Digital solutions by

قسماً بالعشرة

12 كانون الأول 2015 | 00:00

عشر سنوات مرت على الجريمة. يحب الناس الارقام المدورة (chiffre rond) ما يعطي الرقم عشرة اهمية اكبر من الذكرى التاسعة او الثامنة. مع ان لا فارق في العدد والترقيم اذ ان المضمون ثابت. في الحقيقة ان الذكرى الاولى والثانية والثالثة كانت اقسى علينا من العاشرة، لان الزمن يفعل فعله دائماً، وصولا الى النسيان. لكننا لم ننس، لان ثمة اشياء لا تنسى.
الزمن مع جبران تويني، لا يمكن ان يصبح نسياناً او اهمالاً او تخاذلاً او استسلاماً، بل هو استيعاب كامل لما حدث، بعدما كنا في الاعوام الاولى نرفض الحقيقة، ونعيش في منطقة وسط ما بين الارض والسماء، ما بين الحقيقة والوهم. كنا تماما كما كان معلمنا الراحل غسان تويني يردد "جبران لم يمت"، ولم يكتب حرفاً واحداً عنه الا في الذكرى الثالثة. عندها، سقط في المحظور، فأفصح عن قبلة على شفتيه لم تجد جبينا يطبعها عليه. عندها أدركه التعب، أرهقه، فانحط الجسد، وهوى تحت ثقله.
اليوم، نشعر بأسى كبير، لاننا استوعبنا حقيقة الفقد، وحجم الخسارة، ولوعة الفراق، خصوصا اننا نمر في أزمات كثيرة، تعاني "النهار" من بعضها، كما البلد بأكمله. زملاء كثر سقطوا في منتصف الطريق، واخرون ينظرون الى الصورة، لا يجدون ما يقولونه، ربما في قلوبهم عتب عليك لأنك تركتهم، او يطلبون شفاعة من فوق لانقاذ الارث الكبير المعنوي والمادي الذي طورته ونميته بحب وفرح. ينظرون الى الصورة، ويزداد بعضهم إصراراً كرمى لعينيك، ويتضامنون مع بعضهم البعض، وحول "النهار" لحمايتها من كل شرير، وكل مؤامرة تستهدفها منذ زمن بعيد وفي الاتي من الايام.
لبنان يعيش اليوم، زمن التحولات، بل زمن التسويات الكبرى، التي تسحق كل النضالات السابقة. البعض بات يشعر بأن دماء اهرقت سدى، والبعض الاخر يقول ان القضايا الكبرى سقطت، وبات الملعب للمصالح الذاتية تارة، وللصفقات الخارجية طورا. هكذا تحصل التسويات عادة، وتختلف حساباتها عن احلام الناس وتوقعاتهم.
اليوم بات شباب لبنان، بل الكثيرون منهم، يجدون أنفسهم يتامى، يبحثون عن صوت حر، صوت نبوي يصرخ باسمهم بعدما كنت أنت ذاك الصوت.
الوضع ليس على ما يرام. الانقسام قائم دائماً، لكنه عاد يتبدل، ويتقلب من مشروع سيادي في مواجهة مشروع اخر لا يشبهه، الى رياح طائفية ومذهبية تهب من أربع جهات الارض.
يحتاج هذا الواقع اليك، خارج الاصطفافات الضيقة، الحزبية والمذهبية، الى رحاب الوطن، ينادي بالعودة الى الوراء عشر سنوات لإعادة الروح الى تلك اللحظة التاريخية في 14 اذار. كثيرون يفكرون هكذا، لكنهم فقدوا شجاعة، بل حماسة، الافصاح عنها، او الإقدام على فعل أي شيء ما.
لكن رغم كل شيء، ما زلنا مصرين، مثل كثيرين نعرفهم، او نتعرف اليهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على التزام قسمك الشهير في ساحة الحرية، والاستمرار في الخط الذي رسمته بـ "اخر نقطة حبر في قلبك، واخر نقطة دم في قلمك" ، وترداد قسمك كنشيد وطني عسى في التكرار إفادة تنعكس ايجاباً على حلمنا ببناء وطن حقيقي.
سنبقى هكذا، ولن نستسلم "قسماً بالعشرة".

Digital solutions by