Digital solutions by

قسَم جبران إطار في صورة... حرفته شهوة سياسيي 14 اذار عن مساره

12 كانون الأول 2015 | 00:00

لم يحتج الامر من جبران تويني الى كثير من التفكير عندما كتب كلمات قسَمه الشهير على قصاصة ورق، وضعها في جيبه على عجل ليخرج الى ملاقاة الحشد المليوني في يوم 14 اذار 2005، وتفسير ذلك ان جبران ،كاتباً وصحافياً وسياسياً ورئيس حركة سياسية، انما كان مسكوناً بتلك الفكرة الطوباوية (اذا صح التوصيف)، في ان يكون المسيحيون والمسلمون موحدين معاً دفاعاً عن وطنهم ودولتهم. وذلك أمر بديهي لدى أي مواطن تنطبق عليه صفات جبران ابن غسان تويني القومي الاجتماعي وابن بيئة الاشرفية وبيروت والمتحدر من صلب عائلة ارثوذكسية انطاكية، وأمّ درزية من قلب جبل لبنان والدها محمد علي حمادة. وهكذا بادر جبران في قسمه الشهير الى جمع كل العناوين والمتناقضات بين مكونات هذا اللبنان وحصرها بكلمات قليلة تختصر كل المشهد السياسي في التشديد على وحدة اللبنانيين من أجل الدفاع عن لبنان، الذي اضاف اليه صفة العظيم اختزالاً لكل كلمات الحرية والسيادة والاستقلال والديموقراطية وغيرها.
كانت 14 اذار تحتاج الى شعار لحركتها، وتحدث كثر من الخطباء أمام الحشد المليوني في 14 اذار 2005 ، لكن ذاكرة مئات الالاف من المتظاهرين لم تحفظ من ذلك النهار سوى كلمات قسم جبران "نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، ان نبقى موحدين، الى ابد الابدين، دفاعاً عنلبنان العظيم، عشتم وعاش لبنان".
والمسألة على ما يقول النائب السابق فارس سعّيد، ان جبران تويني كان مؤثراً على الرأي العام والشباب في شكل هائل، واحتضنت "النهار" في ظله الاجتماعات التمهيدية التي كانت تجري استعداداً لجمع "لقاء قرنة شهوان" وكل التحركات التي تلته، لكن الاهم كان في قدرة تويني الشاب المتطرف في خياراته الوطنية والمسيحية ضمناً وتأثره بصداقته للرئيس الشهيد بشير الجميل، وعضويته في "الجبهة اللبنانية" ،على مغادرة هذا الاصطفاف الفئوي الى الاصطفاف الوطني بدءاً من "لقاء قرنة شهوان " مروراً بكل المراحل التي واكبته، مثل مصالحة الجبل ووثيقة "المنبر الديموقراطي" ومؤتمر البريستول. وتالياً ليس من المبالغة القول ان قسم جبران تويني شكل "صلة وصل" وحلقة ربط بين مرحلة ما قبل 14 اذار وما بعدها لجهة المشروع السياسي الجامع وتظهير صورة مواطنين يجمعون على المبادئ الاساسية لوطنهم بدءاً من الوحدة الوطنية، التي لطالما شكلت حجر عثرة أمام المطالبين بانسحاب الجيوش الاجنبية عن الاراضي اللبنانية وعدم الاتفاق بين اللبنانيين على توصيف الدور السوري في لبنان.

اتجاهان في" قرنة شهوان "
ورغم تدثر "لقاء قرنة شهوان" بعباءة البطريركية المارونية وتسلم المطران يوسف بشارة دفة الادارة واستضافة اللقاء، إلا ان هذا التجمع تنازعه اتجاهان، الاول يدعو الى استعادة دور "الجبهة اللبنانية" في الدفاع عن المسيحيين ومصالحهم والمطالبة باستعادة دورهم، وتيار آخر يدعو الى الدفاع عن المسيحيين وحقوقهم من ضمن خط الدفاع عن لبنان والانفتاح على الاخرين. ويشرح سعيد هذه النقطة بأن نداء مجلس المطارنة الموارنة العام 2000 شكل حافزاً في اتجاه حشد اجماع وطني في مواجهة الحملة التي شنها الرئيس اميل لحود والوزيران سليمان فرنجية وميشال المر وغيرهم على بكركي دفاعاً عن الاحتلال السوري، الذي بادر الى حشد قواه لعزل البطريرك صفير وبكركي مسيحياً واسلامياً، الامر الذي رأى جبران ضرورة الرد عليه باحتضان وطني لنداء بكركي، واستطراداً كانت فرحته عارمة عندما زار الرئيس نبيه بري بكركي في تشرين الثاني من العام 2000 خصوصاً عندما صدر البيان المشترك وتضمن الدعوة الى اطلاق المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. لكن النقاش الاكثر جدية مرة ثانية في قرنة شهوان، كان على خلفية احداث 11 ايلول في نيويورك بين الاكتفاء بالعناوين المسيحية مثل قانون الانتخاب واللامركزية على قاعدة ان بشار الاسد سيصبح حليفاً في محاربة الارهاب، ووجهة نظر اخرى ترى ان العالم سيتغير ويجب خوض معركة الديموقراطية في العالم العربي. وكان موقف جبران تويني متأرجحاً بين الامرين ، بين خياراته المسيحية التاريخية وبين الوقائع المتراكمة في المشهد السياسي، ويمكن القول ان قسمه الشهير شكل حسماً للامور في اتجاه الوطنية اللبنانية والمساواة بين الخيارات.
لم يتبق الكثير من 14 اذار في الحسابات السياسية الواقعية، ويشي ظاهر الامور بأن التطورات عادت الى دائرة تقاسم السلطة بين المسلمين من دون اخذ مصالح المسيحيين في الاعتبار ، وهذا ما لم يكن جبران تويني ليوافق عليه ابداً ولو للحظة. لكن، ورغم كل ما تقدم، إلا أن قسم جبران تويني لا يزال مرفوعاً وكثر يؤمنون به رغم "التباينات" الكثيرة بين مكونات هذا القسم، اضافة الى انجرار قسم من 14 اذار وراء لعبة السلطة، في مقابل مرارة القسم الاخر الذي يشعر بأنه كان مطية لتحقيق أهداف لا تمت الى "لبنان العظيم" الذي رفعه جبران تويني عالياً في ساحة الشهداء وسقط من اجله. ولدى فارس سعّيد رأي آخر فهو لا يزال مؤمناً بقسم جبران، وفي تحليله ان المطلوب من السنّة تغليب الهوية المذهبية على الهوية الوطنية، وهذا ما يفرض على المسيحيين خوض معركة تثبيت الهوية الوطنية والتصدي للاصطفافات الطائفية بتبني قسم جبران تويني القائم على خيار المواطنة والوطن ويشكل مشروعا دائما ومستمرا لاسقاط مشاريع الهوية المذهبية على حساب الهوية الوطنية.
مشروع القسم لا يزال معلقاً ضمن إطار داخل احد مكاتب "النهار"، ولم تغيره الايام ولا غيرت لونه، لكن جبران اصبح شهيداً صورته معلقة ضمن إطار. والقسم مجرد ورقة لكنه في الاساس ملك جيل كامل كان يحلم بوطن...

 

Digital solutions by