Digital solutions by

كيف يمكن أن تتطوّر حرب "أنونيموس" ضد "داعش"؟

26 تشرين الثاني 2015 | 16:50

المصدر: "النهار"

الصورة عن "The cryptosphere".

بأقنعتهم ذات الابتسامة الساخرة باللونين الأبيض والأسود أو ما يعرف بـ"الجاي فوكس" ظهروا إلى العالم، هي مجموعة جمعت المئات من حول العالم تحت اسم واحد "أنونيموس" "Anonymous". شبان، شابات، مسلمون، مسيحيون، يهود، قراصنة، ناشطون، طلاب، أغنياء، فقراء،... جميعهم يخبئون هويتهم تحت هذا القناع، ويحملون قضية يضعونها أولوية، وفق الظروف السياسية السائدة في دول العالم. "نحن منظمة.. لا تسامح... لا تنسى.. توقعوا منا كلّ شيء... نحن مجموعة (Anonymous" (we are legion we do not forgive we do not forget expect us".

 

يقدم المنضوون في "أنونيموس" أنفسهم للعالم، بالقناع الأبيض المرقع بالخطوط السوداء أو برمز يتمثل بـ"شخص من دون رأس يرتدي بدلة"، ويشير إلى عدم وجود قائد للمجموعة ويدلّ إلى التنظيم والسرية.
لهذه المجموعة هدفٌ ينبغي أن يتحقق و"لا شيء سيمنعنا من ذلك سنلاحق اي جهة نشعر انه يجب تلقينها درساً"، بهذه الطريقة يعرّفون عن أنفسهم، وتؤكد "أننا لا نريد أن يخاف الناس منا ولكننا نريد أن يأخذوننا على محمل الجد".
"تناضل" مجموعة "أنونيموس"، "الكترونياً"، وهي تعمل في مجال النضال عبر الاختراق البرمجي. أولى بوادر تفتحها كانت في عام 2003، لتتطور تدريجاً وتصير بتكوينها الحالي جماعة "أنونيموس" المعروفة بالعمل الجماعي العالمي للاختراق الالكتروني، وهدفها تحقيق العدالة الاجتماعية التي تراها مناسبة. وقد صنفتها شبكة الـ"سي إن إن" في العام 2012 كـ"أحد أهم ثلاثة حلفاء لـ "ويكليكس""، كما صنفتها "التايمس" الأميركية كواحدة من أكثر المجموعات تأثيرا في العالم.


مجموعة غامضة
لا تزال مجموعة "أنونيموس" بالنسبة إلى الدول وكثيرين مجموعة غامضة، عرفت بهجماتها الالكترونية التي طالت مواقع حكومية في العالم واستهدفت مواقع الكنائس الالكترونية والشركات الخاصة. واليوم حوّلت مجموعة " Anonymous" محور هجماتها ليصير تنظيم "الدولة الاسلامية" هدفاً مشرّعاً أمام أعين كل المنتمين الى هذه المجموعة في العالم. يقول الصحافي والمدون محمود غزيل في حديث لـ "النهار" إن "أنونيموس هي فكرة، شعار، يستطيع أي شخص الانضمام إليها والسير في ممشاها والعمل بطريقتها"، لافتاً الى أن "العمل الحقيقي في مسألة الاختراقات تبقى مبنية على مجموعة محددة صغيرة، أما الباقون فيمكن أن يكونوا من الداعمين والمروّجين".
ينتشر اسم "أنونيموس" بكثافة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الامر الذي يشكل أزمة ثقة بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والاعلام والجهات الرسمية من جهة، والمجموعة من جهة أخرى، ويشير غزيل الى أنه "من السهل على أي شخص إنشاء الحسابات على مواقع التواصل، ويمكن حتى استعمال الأسماء نفسها"، مما يطرح علامات استفهام على جدية المجموعة، إلا أن غزيل يوضح أن "المجموعة الحقيقية لأنونيموس يعرف بعضها البعض، ويتواصلون علناً وفي الخفاء".


