Digital solutions by

عمّا تُثيره كلمة "إلحاد" من قلق وذُعر... وهدم!

28 تشرين الأول 2015 | 11:01

أحياناً تكون الهالة المُحاطة بالشخص أهم من الشخص عينه ومن فكره وحقيقته، وهذا التضخيم أو التوهّم غالباً ما يجد له موطئ قدم وصيداً سميناً في عقليات وبنى مقولبة ونمطية فيسهل التلاعب بها ذهنياً ونفسياً واستغلال عوامل عدة كالخوف والرهبة والتبعية العمياء واختلال الثقة. وهذا الأمر ينسحب على كل مفاصل المجتمع العربي ليطاول مصطلحات وكلمات التلفّظُ بها وحدَه هو من "التابوهات"، ينقّز، يثير الغرائز، يستجلب الأحكام الجاهزة، يستدعي شياطين جهنّم ويحيل على محاكم التفتيش.
"#ملحد" كلمة تبدو مستفِزة، فجّة، وقحة أكثر من كلمات كالذبح، الاغتصاب، السفاح، #الإرهاب، #نكاح_الجهاد...إلخ. في معناها التعييني المعجمي كما وردت في "لسان العرب": "ولحَدَ في الدِّينِ يَلْحَدُ وأَلحَدَ: مالَ وعدَل... يقال قد أَلحَدَ في #الدين ولحَدَ أَي حاد عنه". أما الدين في اللغة فهو الطاعة والجزاء. الإلحاد، إذاً، هو عدولٌ وحياد عن مفهوم ما، وتالياً عدم طاعة وانقلاب وخروج على السائد؛ وهذا طبعاً لا بدّ من أن تنجم عنه ردود فعل وارتدادات ومدّاً وجزراً، ككل فعل تمرد. فالدين هو ما ينظّم علاقة الإنسان بالخالق أو القوى الماورائية، وربّما قد يكون هذا ضرورياً من الناحية الأخلاقية وغائية وجود الإنسان وحقيقته. والدين كمفهوم ونظام وبناء عام انوجد متأخراً عن وجود الإنسان، فهو، إذاً، لم يكن حاضراً مذ وُجد الإنسان بل أخذ يتشكّل ويتمظهر ويتأطّر ويتكوّن حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم وربّما مستقبلاً قد يتّخذ منحى آخر. والإنسان حرّ في مُعتقده سواء اختار الإيمان من عدمه، أو ديانة ما أو طائفة معينة، شرط احترام حرية الآخر ومعتقده ومنها عدم المسّ بالذات الإلهية. الأديان السماوية تقوم على الإيمان لا على البراهين والأدلة العلمية القاطعة، فالشكّ، إذاً، جائز وطبيعي عند الشخص أياً يكن، وهو إما يفضي به إلى تزعزع إيمانه وإعادة البحث وصولاً إلى #الإلحاد أو قد يقوّي إيمانه ويثبُت فيه. والشك مطلوب في الدين إذ إن الإيمان يكون بعدذاك عن قناعة ومعرفة ووعي، وكبار القديسين، مثلاً، في الديانة المسيحية إما كانوا ملحدين وإما وثنيين في عباداتهم.
السؤال الجوهري: لماذا كلمة "ملحد" تخيف كثيرين خصوصاً رجال الدين؟ هل السبب هو خوف على مصالحهم الخاصة والضيقة وتهديد سلطانهم أو ورع وتقية وعدم مسّ بالذات الإلهية وخلاص البشرية وعدم ضلال الرعية؟ ولو أردنا تحديد دور الدين، لقلنا إنه حضّ الإنسان على فعل الخير والمحبة واحترام أخيه الإنسان وحقوقه، أليس الله محبة؟ لماذا، إذاً، عندما يُعلن أشخاص إلحادهم تقوم الدنيا ولا تقعد، ويُكفّرون، ويضطهدون، ويمنعون من دخول بلدان معينة، العربية منها خصوصاً، تحت ذرائع ومسمّيات تنمّ عن عقول متحجّرة وضيقة الفكر، فيما يُحمى المغتصِب والإرهابي والقاتل فقط لأنه يدّعي التديّن والإيمان؟! هل الدين بالأقوال وظاهر الكلام أم بالافعال والقلوب الصادقة؟ أليس الدين معاملة وأخلاقاً؟ الله هو الديّان، ولا أحد مخوّل إدانة الآخر أو إعلان خلاصه أياً يكن ومهما علا شأنه. كل إنسان له حقوق وعليه واجبات، ولا سلطة لإدانته غير سلطة القانون.
