Digital solutions by

رحيل إيمري كيرتش الذي تذكّر لكي يعرف

3 نيسان 2016 | 12:47

المصدر: "النهار"

رحل إيمري كيرتش الحاصل على #نوبل_الآداب في 2002، عن سن السادسة والثمانين، وقبل تلك الحركة الأخيرة كان قد استعجل فناءه فراح وفي الأعوام اليسيرة المنصرمة، ينسحب تدريجاً من معترك الكتّاب الناشطين وانصرف وفي سكينة لافتة، إلى قلبِ صفحات تجربته التي انتمت إلى فئة المآسي الجماعية. في أعقاب إقامة مديدة في برلين التي لجأ إليها ليتعوّد على الحياة خارج المعتقل، اختار الرجوع إلى المجر إلى حيث قام الوطن الأساسي، إلى مكان سيعيد منحه ترف ماهيته، بعدما قاسى ضوضاء الإستغلال السياسي بسبب ما مثّله كأحد الناجين من المحرقة النازية.

نزّت الكتابة عند كيرتش طويلاً من الجرح القديم المنوط بالهولوكست فشكل واقعه الأكثر مرارة وقماشة عناوينه الخمسة عشر، وتأمّل في الآونة الأخيرة نفسه وهو يفقد أي سلطة له على أطرافه، من جراء إصابته بداء باركنسون. كانت العتمة إذاً ملاذا مريحاً جنبه الإحراج إزاء تقهقر الجسد وإزاء الدفع به عنوة إلى خانة "مهرّجي الهولوكست" وفق ما عاين نفسه، في خضم التسخير الممنهج للمحرقة النازية لمصلحة السياسات الضيقة. وإذا كان الكاتب أشار في خطاب تسلّمه "نوبل" الآداب انه "مات مرّة ليستمر في العيش" فهو أفصح بين السطور عن وجع المكوث في شرك الخوف والخشية والعذاب.
عدّ كيرتش التأليف هبة مذهلة، لكنها كانت من الصنف المنهك وإن سمحت له بأن يسدّ فجوات روحه السقيمة في نصوص من قبيل "من دون قدر" الذي صار من الكلاسيكيات وحيث كرر نفي وجود خط فاصل بين التخييل والحقائق، وبين الكاتب والشخصية. بينما جمع في "رسائل الى إيفا هالديمان" (2009) ثلة رسائل كان تبادلها، على مرّ عقدين، مع الناقدة والمترجمة هالديمان ذات الأصول المجرية. بان هذا العنوان أمثولة شغف، من خلال وصفه لنمط اشتغال كيرتش التأليفي والصعوبات التي انطوى عليها.

يذكر المجري إيمري كيرتش في "من دون قدر": "سبق لي أن سمعتُ ذلك وبات في إمكاني الآن أن أشهد عليه: في الحقيقة، لا يسع جدران السجون الضيقة أن ترسم حدودا لأجنحة خيالنا"، كأنه يؤكّد ان التأليف مدخل إلى الذكرى تماماً مثلما هو مدخل إلى المتصوّر. والإثنان في أي حال، من صنوف المعرفة الإنسانية.

 

Digital solutions by