحة لكل الفاعلين في المنطقة (دولاً كبيرة أو صغيرة، جماعات أو ميليشيات) لكي تتحرك كل منها من أجل مصالحها التي تراها بالطريقة والوسيلة التي تنظر إليها، مع قليل من التحسب لرد الفعل الأميركي. ويخلص الى انه بمرور الوقت، سيزداد الفاعلون الإقليميون جرأة، وربما تجاهلاً لتلك "البطة العرجاء"، حسبما يوصف الرئيس الأميركي في عامه الأخير. فقد دخل أوباما مرحلة العرج فعلياً بمواقفه الأقرب إلى "اللا موقف"، وسياسة "اللا سياسة" التي بدأها مبكراً، ويؤكد يوماً بعد يوم أنه متمسّك بها حتى نهاية أعوامه الأربعة الأخيرة.

واشنطن لن تبتعد
اما المستشار القانوني والمستشار الأقدم للشؤون الأمنية والسياسة الدفاعية في "صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة" ديريك غوليت فيرى ان سعي الرئيس الأميركي إلى إعادة تعريف القوة الأميركية وإعادة توازن الدور القيادي الأميركي في الشؤون العالمية أدّت في بعض المناطق، مثل أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، إلى تحسين العلاقات على نحو بارز، إلا أن المنطقة الوحيدة التي لم تتحسن فيها الأمور بشكل ملحوظ هي الشرق الأوسط. ويقول انه رغم الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية لإعادة التوازن، إلا أن التطورات التي تجري تحت عين أوباما اليقظة لا تدعم الرأي القائل بأن الولايات المتحدة تُبعد محورها عن الشرق الأوسط. فالقوات المنتشرة في المنطقة اليوم تتخطى تلك التي كانت موجودة قبل الحادي عشر من أيلول. وقد شهدت السنوات السبع الماضية بعضًا من أكبر عمليات مبيعات الأسلحة في التاريخ. وبالمثل، حافظت واشنطن على دعمها لمصر في ظل الانتقادات في الداخل، في حين أن الدعم العسكري والاستخباراتي لإسرائيل وصل إلى مستويات قياسية. إلى ذلك، كان أوباما قادراً على القضاء على الغالبية العظمى من الأسلحة الكيميائية في سوريا من دون استخدام القوة العسكرية.

لكنه خلص الى انه رغم ذلك، ستواجه الإدارة الأميركية المقبلة مشكلة إعادة الطمأنة في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا حيث يشعر شركاء الولايات المتحدة بقلق كبير حيال التطورات الإقليمية. فجميعهم يريدون المزيد من واشنطن ولديهم طموحات متطرّفة حول ما يجب أن تقوم به الولايات المتحدة في العالم.

تدخّل أقلّ
وتنفي الرئيسة الفخرية في "مركز ستيمسون" إيلين لايبسون الاتهامات القائلة بأن الولايات المتحدة تنسحب من الشرق الأوسط أو تتحول نحو آسيا، وتتوقّف عند خطاب اوباما في القاهرة عام 2009 الذي، في رأيها، أظهر طموحاً كبيراً لتحويل العلاقات بين الولايات المتحدة والعرب. وقالت "في حين اعتبر البعض أن ردّ فعله على "الربيع العربي" يظهر انعدام الخبرة، رأى هو (اوباما) فيه فرصة لتغيير العقد الاجتماعي بين حكومات الشرق الأوسط ومجتمعاتها.

وتشير الى ان أوباما يعتقد أن بعض مشاكل المنطقة ليست قابلة للحلول الأميركية، فبعض القضايا الوجودية لا يمكن معالجتها إلا من الشرق أوسطيين أنفسهم. ولا ينبغي أن يُساء تفسير الأمر على أنه لا مبالاة أو عدم التزام، ولكن إدارته تريد أن تتحمل المنطقة المزيد من المسؤولية في مشاكلها. وتعتقد انه إذا كان الاستقرار الكلي هو الهدف الأساسي، يجب على واشنطن أن تسعى إلى تحسين العلاقات بين الدول العربية وإيران على المدى الطويل، على رغم من أن إيلاء الكثير من التركيز على هذه الجهود في الوقت الراهن قد يؤدي إلى نتائج عكسية. ولاحظت ان الأهمية التي توليها واشنطن للمنطقة تتجه الى التراجع بسبب استقلال الولايات المتحدة المتزايد في مجال الطاقة. وفي المستقبل، ربما تقبل واشنطن مخاطر أكبر في الشرق الأوسط، وسيكون تدخلها في المنطقة أقل ترجيحاً.

البقاء ضرورة
اما الباحث في "معهد هدسون" مايكل دوران فيعتقد ان حيّزًا كبيرًا من تفكير اوباما الخاص بالشرق الاوسط يرتكز على تقويمين: أن المنطقة ليست ذات أهمية استراتيجية حيوية للولايات المتحدة، وأن أمن إسرائيل لا يشكّل مصدر قلق بالغ الأهمية بالنسبة لواشنطن. وفي حين سعى الرؤساء السابقون إلى تعزيز وضع الحلفاء في وجه الخصوم، ينظر أوباما إلى الخصوم، وبشكل رئيسي إيران وروسيا، على أنهم من أصحاب المصلحة الإقليمية المشروعين.
ويعتبر ان استراتيجية الرئيس الأميركي هذه تطرح إشكالية لأن روسيا وإيران تقوّضان نشاط مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، لن تستقر المنطقة بما يكفي لانسحاب الولايات المتحدة منها، وسيستمرّ نظام التحالف الأميركي في التراجع. وفي المقابل، يزداد التحالف الروسي الإيراني قوة - وهو يمثل أكبر تحوّل في المنطقة، بينما لا تخصّص واشنطن موارد كافية لاحتواء هذا التهديد. وترى ان وضع الولايات المتحدة هو الأفضل لتنسيق التحالفات من أجل معالجة هذا التهديد وترتيب نظام إقليمي مستقر. وتستلزم إعادة التوازن حلفاء أقوياء، وسيتوجّب على الرئيس الأميركي المقبل تعزيز العلاقات الأميركية في المنطقة وعكس الفكرة القائلة بأنه لا يمكن لواشنطن استخدام القوة العسكرية بشكل فعّال.

amine.kamourieh@annahar.com.lb
twiter:@amine_kam

Digital solutions by