في مقاربة سريعة بين مشرقنا العربي، مهبط الديانات السماوية الثلاث، وحيث لا يزال للدين سطوته ولرجال الدين حضورهم الطاغي، وبين الغرب العلماني ذي الميول اللا دينية والإلحادية تبرز استنتاجات عدة: المشرق العربي موغل في الحروب والقتل والصراعات المذهبية والطائفية والإتنية أما الغرب فيشهد ازدهاراً وتقدماً على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والصناعية والتكنولوجية. الإنسان العربي يعيش في جهل وأمية وعصبية في ظل غياب شبه تام لأبسط حقوقه المدنية والاجتماعية والمرأة فيه لا تزال تُعامل كشخص أدنى مرتبة من الرجل أو تابعة له فيما الإنسان الغربي تجاوز حقوقه المدنية التي أصبحت أموراً بدهية ودخل في نقاش مسائل إنسانية فكرية شائكة تخص كيانه ووجوده لا تزال في مشرقنا من المحرّمات. ولكن نقول إن المشكلة ليست في مبادئ الدين السمحاء، والتي سعت إلى طمأنة الإنسان من المجهول وضعفه وانعدام حيلته أمام الموت وصغره في هذا الكون الشاسع، ومحاكاة هذا الصوت الداخلي أو هذه البذرة الإلهية المزروعة في داخله بل بالتطرف في مقاربة الموضوع، وهذا يشمل الطرفين، الشرق والغرب، ولو من ناحيتين نقيضتين. فالشرق، بحجة المحافظة على الدين، ينساق إلى التعصب والتزمّت والدوغمائية الدينية فيما الغرب، وبذريعة العلمانية والحريات، ينجرّ إلى الانحلال الأخلاقي والتفلت التام والإباحية وإشباع الغريزة. الحل يكون بالاعتدال والتوازن والوسطية والعقلانية، للوصول إلى إنسانوية كبرى.
هذه الديانات السماوية الثلاث تبغي صلاح الإنسان وخيره، بغض النظر عن الاختلافات في ما بينها، وغايتها تقريب الإنسان من خالقه وتنطيم هذه العلاقة. غير أن رجال الدين هم من حوّروا في هذه التعاليم، وحاولوا تفسيرها وفقاً لمصالحهم وأهوائهم وغاياتهم الخاصة والضيقة، وقد كان الأشخاص البسطاء العقول وقوداً ودمى لإنجاح مخططاتهم.
أوروبا(المسيحية) لم تخطُ إلى الأمام إلا بعدما كفّت سلطة الكنيسة وحصرتها باختصاصها الديني الروحي العقائدي. لا شك في أن هذا الأمر لم يكن وليد ساعته، بل تطلب ذلك ردحاً من الزمن عانت منه أوروبا حروباً وصراعات وسقوط ألوف من القتلى في مقابل صعود فلاسفة ومفكرين مهّدوا وساهموا في إرساء دعائم الفكر والتنوير والحرية. ولا مناص لعالمنا العربي، إلا أن يحذو هذا الحذو، وخصوصاً الإسلام، إذ غالبية الحروب المستعرة هي ذات جذور دينية عقيدية. وهنا، لا بد من القول، أن المشكلة ليست في الدين بقدر ما هي مرتبطة بالأشخاص الذين استغلوا ويستغلون هذا الدين لغايات سلطوية دنيوية مما أفرز انشقاقات وحروباً لا تزال تبعاتها تتوالى حتى يومنا هذا.
ضروري اليوم التمييز بين الدين ورجال الدين الذين هم في نهاية المطاف بشر يُخطئون ويصيبون، والذين يجب أن ترتكز رسالتهم على المناداة بالخير والمحبة والحق والفضيلة. أما أولئك الذين يتخذون الدين رهينة لإحكام قبضاتهم على رقاب العباد، والمتاجرة بأرواحهم ودمائهم في سبيل تثبيت سلطانهم الدنيوي وشهواتهم الأرضية، واللعب على وتر التكفير والضلال والجنة والنار، فهؤلاء هم الكفرة الحقيقيون والملحدون الفعليون والدجلة الملعونون.
على الشعوب ألا تكون رهينة الدين وحبيسته، وتستحيل غريزية لاوعية ركيزتها العصبية والقوة الحيوانية والموروثات المكتسبة. بل المطلوب، والواجب حتى، إعمال العقل غايةً للخلاص. 
في معمعة ما يتخبّط به هذا العالم، وتحديداً عالمنا العربي، نحن لا نبغي "موت الله" ولكن نؤيد وجود نيتشويين، وقد نتوق إلى رب جديد ولكن توقنا الأكبر هو بزوغ أدونيسيين جدد، ما دام مغيب الشمس لن يمسي غرقاً بل عالماً آخر، ومسيراً مختلفاً، وأفقاً أرحب. نحن نتمسك أكثر بقول فولتير: "قد أختلف معك في الرأي، ولكنني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً من أجل أن تقول رأيك". لا إيمان من غير حرية، ولا إنسان من غير حرية. لا شيء مقدس أكثر من الإنسان. وفي البدء كان الإنسان. تلك الكلمة التي لا مبنى واحد لها ولا معنى، وإلا لماتت واحتواها العدم، ولكان تمّ كل شيء.

charbel.abimansour@annahar.com.lb

Twitter: @AbimansourC

 

 

Digital solutions by