Digital solutions by

سيناء من أرض منسية الى عرش الارهاب

11 تشرين الثاني 2015 | 20:33

المصدر: "النهار"

الصورة عن "رويترز"

بلمح البصر سرقت "أرض الفيروز" الأضواء وتربّعت على عرش الإرهاب بعد إعلان "ولاية سيناء" في تنظيم "الدولة الاسلامية" مسؤوليتها عن إسقاط طائرة الركاب الروسية في شمال شبه الجزيرة الصحراوية، في حادث لم تفكّ بعد كلّ ألغازه. واذا كان صحيحًا ما ادّعته "الولاية" في بلاغاتها عن تبنّي تفجير الطائرة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف تحولت هذه الارض الحدودية المصرية التي تُعتبر صمام امان الامن القومي المصري في مواجهة اسرائيل، من منطقة منسية الى مرتع للمجموعات الارهابية التي باتت تنافس مثيلاتها في العراق وسوريا وليبيا وافغانستان واليمن، في تشكيل خطر على الامن العالمي؟ ومن هي هذه الجماعات لا سيما منها "ولاية سيناء" ؟

الواقع السيناوي مركَّب ومعقَّد، واللاعبون والعابثون فيه كُثر، نظرًا لافتقاده للأمن والاستقرار، مثل افتقاد شبه الجزيرة للتنمية والخدمات، ونظرا للإهمال المستمرّ والمتراكم منذ توقيع معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية. حتى باتت "المعضلة الأمنية" في سيناء متجذرة، وهو ما تبلور منذ نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، حيث ظلت سيناء، ذات الكثافة السكانية المنخفضة، ساحةً للتعبير عن مظالم اقتصادية واجتماعية مزمنة ضد أسلوب الحكومة المركزية في التعاطي مع حاجات المنطقة التنموية والاقتصادية. وقد شكّلت تلك المظالم مقرونةً بمضاعفات النزاع الإسرائيلي الفلسطيني المُخِلّة بالاستقرار، وانتشار السلاح بكثرة، مزيجاً متفجّراً، فاقَم من الأزمة الأمنية. فمنذ حكم مبارك تحوَّلت سيناء إلى مرتع لتهريب المخدِّرات والأسلحة ومأوى للجماعات الجهادية المتطرِّفة. وفي أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزّة عام 2005، تغيرت التركيبة السكانية لسيناء حيث أمكن لكثير من الفلسطينيين المُنتمين إلى حركة المقاومة الاسلامية "حماس"، الانتقال بحرّية إلى رفح والعريش. وتعاطف بعض أفراد القبائل مع فكرة الجهاد المسلّح، وسرعان ما جمعت بين الطرفَيْن في بعض أرجاء سيناء، علاقات عسكرية وعقائدية، دعمتها منافع اقتصادية من خلال أنفاق التهريب بين غزّة وسيناء. وأدّى المزج بين خبرات المقاتلين الفلسطينيين ومجموعات المهربين المحليين والمتشديين الاسلاميين في شمال سيناء الى توليد خبرة خاصة بسيناء لا تشبه الخبرات الاخرى.

إلى ذلك، أوجد قرار تحويل المخصّصات المالية المرصودة لتنمية سيناء اقتصاديًّا (في عهد مبارك) لتمويل مشروع قناة توشكي في جنوب وادي النيل (والذي فشل لاحقًا)، مظالم اقتصادية واجتماعية، جعلت القبائل تعمل في مجالات غيْر شرعية لتوفير الدّخل والموارد، بما حرم سيناء من حقّها في تمويل الخدمات الأساسية، فضلاً عن حملات موسعة من الاعتقالات التعسفية وأشكال من "العقاب الجماعي" مورست على يد نظام مبارك بموجب قانون للطوارئ استمر العمل به طوال ثلاثين عامًا من حكمه. وأدّى سوء تصرف الإدارة المصرية التي كانت تغلب عامل الأمن على عامل التنمية في معالجة ملف سيناء الى مد الارهاب بغذاء النمو الطبيعي. وسهّل الفقر والاحساس بالتهميش تجنيد الكثير من أبناء سيناء في الجماعات الجهادية. وبسبب طبيعتهم البدوية فإن إحساسهم بالتهميش عالٍ جدًا. وشكل تهميش الدولة وإهمالها بيئة حاضنة للارهاب. أضيف الى ذلك التدخل الخارجي، أو تدخل أجهزة مخابرات خارجية أيضا.