"يا أبيض يا أسود"
تقوم فكرة "أنونيموس" على تحقيق الأهداف الخاصة، ترسمها المجموعة وفق الظروف السياسية أو الاجتماعية في دول العالم، ويذكر غزيل أن "أنونيموس" يخوض اليوم حرباً ضد مجموعة ارهابية وهي معركة واحدة من مئات الهجمات الالكترونية التي سبق وشنها سابقاً ضد الحكومات والمشاريع والشركات وبعض الأحيان ضد مواقع تتحدث عن المعتقدات أو الأديان"، مؤكداً أن لا مساحة رمادية مع المجموعة... "إما معنا أو ضدنا".
يعلن الـAnons أو الناشطون في المجموعة، من فترة الى أخرى، في تغريدات أو فيديوات ينشرونها في موقع "يوتيوب" عن عمليات ضد هدف محدد. وآخر أهداف المجموعة... "داعش". أطلقت المجموعة عملية ضد "داعش" سميّت "OpISIS"، بدأ تنفيذها مباشرة بعد المجزرة الدموية التي طاولت مكاتب الصحيفة الفرنسية للرسوم الكاريكاتورية "شارلي ايبدو"، أما اليوم وبعد الاعتداءات الباريسية التي عرفت بـ"11 أيلول" الفرنسي، فأطلقت عملية "#OpParis" أكدت فيها عزمها على استهداف التنظيم الارهابي.


تعتبر مواقع التواصل الاجتماعي حاجة أساسية للتنظيم الارهابي، الذي يعمد إلى تطبيق البروباغاندا من خلال الأفكار التي ينشرها في "تويتر" أو "فايسبوك" أو من خلال الفيديوات التي تبث في "يوتيوب" أو حتى في مواقع أخرى، وذلك كسباً لمزيد من المال وتجنيد أعضاء جدد في التنظيم.
وبعد الهجمات الارهابية التي طاولت الدولة الأروبية التي تعتبر الأكثر أماناً، انطلقت "الحرب الالكترونية ضد داعش"، وبدأت وسائل الاعلام بتناقل الأخبار عن "أنونيموس" وحربها الضروس في العالم الافتراضي. وقد أشارت تقارير صادرة عن المجموعة، أنه تم رصد وازالة أكثر من 20 ألف حساب في موقع "تويتر" تابع لتنظيم الدولة الاسلامية، وفق ما أعلنت المجموعة بعد نحو أسبوع على اعتداءات باريس.


ونقلت صحيفة "النيويورك تايمس" في آذار الماضي أن المجموعة نشرت في إحدى حساباتها @XRSone لائحة بـ26 ألف حساب في موقع "تويتر" من الحسابات التابعة للتنظيم، أوقفت منها 9200 حساب، غير أن اللافت أن من بين هذه الحسابات حساباً صحافياً في "راديو سوا"، وحساب قناة "الجزيرة"، وحساب محامٍ فلسطيني الجنسية. وفي هذا السياق، يقول المستشار في شؤون الأمن التكنولوجي المعلوماتي جورجي كفوري لـ "النهار" إن "هناك طرقاً عدة لكشف هذه الحسابات، ولا يمكن هذه الطرق أن تحدد مئة في المئة أن الحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي تابعة لتنظيم "داعش"، فمجموعة "أنونيموس" تستخدم طريقة البحث من خلال برامج تلتقط كلمات تستخدم من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي تحدد ما اذا كان المستخدمون ينتمون الى تنظيم "داعش" أو لا، ويؤكد ان هذه النتائج التي وصلت اليها المجموعة غير مؤكدة مئة في المئة". ويلفت الى أنه "من الصعب جداً من الناحية التقنية الكشف عن أمكنة عناصر تنظيم "داعش" من خلال حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، الا اذا أخطأ في عمله الالكتروني"، ذاكراً أن التنظيم يصرّ على عناصره إخفاء هويتهم الالكترونية تماماً قبل أن يبدأوا هجوماتهم، أو حتى مجرّد نشاط الكتروني بسيط.


هل يستخدم "أنونيموس" الـ"Doxxing" في حربه الالكترونية؟
لا يقتصر عمل مجموعة "أنونيموس" على اختراق المواقع بل يتعداه إلى نشر كل المعلومات الشخصية للموقع المخترَق أو الحسابات المخترقة. تسمى هذه العملية باللغة الانكليزية "Doxxing"، وهو تعبير يطلق على عملية نشر محتوى المواقع والحسابات المخترقة، وكل نشاطاتهم على الشبكة العنكبوتية. ولكن هل في حربها ضد "داعش" استخدمت الـ"Doxxing"؟
يشرح غزيل أن " مجموعة أنونيموس تزعم بين الحين والآخر أنها تقفل مواقع وحسابات تابعة لـ "داعش" ونادراً ما تنشر معلومات، وهي تعتبر أن الطريقة الوحيدة للرد على التنظيم هو إقفال مواقع التواصل الخاصة به التي من شأنها أن تزيد من قوته الإعلامية كما من قدرته على استقطاب وتجنيد الشباب وخصوصاً الأجانب منهم"، لافتاً الى أنه "حتى اليوم، مع كل التقارير عن اختراقهم الحسابات، لم نتبيّن فعلياً حقيقة الأمر وصدقيته، وأغلب ما يظهر عبر الموالين لأنونيموس هو إنشاؤهم لوائح لحسابات موالية للتنظيم يعمدون إلى التبليغ المكثف عنها حتى تُغلق".


