Digital solutions by

14 آذار... هل انتهى زمن الشعارات الكبرى؟

6 شباط 2016 | 14:49

المصدر: "النهار"

(عن الانترنت).

لم يعد الحديث اليوم عن تماسك حركة #14_آذار في مواجهة 8 اذار، على ما كان سائداً معه الإنشطار اللبناني بين خيارين وقوتين منذ عام 2005. صار الكلام عن مستقبل 14 اذار وما إذا كانت في الأصل قادرة على السير بمشروعها الاستقلالي والسيادي الديموقراطي في مواجهة الهيمنة والوصاية على البلد، قبل أن تتفكك مكوناتها باتجاهات مختلفة لنكتشف أن الخارج هو المقرر في النهاية في الحياة السياسية اللبنانية، فيما العامل الداخلي لا يعدو كونه جزءاً من اللعبة التي تساعد في ترجيح كفة طرف على آخر.

قبل أن نتحدث عن اخفاقات 14 آذار، هناك الفشل اللبناني الحديث الذي له تاريخ ما زالت وقائعه تتتالى، وتعيد بلورة انقسامات وتكتلات وفق إيقاعات أهلية جديدة، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بطبيعة المعطيات اللبنانيةعلى الصعيد داخلي، والتي لا تشبه سابقاتها، إذا ما وضعت داخل الإطار العربي والإقليمي والدولي الراهن، ليطرح السؤال عن كيفيةادارة اللبنانيين لشؤونهم وحتى لحروبهم الباردة الموزعة في كل مكان، وهم غير قادرين على الخروج أو خرق الإنسداد العام، بعدم قدرة أي طرف على فرض غلبته، رغم قدرته على رهن وعرقلة السياق السياسي الداخلي العام. وفي الواقع الذي نعيشه اليوم هذا الفشل يعبر عن العجز عن فوز أي قوة بالهيمنة على كامل مجريات التشكيلة اللبنانية، فيما يحاول كل فريق تحسين شروطه، وكل من موقعه الذي صار إليه، وبالنظر إلى الموقع الذي لا يريد أن يكون فيه. وهذا يشمل قوى 8 و14 اذار ومكوناتهما السياسية والطائفية.

أمام هذا الفشل اللبناني، سيطرح السؤال على 14 آذار، ما إذا كانت لا تزال أمينة لتاريخها ولموقعها ولشهدائها بالدرجة الأولى، لنكتشف أن المشكلة في الأساس في بنية هذه الحركة التي سميت استقلالية وسيادية وقدمت شهداء على مذبح الحرية، فهل كان مصيرها فعلاً آيل الى السقوط؟ والسقوط يعني اندراج قواها ومكوناتها في التسويات التي تأخذها الى الأصل، اي الى التوازنات الطائفية ومصالحها، اذا اعتبرنا أن المسلمين في لبنان بمكوناتهم السياسية يسعون إلى التمسك بما حققوه منذ اتفاق الطائف، فيما تكافح المسيحية السياسية لكي تبقى في دائرة "تحديد الخسائر"، بعدما تعذر عليها الانتقال إلى سياسة البدء بمراكمة الأرباح مجدداً. ولذا منذ انطلاقة 14 آذار في عام 2005، وذكرى استشهاد الرئيس #رفيق_الحريري لا تزال ماثلة، الى استشهاد جبران تويني صاحب القسم الاستقلالي، لم تتساو الكتلتان، الإسلامية والمسيحية، تماما كما حصل في المقلب الآخر أي في 8 اذار، فالإنشطار ما عاد إجمالياً، على مستوى البلد والتشرذم في 14أذار أصاب الكتلتين بشروخ مهمة، لكن على مستوى البلد كان الإنشطار الأخطر بين صفوف الكتلة الإسلامية، على ما شهدناه من نزاع وصراع بين مصالح الشيعية السياسية والسنية السياسية، على الأرباح والمكتسبات في الداخل، والمساهمة من موقعهما في الصراع الدائر في الخارج. في حين أن هاجس البقاء على الكيان، بقي يشكل أولوية مسيحية سياسية، وهذا يعني أن الصراع السني الشيعي وأن كان في لبنان غير محموم، يجعل من المسلمين على المقلبين لا يتقاطعون مع هموم المسيحيين الكيانية والوجودية، ولذا شهدنا التحولات السياسية المسيحية في ما يتعلق بالاستحقاق الرئاسي، وإن كان هذا الملف لم يحسم حتى الآن لأسباب لها علاقة بالخيارات الاسلامية.