ما بعد ثورة يناير

ومنذ إطاحة مبارك، بدأ الفراغ الأمني في شبه جزيرة سيناء يتعمَّق يوماً بعد آخر، فعلى النقيض من المناطق الأخرى في مصر، تُعَدُّ المشاكل الأمنية في سيناء فريدة من نوعها، وأشد خطورة، حيث تحصل تداعيات إقليمية واضحة.

وقدّم التدهور الأمني في سيناء في أعقاب الثورة المصرية فرصة العمر بالنسبة إلى الجهاديين، فأوجدت الاضطرابات في كل أنحاء البلاد فراغًا أمنيًا في شبه الجزيرة، وفي حين أن القبائل كانت في الأصل تمتلك السلاح، فقد تدفقت الأسلحة المتطورة من ليبيا بشكل لم يسبق له مثيل، الأهم من ذلك أن الشبكات الجهادية الدولية والجهاديين المصريين الأفراد بدأوا بتركيز اهتمامهم على شبه جزيرة سيناء بشكل كبير.

وعلى رغم اختبائه الدائم في باكستان وأفغانستان، فإن أيمن الظواهري لم ينس أبدًا وطنه الأم. قبل انضمامه لتنظيم القاعدة، حاول إحياء الخلايا الجهادية في مصر من خلال مجموعات "طلائع الفاتح"، قبل أن يسقط الجهاز بأكمله في أيدي السلطات المصرية بما في ذلك قادته وابرزهم أحمد عشوش ومحمد الظواهري" شقيق أيمن، وبعد خروجهما من السجن في أعقاب الثورة، اعاد الرجلان عمليات التجنيد وإعادة بناء الخلايا الجهادية، لا سيما في سيناء حيث يد الدولة قصيرة، والارض الصعبة المسالك التي شكلت ملاذًا آمنًا طبيعيا للجهاديين، ومع وجود إسرائيل على الحدود كانت هناك فرص للهجمات الكبرى التي من شأنها أن تساعد "القاعدة" على استعادة الزخم بعد الخسائر الثقيلة في المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان، الى ذلك، كانت سيناء موقعًا للعديد من الهجمات الجهادية ضد خط أنابيب الغاز إلى إسرائيل، وكان السعي للتواصل مع هؤلاء الجهاديين أمرًا منطقيًا.

وكان عاما إعادة "الولادة الجهادية في سيناء" (2011-2013) يتّسمان بالارتباك الشديد. وادّعت 6 مجموعات على الأقل مسؤوليتها عن هجمات، وبدا كأن مجموعة جديدة تتشكل في كل شهر. وشملت هذه المجموعات أسماء مثل "مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس"، وجماعة "أنصار الجهاد في شبه جزيرة سيناء"، و"ألوية الناصر صلاح الدين"، "جيش الأمة"، و"جند الله"، و"أنصار الجهاد"، وجماعة "أنصار الشريعة".

"انصار بيت المقدس"

ولكن فترة الارتباك انتهت مع صعود تنظيم "أنصار بيت المقدس"، فزعيمها توفيق فريج كان محاربًا قديمًا ضمن صفوف "جماعة التوحيد والجهاد". ونشط "أنصار بيت المقدس" بوصفه جماعة مقاومة ضد المصالح الإسرائيلية لفترة امتدّت لِنحو ثلاثة أعوام، ثم عدلت استراتيجيته إلى جماعة تمارس العنف ضد الدولة المصرية ومؤسساتها، بعد فض اعتصام أنصار الرئيس السابق في ميداني رابعة العدوية والنهضة في منتصف آب 2013، استهلت نشاطها بعملية ضد قوات الجيش في سيناء، وأعلنت عنها في 11 ايلول 2013 بالتزامن مع ذكرى تدمير بُرجَي التجارة العالمية في الولايات المتحدة . ويومها، عنونت بيانها بالعبارة الآتية "الجيش المصري... عمالة وإجرام"، وكانت هذه هي المرة الأولي التي يحدث فيها أن يتضمن بيان للتنظيم هجومًا ضد قوات الجيش.

