Digital solutions by

فرقة "الجركن" البدوية: أدوات الحرب آلات إيقاع أمتعت العالم

5 كانون الثاني 2016 | 10:06

المصدر: "دليل النهار"

في جو عابق بنكهة القهوة السمراء ورائحة الهال وسهرة حناء العروس، كان لي موعد مع فرقة الجركن البدوية خلال إحيائها حفلة موسيقية في مسرح "الضمة" بالقاهرة. ما أثار حماستي للتعرّف إلى هذه الفرقة وأفرادها هو استخدامهم صناديق الذخيرة وعبوات نقل البنزين (الجركن) التي وجدت مهملة في صحراء سيناء منذ حرب 1967 مع إسرائيل كآلات إيقاعية، فاكتشفت في الفن السيناوي هذا تشابها كبيراً بفولكلور لبنان وفلسطين وسوريا والأردن بحكم الإرتباط الجغرافي والتاريخي. "الجركن البدوية" التي أمتعت مسارح المهرجانات الغربية الأشهر "glastonbury" و"Woumad" و"Womax"، تستعد لجولة مقبلة.

توجهنا بالسؤال لواحد من أهم عازفي الناي المخضرمين في هذا التراث، جمعة غنايم، إن كان يشجع الشباب على تعلّم هذه الآلة على أساس النغمات الشعبية الخاصة بفولكلور سيناء؟

أجاب: "هناك عدد كبير من الشباب الذين يرغبون في تعلّم العزف على هذه الآلة لكنها آلة صعبة، إنما نحن نشجعهم سعيا الى تأسيس جيل يبرع في العزف عليها. بدأت العزف على الناي في سنّ مبكرة إذ كانت هذه الآلة جزءاً من ثقافة الحياة في سيناء، لكني عزفت بالفطرة ولم أدرس الموسيقى".
ونسأله: فرقتكم جالت على مسارح الغرب، فكيف وجدت اهتمام الجمهور الأوروبي بفنكم وبالآلات التراثية كالناي والسمسمية وغيرهما؟ فأجاب: "الجمهور الذي كان حاضراً من أنحاء أوروبا كان معجباً بالتراث رغم عدم فهمه الكلام، ومأخوذاً بالموسيقى والتشكيلات الغنائية والحضور الفولكلوري".
ونسأل علي سلامة، عازف الإيقاع على صندوق الذخيرة وسائر الآلات الإيقاعية وعلى رأسها الدرامز، ما الذي جعله يحوّل أداة حرب آلة موسيقية؟ فأجاب: "نحن استغللنا هذه الأداة لنضيفها إلى عملنا الموسيقي لما يضفيه صوتها من زخرفة على الأداء الموسيقي ككلّ".

وهل يعدّ ذلك موقفا إنسانيا من الحرب؟
"نعم، فنحن نكره الحرب ونعشق الموسيقى والحياة، لكن حين يقتضي الواجب أن ندافع عن أرضنا وعرضنا من العدو لا نتردّد".
هل هو إيحاء فلسطين التي هي على مرمى حجر منكم؟
"طبعاً، هناك جوار، يأتون إلينا ونذهب إليهم، هناك صلات قربى ونتكلم اللهجة نفسها ونتداول التراث نفسه".
هنا يتدخل المغني غريب مؤمن بوصفه "نسيب فلسطين"، فيتحدث عن طبيعة التراث السيناوي كجزء من منطقة الشام وضرورة إحيائه. وعن تحويل أدوات الحرب آلات موسيقية يقول غريب: "طبعاً نحن نكره الحرب ولذلك حولنا آلاتها إلى ما يطرب الأذن لا ما يخيفها، ومع ذلك، لديّ أغنية أهديتها الى الشهيد الطفل محمد الدرّة تقول: "ليه كل شيء في عصرنا بيجرح الإنسان/ ليه كل واحد مننا بدوّر عالأمان".
وكيف اجتمعتم وكونتم هذه الفرقة؟
نحن أقارب وأصحاب وكنا نحيي الأفراح بالفنون الشعبية الخاصة في بلدنا العريش، فعملنا على توحيد طاقاتنا، وصورنا أخيراً عملاً وثائقياً عن الفرقة لقناة الجزيرة الوثائقية.
وعن آلة الموسيقى المحولة يقول الفنان محمد عريشي: "يشكل ذلك تميّزا مطلوبا في الفنّ"، ويضيف: "هناك فرق تلقائية كثيرة في سيناء وفي مرسى مطروح، تقدم الأغاني التراثية نفسها، لكن أن يكون لدينا نظرة مستقبلية للعمل فهو ذكاء في الفنّ، ولذلك أطلقنا على الفرقة إسم "الجركن" الذي كان مهملاً في الصحراء وكان الأطفال يلهون به".
وما الذي أضافه الجركن وصندوق الذخيرة من أصوات موسيقية؟
"البدوي يميزه حبّه للطبيعة ونقاء نفسه وشغفه بالموسيقى مما جعله يطوّع أيّ شيء لإضافة الهارموني الى موسيقاه. وحين أمسك الجركن وجد فيه أصواتا رنانة، ووجدنا نحن أنه يساهم في منح فننا شخصية مختلفة، فنحن مثلاً نحيي دبكة السامر ونغني في كل مناسباتنا وفي حفلات الصلح بين العائلات، وهذا الفن نسخة مطابقة للسامر في فلسطين والأردن، لكن يبقى أن هذه الدبكة العريشية لها شخصية مختلفة من حيث النص والحركة".
محمد الشعراوي عازف طبلة ودف وجركن وآلات مختلفة، يتحدّث عن استغراب الجمهور في المدن العربية والغربية لاستخدام أداة حرب كآلة موسيقية، ويقول: "كان الناس قديماً في سهرات الأفراح وحناء العروس يقولون "هات الجركن يا بني وطبّل عليه" وكانوا في سيناء يعزفون على الجركن برفقة السمسمية".

نسأله، منذ متى بدأت تستمتع بالعزف وممارسة هذا الفن التراثي؟
"في الثامنة من عمري، والمرّة الأولى التي عملت فيها كعازف كانت في إحياء عرس شقيقتي، فتمسّك بي أحد أفراد الفرقة وعملت معه وكنت أطور نفسي بشكل ملحوظ".

ماذا يكون شعورك حين تطوف الفرقة على مسارح العالم وتحظى بإعجاب الجمهور؟
"أكون سعيداً أن سيناء وصلت الى أماكن رحبة من العالم عبر "الجركن" والسمسمية وهذا الفن الذي تلقفه الجمهور بحبّ كبير".

 

Digital solutions by