Digital solutions by

متى فسحة الامل لاهالي المعتقلين؟

26 آذار 2016 | 09:44

المصدر: " النهار"

حين تقرّر ازالة خيمة اهالي المعتقلين في السجون السورية من حديقة جبران خليل جبران في رياض الصلح، في اليوم العالمي لحقوق الانسان في 10 كانون الاول من العام الماضي، كان يدرك الاهالي ان لا احد من المسؤولين سيشعر بالفرق او بغياب الخيمة.
هؤلاء منذ زمن نسوا ان ثمة معتقلين في السجون السورية، فلا قضية نبش المقابر الجماعية وانشاء بنك لفحص الحمض النووي حرّكتهم، ولا انشاء الهيئة الوطنية للمخفيين قسريا دفعتهم الى متابعة قضية انسانية بهذا الحجم.
اليوم، وفي زمن القيامة، لا يزال عدد كبير من عائلات المعتقلين والمفقودين والمخفيين قسريا، على حالهم من العجز الرسمي والاهمال.
على بعد ايام من شهر نيسان، تاريخ نصب الخيمة في وسط #بيروت، لا يزال الامهات يعشن زمن الابتعاد عن ابنائهن. كان ذلك في 11 نيسان 2005، حين وضعت الخيمة للمرة الاولى. 11 عاما مضت. من الاهالي من مات. منهم من مرض. لم يلتفت اليهم احد. باتت الخيمة عند المسؤولين، كأنها ديكور من وسط عاصمة هي الاخرى تعبت ومرّ عليها الكثير من المصائب منذ عام 2005.
فهل من المسؤولين من يتذكر اوديت سالم؟. هذه الام التي ماتت دهسا بالسيارة، وهي تقطع الطريق لتصل الى الخيمة، لتنظفها كما لو انها بيتها، ولتحضر وجبة الغذاء لصديقاتها من الامهات اللواتي يتقاسمن معها المعاناة نفسها.
هل من احد يتذكر فيوليت ناصيف؟ الام التي بقيت مصرة على عودة ابنها جوني، قبل ان تعرف ان جوني بات جثة مدفونة الى جانب عسكريين من الجيش اللبناني، دفنوا في ملعب في وزارة الدفاع اثر احداث 13 تشرين الاول 1990، ولم تنبش الحفرة الا في تشرين الاول 2005، فتستعيد فيوليت جوني جثة.
وهل يمكن ان تنتسى صونيا عيد التي لا تزال تنتظر ابنها جهاد المفقود منذ زمن الحرب الاسود في عام 1990.
اما فاطمة عبد الله فلا تنفك تتذكر شقيقها علي الغائب منذ زمن القتل والخطف، ومثلها، تتقاسم جانيت خوند الغصة نفسها عبر انتظار زوج مخطوف، او مفقود او مخفي قسرا.
ليس في هذا السرد جلد للذات او رغبة في التعذيب واستذكار الالم، انما لطالما يتذكر البعض معاناة الاخرين في زمن الاعياد، فكيف اذا كان العيد للقيامة والنور.
ولعلّ الحلقة الجامعة لكل هؤلاء المعذّبين يبقى غازي عاد. هو رئيس جمعية "#سوليد". صحيح ان عاد تعب كما الاهالي، وهو يحاول ان يلتقط انفاسه قليلا، بعدما حلّ التعب عليه تماما كما على الامهات، انما القضية لا تزال تشغلهم جميعا.
اكثر من خيبة امل عاشها عاد من بعض السياسيين الذين اظهروا انهم منكبون على هذه القضية، في وقت نسوها بسرعة قياسية حين باتوا، بعد الابعاد والاقصاء، في مواقع المسؤولية.
واكثر من وعد تبلّغه عاد ولم يصل الى خواتيمه. ربما يكون غازي عاد الاكثر ادراكا لحجم الاهمال الرسمي والتكاذب الجماعي في المجتمع اللبناني.
ازيلت الخيمة، على ان يستكمل تحرك الاهالي بأطر اخرى، ما دامت اعين المسؤولين اعتادت على الخيمة طوال اعوام عشرة، فكان لا بد من "صدمة" او من "نشاط صادم" يعيد ما تبقى من ضمير الى المعنيين.
وفي زمن التواصل الالكتروني، التحقت بعض تحركات الاهالي بهذا الركب، فأطلق اخيرا موقع الكتروني بعنوان " فسحة امل"، وتحت معادلة: " شاركوا قصص الاشخاص المفقودين في لبنان. لنبقيهم في ذاكرتنا الجماعية".
على الموقع، بات هناك العديد من الشهادات: من قصة ولدي اوديت سالم المفقودين، الى ابرهيم ديراوي الى تيسير الخطيب وغيرهم كثر.
تتنقلّ بين اخبار الموقع لتتقاسم شهادات ومعاناة لا تنتهي، ولتشاهد صور بدّل الاصفرار من معالمها، فبهت بريقها. احيانا، بالكاد تتعرّف الى الوجوه. كل هذا الاصفرار يخبر معاناة نحو 17 الف مفقود.
بعد ايام، يحلّ نيسان، لنطوي 11 عاما على خروج الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005. وصاية انتهت. جيش انسحب، انما ثمة بشر مفقودون. وربما تغيير تكتيك التحرك ليواكب التطور الالكتروني والاعلامي لن يدفع ضمائر المسؤولين الى يقظة ما في هذا الملف. واذا كانت النيران لا تزال تندلع في سوريا، فان هذا الامر يجعل القضية اكثر الحاحا لمعالجتها، لا مبررا لاطفائها!
في زمن الفصح، تذكروا ان ثمة ابناء وازواج وشقيقات في غياهب الاخفاء القسري، فمتى نستفيق جميعا من هذا الظلم، لنعيش حقا املا... ولو فسحة منه؟!

 

Digital solutions by