خلال شهر منذ ذلك التاريخ، أعلنت "أنصار بيت المقدس" أنها انتقلت إلي المرحلة الثالثة من مراحل تطورها، وهي التي يمكن تسميتها بمرحلة "تصدير العنف إلى خارج سيناء"، حين أعلنت رسميًّا في 26 تشرين الاول 2013 مسؤوليتها عن محاولة اغتيال وزير الداخلية، محمد إبرهيم، التي حصلت قبل ذلك التاريخ بأكثر من 40 يوما. وفي الإجمال، فقد كشف الطور الثالث لـ "أنصار بيت المقدس" عن أمور في غاية الأهمية، اهمها:
- تمتع هذا التنظيم بإمكانات ضخمة، ولديه قدرة على تنفيذ عمليات في مختلف المحافظات المصرية.

- لدى التنظيم القدرة علي استهداف شخصيات تحاط تحركاتها بقدر هائل من السرّية بسبب طبيعة عملها مثل وزير الداخلية.
- هذه هي المرة الأولى في تاريخ تنظيمات العنف المصرية، التي يسيطر فيها تنظيم تتمركز قيادته داخل محافظة حدودية طاردة للسكان، على مشهد العنف في مصر. وقد ثبت أن هذا الأمر يضاعف من صعوبة المواجهة الأمنية مع التنظيم.
- طرح مجمل نشاط "أنصار بيت المقدس" شبهات قوية حول علاقتها بجماعة "الإخوان المسلمين".

"ولاية سيناء"

من هذا التنظيم بالذات ظهرت "ولاية سيناء" ، كأشهر وأشرس جماعة متطرّفة في شمال شرق مصر. وهي كانت أعلنت في تشرين الثاني من العام الماضي ولاءها لأبي بكر البغدادي، الذي أعلن نفسه خليفة على رأس تنظيم "الدولة الإسلامية "، الذي يسيطر على مناطق شاسعة من سوريا والعراق. بدأ التنظيم عمله بالمصريين ثم ما لبث أن ضم عددا من الجهاديين التكفيريين من ليبيا والسودان، وبعد ذلك تطوّر الأمر بأن ضمّ التنظيم عناصر أجنبية دخلت مصر بتأشيرات سياحية آتية من أوروبا. وتعدّ قبيلة عرب شركس هى نقطة الارتكاز الأساسية التي يعتمد عليها عناصر التنظيم فى الإيواء والمناورة والتحرك، وقيل إن تنظيم ولاية سيناء يخزّن فيها معظم عتاده العسكري واللوجستي، وترفض تلك القبيلة التعاون مع السلطات المصرية لتسليم الإرهابيين. وزعيم التنظيم هو أبو أسامة المصري، واسمه الحقيقي: محمد أحمد علي (36 عامًا)، وهو من مواليد مدينة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء، لكنه كان مقيما لفترات كبيرة بمحافظة الشرقية شمال القاهرة، وهناك اعتنق الفكر التكفيري وبعد ذلك سافر إلى خارج مصر وتلقى تدريبه على يد أحد تنظيمات الإرهاب الدولي، وهو مصاب بمرض البهاق وينتشر المرض في أماكن متفرقة من جسده لكنه أكثر وضوحًا في يديه.

مع "ولاية سيناء" وزعيمها ابو اسامة، وفي حال صدقت مسؤوليته عن إسقاط الطائرة الروسية، يتدرّج الارهاب في "ارض الفيروز والرسل" من إرهاب محلّي الى إرهاب دولي، يعبث بالامن العالمي ويستفز دولاً كبرى لاستدراج تحولات سياسية وعسكرية اكبر بكثير من مساحة سيناء الارض التي كانت منسيّة وعوقبت طويلاً بالتهميش والحرمان ثم عادت الى الذاكرة، لكن من باب بشاعة الارهاب.

Digital solutions by