يعتبر الـ"Doxxing" من أكثر المواضيع دقة في عمليات الاختراق، وقد انتشرت بشكل كثيف أخبار نُسِب تسريبها "أنونيموس"، وآخرها كان يتعلّق بلبنان، اذ ان يوم السبت 21 تشرين الثاني انتشر خبر قيل أن المجموعة سربته مفاده أن "داعش" سيستهدف في 22 تشرين الثاني مواقع عدة في العالم، من بينها جامعة القديس يوسف في الكسليك، ليتبيّن لاحقاً أن هذه التسريبات مجرّد شائعات. احتمالات تسريبات خاطئة كهذه وارد جداً، قد يكون ان مجموعة "أنونيموس" قد قرأت "الداتا" خطأ بعد اختراقاتها، أو أن "داعش" قد وضعت هذه "الداتا" عمداً أو حتى أنشأ التنظيم حساباً تحت اسم "أنونيموس" وأطلق الشائعة، كما أنها قد تكون مجرد شائعة أطلقت في الاعلام...إلخ.
ويعتبر كفوري ان "عمليتي "OpISIS" و"#OpParis" تقتصران على كشف حسابات "داعش" الذي ينشر الرسائل ويحض فيها الأشخاص الى الانضمام اليه، لا أكثر ولا أقل"، لافتاً الى أن قد تكون هذه "العمليتين قد يكونان مجرد شائعة لا أساس لها من الصحة". وأكد أن هدف "أنونيموس" الحد من انتشار "داعش" في مواقع التواصل الاجتماعي.


في المجتمع الافتراضي من المتعارف عليه أن ادارات مواقع التواصل تقفل الحسابات التي تتضمن محتوى ارهابياً أو جنسياً،... فلماذا يشن "أنونيموس" حرباً على هذه الحسابات التي تقفلها ادارات المواقع؟ يشرح غزيل أن "إدارة مواقع التواصل بطيئة في التعامل مع الحسابات، وليس لديها إمكان على متابعة كل اللغات المستخدمة، فغالباً ما نراها فاعلة مع اللغة الإنكليزية والصور البشعة أو الجنسية (...) بعض أدوار مجموعة أنونيموس، مشابه لأدوار مجموعات أخرى بدأت تنتشر في دول أوروبية عدة من بينها بريطانيا، حيث تشكل مجموعات من المتطوعين لوائح بتلك الحسابات والتواصل مع الهيئات الحكومية التي هي بالتالي تدرس الطلبات وترفعها إلى إدارة مواقع التواصل لدراستها مرة أخرى قبل إغلاقها"، مؤكداً أن "المسألة ليست سهلة، ومن السهل اعادة فتح الحسابات ".

يشير كفوري الى أن "ادارات المواقع كموقع "تويتر" مثلاً لديه ملايين من الحسابات التي يراقبها ويدققها، وتأتي اليوم مجموعة "أنونيموس"، التي تمتلك القدرة على التحقق من الحسابات، لتساعد الادارات في كشف الحسابات "الداعشية"، على رغم بعض الأخطاء.
مقابل الهجمة "الأنونيموسية"، يتحدث غزيل أنه "بينما الإعلام يركز على الحرب ضد داعش إلكترونياً، يعمد التنظيم المتطرف أو عناصر موالية له إلى شن ضربات إلكترونية أيضاً على الحكومات وأجهزتها العسكرية، آخرها ما زعم أنه حدث في اليومين الأخيرين: بيانات وزارة الدفاع الفرنسية، المعاهد الحكومية الإيطالية، وزارة الدفاع الأميركية، ...".


من جهته يشرح كفوري أن تنظيم "داعش" استطاع التأكيد للعالم ان في إمكانه ان يشن حروباً الكترونية غير حربه الميدانية، مؤكداً أن في استطاعة "أنونيموس" أن تطور حربها الالكترونية، بمجرّد الكشف على الحسابات وإقفالها، الى صدّ هجمات "داعش" الالكترونية التي تشنّها على المواقع الالكترونية. 

 

 

 

Digital solutions by