هنا لا يمكن القفز فوق الوقائع، إذ سيظل نقاش الترشيح الرئاسي غير واقعي عندما ينظر إليه طرف من أطراف الاستقطاب الأهلي وفق سلم معتقداته ومواصفاته. فلم يغد خافياً اليوم عجز الجميع، ففريق 14 آذار عاجز عن إيصال رئيس يشبهه، وعاجز، وربما غير راغب بتقديم شخصية تغلب حياديتها الوطنية على انحيازها الأهلي. وفريق 8 آذار يعاني من المشكلة ذاتها، فما كان له من تفوق ناتج عن تضافر العوامل الداخلية والإقليمية، جرى هدره في سوريا وفي الخارج. ولذا طرح اسما #سليمان_فرنجية و #ميشال_عون كمرشحين للرئاسة من طرفين فاعلينواساسيين ومقررين في 14 اذار، ليشكل كل منهما مخرجا تسوويا للطرفين، علماً أن تبدلات اساسية أصابت الإسمين المطروحين، وهذا يعني أن الصراع على الرئيس الجديد، والصراع معه ومن خلاله، يبقى بندا أساسيا على جدول أعمال الأطراف الداخلية المتنافسة والمتنازعة. ويجوز هنا السؤال أيضاً عن الحصتين العربية والإيرانية من رئاسة الجمهورية، من دون استبعاد الحصص الأخرى في التسويات اللاحقة.

ولعل 11 سنة من عمر 14 اذار، تآكل معها الكثير من هيمنة الداخل، وفي ذلك الوقت كانت فرصة لهذه القوى الناهضة والتي دفعت أثماناً باهظة من لحمها الحي، أن تعطي الداخل وتعززه على حساب الخارج، بالرغم من الصراع الملتهب الذي رافق المرحلة اللبنانية والإنشطار الذي لحق بكل المكونات، لكن السنوات العجاف أدت الى مزيد منتآكل ميراث لبنان الميثاقي، ونال التآكل البنية الاجتماعية اللبنانية، فأنتج الصراع اصطفافات معظمها موال للخارج، فصار كل خارجي حليفاً، إذا ما كانت هويته المذهبية ذات هوية الفئة المحلية، حتى صار الاقتناع بأن التسوية، لا تنعقد إلا عند الحدود الدنيا.
كانت الثوابت عند 14 أذار تتهاوى سنة بعد سنة، وتفقد من رصيدها، على ما شهدناه خلال السنوات الـ11 الماضية. ونحن على مقربة من ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، صارت الثوابت في مكان آخر. لم يعد الحديث عن سلاح منتشر هنا أو هناك يمنع بناء الدولة، أولوية أو ثابتاً، فالثابت قابع في مكان آخر لدى الجميع، وبات مشتركاً. الطائفية والمذهبية تظلل الثوابت المطروحة، من موقع التمسك ببعضها، ورفض منطق بعضها الآخر، فيما الخارج يبقى تأثيره حاسماً في المعادلة الداخلية. ونسأل هل تخلي الخارج عن دعمه ثورة الأرز وانتفاضة 14 أذار2005 ساهم أيضاً في افتراق مكوناتها؟ هذا واقع بعد تبدل حسابات الخارج أيضاً. لكن يبقى أن 14 اذار داخلياً لم تصل الى خلاصات مفيدة، حول سياساتها وترتيب مكونات بيتها الداخلي، بالتأسيس على التغيرات. فهل انتهى زمن شعاراتها الكبرى؟

ibrahim.haidar@annahar.com.lb
twitter: @ihaidar62

 

Digital solutions by