Digital solutions by

فيروز في ثمانينِها: الزمنُ مُستمِعٌ يُنصِتُ منبهِراً

22 تشرين الثاني 2015 | 12:35


حلُمُ الكلمات أن تتأرجح على أوتار صوتها السحرية، أن تصدح من حنجرتها الفيروزية، أن تجلوها شفتاها فتدرك عمق ذاتها دمعةً أو بسمةً أو غيمةً أو نسمةً أو نظرةً أو تنهيدةً. أيّ جدوى من الكتابة بعدذاك؟ سأكسر اليراع وأهجر الورق وأتركه أبيض غضاً كعذراء أرقب جسدها النزق وأحترقُ بشهوة ذاتي، كحُلمٍ هاربٍ، كسكّيرٍ يُخدّر الوقت.
في حضرةِ جَلال صوتها لا أبلغ من الصمت، صمت العاشق أمام معشوقه، صمت الكون أمام صرخة الحياة. لا توصيف أو تحليل أو قاعدة تخترقُ كُنْه هذا الصوت المتقّد كثورة، المجروح كناي، الشامخ كأرزة، الوحشي كطفولة، الصافي كعين ماء. في حضرة هذا الصوت اللازورديّ يقف الزمن مشدوهاً، مُنصِتاً، مُنبهراً، مأخوذاً حتى ليكادَ ينسى ذاته! الصوتُ هنا يسمو فوق المادة، يتفلّتُ منها، ليتركّز في ذبذبات أثيريّة خارج الزمن. الصوتُ هنا ليس الحنجرة فقط، بل الحواس والروح والعقل. هو هذه الكينونة، هو الإنسان. عندما تنصت لأغنيةٍ بصوتها لا تعود تأبه بكاتبها وملحنها، فهي تسكبُ ذاتها فيها، تحتلّ أحاسيسُها كل حيّز منها، تتقمّصها، تحلّ فيها فتصيران واحداً. مرّةً هي المُتيّمة، ومرّةً أخرى هي الثائرة، وتارةً هي الأمّ، وتارة أخرى هي الرسولة والمُبتهِلة. لكنها كانت دائماً وأبداً، وفي كلّ الأحوال والحالات، فيروز.
لا أحلمُ بلقاء هذه السيدة الأيقونة كما يحلم كُثُر بذلك. مَن يحلُم بلقاء من كان حاضراً ومرافقاً له في مراحل حياته، مَن شكّل وعيه ولاوعيه، مَن كان له الوحي والخشوع والجمال والرجاء؟! أحبُّها أن تظل هذه النجمة التي أنظر إليها من بعيد، أن تظلّ هذه الهدية في العلبة، هذه الشمس خلف الجبال، هذه الكلمة التي لم أكتبها بعد.
فيروز، يا أيتها الناسكة، الزاهدة، المتصوفة، حتى آخر رشفة كأس، حتى آخر نغمة في لحن، حتى آخر نبض في عروق، بلّلي تربتِنا بمطرِ صوتِك فتزهر سنابل ورياحين ونرجساً وياسميناً. روعتُكِ أنّكِ هذا الغموض. هذا السرّ. هذا البوح. هذا الهمس. هذا المُشتهى والمُرتجى.

ثمانون حولاً ووهجُكٍ لم يخفت وطيبُك مُضوّعٌ. ثمانون حولاً وما زلت تتربعين على عروش قلوبنا. ثمانون حولاً ولا نزالُ عطاشاً وجياعاً إلى ماء صوتِك وخُبزه. في ضعفنا أنتِ قوّتنا، وفي غُربتنا أنتِ ملجؤنا، وفي انسحاقنا أنتِ رجاؤنا، وفي تشرذمنا أنت وحدتنا، وفي عبوديّتنا أنت استقلالنا. فيروزُ في أغنياتكِ يعيشُ لًبنانُنا، فمَن يَحسبُ حفنةَ سنين في عمرِ أرزةٍ؟!

charbel.abimansour@annahar.com.lb
Twitter: @AbimansourC

Digital solutions by