Digital solutions by

الاقتصاد اللبناني بين الإهمال السياسي والضغط الإقليمي

3 كانون الأول 2015 | 20:10

المصدر: "النهار"

تعاني القطاعات المصرفية، الصناعية والتجارية في لبنان صعوبة كُبرى تتمثل في انعدام السيولة وضعف القوة الشرائية. ولكنّ السؤال: "هل هذا وهم يعيشه اللبناني، هل هي طريقة تفكير اعتادها أم هي حالة واقعية تراكمت بفعل الأزمات السياسية المحلية والإقليمية؟".
من المؤكد أنَّ الوضع الاقتصادي اللبناني يعاني الكثير، فحاكم مصرف لبنان يقول إنَّ الوضع الاقتصادي دقيق، إذ إنَّ نسبة النمو في العامين 2014 و 2015 لم تتجاوز 2% في أفضل الأحوال، كذلك الأمر بالنسبة إلى وزير المال علي حسن خليل الذي دق ناقوس الخطر بسبب تراجع عدد من المؤشرات وصعوبة تمويل عجز الموازنة.

- لماذا وصل الوضع الاقتصادي إلى ما هو عليه؟
يمرّ لبنان حالياً بمرحلة اقتصادية حرجة في ظل الخلافات والأزمات السياسية التي أدت إلى كبح النمو من خلال التأثير السلبي على السياحة والتجارة والاستثمار المحلي والأجنبي، يُضاف إلى ذلك عدد اللاجئين السوريين الذي يتجاوز مليون ومئتي ألف، مُشكّلاً بذلك ضغطاً إضافياً على الإنفاق العام وسوق العمل.
وتظهر أرقام الموازنة عجزاً يصل الى سبعة آلاف وستمئة وخمسة وستين ملياراً في ظل ارتفاع مستمر للدين العام تخطى الثمانية والستين ملياراً.
بالنسبة إلى القطاع السياحي، استمرت نسبة انخفاض التشغيل الفندقي لتصل الى أقل من 45%، أما بالنسبة إلى القطاع التجاري فهناك ارتفاع ملحوظ لإقفال المؤسسات التجارية بالتزامن مع انخفاض التصدير الزراعي.
- القطاع المصرفي هو الوحيد في لبنان الذي يحافظ على مناعة ودرجة نمو، إذ يعتمد إلى حد كبير على التحفيزات التي يطلقها مصرف لبنان كالقروض السكنية والقروض البيئية الميسرة والتي تجاوزت المليار دولار في 2015.
- إذاً كأحجار الدومينو التي تتساقط الواحدة تلوى الأخرى بعد سقوط الحجر الأول، أدى الانهيار الأمني في المنطقة إلى سقوط التفاهم والتقارب السياسي الذي أرخى بثقله على أربعة عناصر تعتبر ركائز الوضع الاقتصادي اللبناني.
العنصر الأول الذي تأثر سلباً هو تحويلات رؤوس الأموال من الخارج والتي تنقسم إلى جزءين: الأول يودع في القطاع المصرفي، والثاني يتم إيداعه في القطاع العقاري.
العنصر الثاني انخفاض الاستثمار المحلي والأجنبي في ظل غياب سياسات تشجيعية من الحكومة وخصوصاً للكفايات الشابة، الأمر الذي يؤدي الى هجرة الأدمغة التي تؤدي الى فقدان اليد العاملة التخصصية.
العنصر الثالث يتمثل بانخفاض الحركة السياحية المحلية والأجنبية في ظل التقارير الأمنية والإرشادات التي تقوم بها السفارات الأجنبية في لبنان.
العنصر الرابع يتمثل بارتفاع اللجوء السوري الذي تخطى المليون ومئتي ألف لاجئ في ظل إقفال الحدود السورية أمام التصدير الزراعي اللبناني الذي انخفض بنسبة 35%.

أضف الى هذه العناصر المتعلقة بالوضع الأمني مشكلة النظام السياسي الحاكم والعاجز عن تحريك ملف النفط وحل مشكلتي الطاقة والنفايات. فالطبقة السياسية الحاكمة في لبنان تتسارع بصورة دائمة على توزيع المغانم من دون وضع استراتيجيات واضحة تستطيع من خلالها تحسين الوضع الاقتصادي والمالي وذلك بسبب عدم خبرة أصحاب القرار.
أما بالنسبة إلى الأزمات الجيوسياسية التي أرخت بثقلها على الوضع الاقتصادي اللبناني لا بد من إضافة التأثير السلبي المباشر وغير المباشر لانخفاض أسعار النفط العالمية أضف الى استمرار الركود الذي تعانيه منطقة الأورو.

