Digital solutions by

أن تكون صحافياً... الضريبة

11 كانون الأول 2015 | 16:08

المصدر: "النهار"

للبنان قدرٌ مع دفع الضرائب، مرة مع ضربية الدم وأخرى مع ضريبة المال. وإذا كانت الضريبة الأولى تنتهي بصاحبها شهيدًا كما جبران التويني وغيره من الزملاء، فإن الثانية قد تصنع منه شاهدًا يرى ويختبر حالة معيشيّة مذرية مُرة الطعم. وبين الشهيد والشاهد شهادة واحدة ليست سوى خدمة لبنان.

صحافيو بلادي فئتان، منهم من يستقبل يومه وينهيه ناظرًا أدنى سيارته لرصد عبوة من هنا أو تهديد من هناك، ومنهم من لا يفعل ذلك، لا لشيء إلّا لعدم قدرته على شراء سيارة.

كلمة الحق
فلنبدأ بالفئة الأولى، هؤلاء آمنوا بما قيل لهم عن أن وطنهم لبنان واحة الحريّات في الشرق الأوسط من دون أن يروا، لكن الواقع الذي لطالما بحثوا عن تغييره باغت أحلامهم قبل أن تتحقق. منذ جمال باشا السفاح وصحافة لبنان تدفع ثمن كلمة الحقّ، كلمة لن يقولها طبعًا الزعيم الذي يريد أن "يشتغل سياسة" أو الإقتصادي الذي يسعى خلف "البزنس" أو حتّى الفنان المهتم في كيفية إرضاء الجمهور. من المشانق إلى الرصاص والعبوات الناسفة، كثرت وسائل التصفية مواكبةً الحداثة بتطورها، تطورٌ لم يلحظ القوانين الراعية للعمل الإعلامي التي مازالت ترقد إلى اليوم على أدراج مجلس النواب تاركة الإعلام يحتكم إلى قانون المطبوعات العائد إلى عام ١٩٦٢ وقانون الإعلام المرئي والمسموع الذي أكمل عامه الواحد والعشرين. ففي وطن الحريّات ما زال الصحافيون ضحايا للسجن والتوقيف لإرتكابهم "جرائم رأي وتعبير"، وفي وطن الحقوق مازال حقّ الوصول إلى المعلومات غير متوفر بانتظار من يشرّع.

واقع لا يليق بوطن قدم جبران التويني وعشرات الشهداء الصحافيين، بل واقع يغتال شهداءنا مرّتين. وإلى زملاء جبران المشرّعين، محبتكم له ولسمير قصير لا تترجم ذكرًا لقسم الأول ولإرث الثاني في مناسبة هنا أو تظاهرة هناك، بل قوانين حديثة ترقى إلى طموحهما وتطمئنهما على مستقبل الصحافيين الشباب، وعلى مستقبل المهنة.

إذا لم تضرب مطرقة الإرهاب الأمني الصحافي اللبناني، فلن يسلم من سندان "الإرهاب المادي". ليس سرًّا أن قطاع الإعلام التقليدي يعيش أزمة حادة على مستوى العالم لأسباب عدة أبرزها تراجع الجماهيرية التي انتقلت مع الإعلانات إلى المنصّات الإلكترونيّة. ففي وقت بلغت فيه عائدات محطات لبنان التلفزيونية مجتمعة في عام ٢٠١٤، ١١٠ ملايين دولار، حققت إيرادتها ٦٠ مليونًا لتسجل عجزًا بنحو ٥٠ مليون دولار (واقع الإعلام في لبنان، نادي الصحافة). أرقام تبدو في دولة كلبنان حيث لا أحد يضمن للمواطن الحياة الكريمة، موجعة وموجعة جدًا. ولكي تكتمل الصورة السوداوية يحضر الأداء النقابي الضعيف، حيث تعدُ النقابات منتسبيها بحسومات على بطاقات السفر، وتخفيضات على رسوم الخلوي والماء والكهرباء دون أن يروا وبشهادة العديد منهم شيئًا.

 

وفي عالم المال، سنوات الخبرة لا تكفي ومهنية الأداء لا تفي لتجنّب الصحافيين مقصلة التقشف التي جعلت المؤسّسات الإعلامية تتخلى عن موظفيها أو عن إعطائهم أجورَهم. إنّ الحق لا بد أن يقال، أليس رب العائلة الذي خسر وظيفته بسبب التقشف شهيدًا أيضاً؟ وبما ننعت من لم يتقاضَ أجره منذ أشهر ويستمر بالكدح صامتًا مكرسًا منبره لإيصال معاناة  الآخرين؟ هؤلاء أبَو أن يخضعوا للمغريات وما خلفها من إملاءات وبقوا أحرارًا، بالقليل الذي يملكون من خبز وماء وحبر أحراراً.

قد نفّر هذا الواقع الصعب البعض من امتهان الصحافة، وجعلها مهنة الذين لا مهنة لهم لبعضٍ آخر، لكنها لا تحتاج ولحسن الحظ إلى هؤلاء بقدر ما تحتاج لمن يقبل أنّ يكرس حياته ليخدمهم ويدافع عن مجتمعه. وليس دور الصحافة في ما يجري في لبنان والعالم العربي من توق للديموقراطية والتغيّير اليوم سوى تأكيد على أنّها أكثر من مهنة بل حاجة وواجب. واجب لن يبخل أن يتمّمه الصحافي شهيدًا في يده قلم وعلى وجهه إبتسامة، كما جبران وكما الزملاء.

Digital solutions by