في ظل هذه الظروف والتحديات المستمرة والمتفاقمة، هل من الممكن أن يحذو الوضع الاقتصادي اللبناني حذو الاقتصاد اليوناني وهل من الممكن إيجاد أفق لحل المشاكل أنهكت اللبنانيين؟

- مما لاشك فيه أنَّ الوضع الاقتصادي اللبناني يدور في حلقة مفرغة وذلك لأن المصارف اللبنانية تقوم بتسليف الدولة التي تقوم بإنقاذ نفسها في اللحظة الأخيرة من خلال إعادة عملية الاستدانة لتسديد الديون المستحقة من دون أي عوائق مصرفية تذكر، الأمر غير المتوافر في اليونان وذلك بسبب ارتباطه بالاتحاد الأوروبي وخضوعه لإرشاداته وتوجيهاته في كثير من الأحيان.
وبناءً عليه ليس من الضرورة أن يلحق لبنان باليونان ولكن استمرار الحال على ما هو عليه الى ما لا نهاية يشكل خطراً على الوضع الاقتصادي والمالي، وبناءً عليه يجب على الهيئات الاقتصادية والحكومات المتعاقبة العمل على محاور أساسية عدة نذكر منها:

• أولاً: العمل على إدارة الدين العام مرفقاً بالإصلاحات المالية من خلال آليات عدة متعلقة بالهندسة المالية كتثبيت حصة الدين من العملات الأجنبية والعمل على إطالة فترة سداد محفظة الديون لكي يتم تنظيم عملية سداد الديون من الناتج المحلي والحد من سداد الديون من خلال ديون أخرى.
ويجب أن تترافق عملية التنظيم هذه مع تحسين نظام الجباية والأنظمة الضريبية القائمة على مبدأ العدالة بحيث لا يؤثر أي إصلاح ضرائبي على السلة الاستهلاكية، على مستوى الاستثمار وعلى عملية التصدير في البلاد.

• ثانياً: خصخصة بعض القطاعات التي باتت تشكل عبئاً على الدولة والتي فشلت مرات عدة في عملية اصلاحها كقطاع الكهرباء والمياه في لبنان مع زيادة الاستثمار في مشاريع الطاقة البديلة الصديقة للبيئة على غرار الاتفاقية التي أبرمها مصرف لبنان مع وزارة البيئة في تشرين الثاني 2015.

• ثالثاً: إعادة تأهيل البنية التحتية من مطارات، مرافئ، اتصالات ومواصلات عامة داخلية لتسهيل حركة التبادل التجاري بين المناطق وتخفيض الكثافة السكانية في المدن الرئيسة.
كل هذا يجب أن يتم من خلال إعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص بحيث يصار الى تنفيذ المشاريع المتعلقة بالبنى التحتية مع شروط رقابية أكبر وذلك بعد وضع خطة إنمائية شاملة.


• رابعاً: العمل على دعم القطاع الخاص والمبادرات الخاصة من خلال تعزيز وتحديث التشريعات، فضلاً عن تعزيز الوعي لدى الشباب وحضهم على زيادة المبادرة الفردية من خلال إدخال مواد تدرس في التعليم المدرسي، الجامعي والمهني والعمل إنشاء مركز دعم في وزارة الاقتصاد يساند الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الحالية.

 

• خامساً: العمل على التنمية البشرية والحد من الفقر خصوصاً في المناطق الفقيرة من خلال إقامة مجمعات صناعية متخصصة وذلك بعد إنشاء مدارس متخصصة تقوم على تعليم مهني متخصص على غرار التجربة الهندية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الوضع الأمني والاقتصادي والمناطقي. فبدلاً من إنشاء مناطق اقتصادية مركزية تغذي الإنماء الاقتصادي في جميع المناطق وتتحوّل الى مراكز تنموية تدعم تطور الاقتصاد اللبناني ونموه.

• سادساً: تحريك ملفي النفط والغاز والعمل بصورة جدية بعيداً من المحاصصة والخلافات السياسية ليُصار الى تدعيم الخزينة اللبنانية وتخفيض العجز الى العمل على التحضير لدعم الصناعات النفطية الأمر الذي يؤدي الى ازدهار الشركات الصغيرة والمتوسطة المتخصصة بصناعة منتجات الهيدروكربون.

• سابعاً: العمل على الإصلاح الإداري في القطاع العام ومختلف البلديات من خلال تعزيز مستوى الجهاز البشري المعروفة بالترهل وبعدم الكفاية، إضافة الى تحسين عملية الرقابة والعمل على الحد من التدخلات السياسية.

• ثامناً: العمل على تفعيل السياحة وخصوصاً السياحة البيئية والثقافية في المناطق النائية الأمر الذي يؤدي الى تنمية اقتصادية والحد من النزوح.
ليس هناك أي إمكان لرفع مستوى النمو اللبناني من غير تطبيق السياسات الإصلاحية مصحوبة بالإصلاح السياسي والرغبة لدى السياسيين في وضع استراتيجيات اقتصادية بعيداً من المصالح السياسية الضيقة.

لقد تعرض لبنان إلى الكثير من الضربات التي أثبتت قدرته على الصمود ولكن الى أي مدى يستطيع الاستمرار في صموده؟
أليس من الأجدى بالمسؤولين السياسيين والاقتصاديين التطلع والاهتمام بالوضع الاقتصادي قبل فوات الأوان؟

 

Digital solutions by