Digital solutions by

سوكوروف من مهرجان البندقية: العالم القديم لا يعرف إلا العنف والعسكر!

7 أيلول 2015 | 15:06

المصدر: "النهار"

ألكسندر سوكوروف، معلّم السينما الروسية المعاصرة، يحلم بأوروبا في جديده "فرنكوفونيا" المعروض في مسابقة الدورة الثانية والسبعين لمهرجان البندقية السينمائي (٢ - ١٢ أيلول). يتكلم عنها بصوتٍ عال، بحنين احياناً، بواقعية احياناً اخرى، وبشاعرية في معظم الاحيان. العنوان الفرعي للفيلم يبشّر بأننا سنرى متحف اللوفر الباريسي تحت الاحتلال النازي. بيد ان الفيلم ــ القصيدة، وإن كان موضوعه اللوفر (عاصمة العالم كما قيل عنه)، يذهب أبعد من ذلك بكثير، ليقدّم استنتاجاً سياسياً فلسفياً ثقافياً عن الفنّ والانسان والسلطة في أوروبا المترجحة بين خطايا ماضيها واستقرار حاضرها.

"فرنكوفونيا" كوكتيل من الأفكار والخواطر المرمية في قالب سينمائي يصعب تصنيفه، سواء درامياً او وثائقياً. عمل هجين يشبه صانعه في امتداد واضح لبعض الأفلام التي قدمّها سابقاً. واذ استعمل كلمة "صانع" هنا، فلاقتناعي بان "فرنكوفونيا" قائم على صنعة، على قصّ ولصق، على حرفة في تركيب حكاية تحمل بصمات صاحب الرباعية الشهيرة عن السلطة والديكتاتورية. واستطراداً، يمكن القول ان هذا الفيلم صنعة فريدة في كيفية استرجاع لقطات ومٓشاهد من السينما بالأسود والأبيض وترتيبها في سياق التأويل. نَفَس سوكوروف حاضر، اسلوبه مكثّف، اطلالاته على التاريخ باهرة، وقراءته للواقع الاوروبي يموضعه في مقدمة المثقفين الاوربيين المتضلعين من الموضوع الذي يبحثون فيه. "فرنكوفونيا" أول فيلم ذي شأن سينمائي وانساني وفني، شاهدته في مهرجان البندقية هذا العام، وحتى كتابة هذه السطور.

الحصة الكبرى من الفيلم ترتكز على العلاقة بين مدير اللوفر والضابط النازي المكلف المحافظة على المقتنيات داخل المتحف الشهير، يوم تمّ نقلها الى أحد القصور في العام 1939. يشهد الحوار بينهما على شيء من التودد. هناك، ما يفرقّهما وما يجمعهما في آن واحد. انها علاقة خاسر برابح، في مقابل التعلق بالتحف والاصرار على تهريبها الى مكان أكثر أماناً، علماً ان التعميم كان واضحاً بعدم المس بالارث الثقافي الانساني. هذا الجزء من الفيلم مُستعاد درامياً، مع ممثلين، وفيه الزيف الجميل المحبب الذي يجعل هذا الخيار طريفاً كون الحديث هنا عن متحف، اي عن أعمال لا مكان فيها الا للأصيل. فيلم سوكوروف عبارة عن "باتشوورك". انها اجتهادات فكرية تجول وتصول لتخرج العمل عن الاطار التقليدي. هناك الكثير من صور الأرشيف، واهتمام بالغ بالصوت، مع التذكير بأن التعليق الصوتي المرافق هو لسوكوروف نفسه. من تشيخوف وتولستوي الى محادثة عبر الـ"سكايب"، لا يحتاج سوكوروف الى ذريعة بل نقرة. بلى، هو بهذه الحرية في فيلم أوصاه به متحف اللوفر! مرونة كبيرة يتمتع بها لقول ما يريده، واقتلاع الأسئلة الشائكة من محلها. بالنسبة إليه، أوروبا كانت مفترسة بقدر ما كانت رائدة. ونابوليون هو هذا الرمز الذي يجوب في أروقة اللوفر بحثاً عن دور، عن اعتراف، وتأكيد. حركات الكاميرا التي تحلّق فوق المباني الباريسية الجميلة، والعديد العديد من الابتكارات الصغيرة كطائرة نازية تعبر باحة المتحف الداخلية، يمكن اعتبارها من الاعجازات التي تفعل فعلتها في المُشاهد وتجعل الفيلم يرتقي الى مصاف جوهرة تضيء العتمة.

عندما يصوّر سوكوروف فيلماً كهذا، فإنه يصوّر أشياء يعرفها عن ظهر قلب. أفلامه كلها تنهل من ينبوع الفنّ والثقافة. يعتبر نفسه تلميذاً وليس معلماً، بيد ان الأديب والرسام والموسيقي وحدهم قادرون على تعليمه. لذلك، كان متوقعاً ان ندخل برفقة سوكوروف الى داخل بيت العنكبوت، فنراه ينسج تلك العلاقة التاريخية بين السلطة والفنّ، فيصبح اللوفر معها حاضنة الثقافة والحضارة، وتلك الباخرة التي تواجه أمواجا ضخمة تضع مصيرها ومصير ما تحمله من تحف فنية في مهب العاصفة.

بالنسبة إلى سوكوروف، باريس هي أكثر من عاصمة فرنسا. لمَ حافظ عليها النازيون، في حين انهم دمّروا عدداً من العواصم الأوروبية الاخرى؟ هذا سؤال الجواب عنه لا يتضمنه الفيلم، وإن كانت الاطلالة على الارميتاج تجعلنا ندرك حجم التهديد. في كل حال، شبح نابوليون حاضر في الفيلم، عبر عوداته المتكررة وتأكيده انه صاحب الفضل في جلب التحف الى اللوفر خلال حملاته. الأمر لا ينفك يتحول الى لازمة مضحكة. هذا كله، في حين ان ماريان، رمز الثورة الفرنسية، تذكّر بشعار الجمهورية: "حرية، مساواة، اخوة". طبعاً، يتردد صدى هذا في واقعنا المعاصر. ما يصوّره سوكوروف - ملقياً بنفسه في عصر النهضة، هو صعود وهبوط مستمران، عظمة وانحطاط بلا توقف، وهو يتحكّم بالاقصوصة من داخل غرفته المغطاة بالكتب والمراجع. يجري هذا على ايقاع باخرة تصارع الأمواج. حتى في مقابلاته، لا يخوض سوكوروف مجال الشرح وتفكيك الايحاءات والرموز. لكن اللبيب من الاشارة يفهم.

في حديث معمّق مع "النهار" ننشر تفاصيله قريباً، قال سوكوروف: "كيف سأتعرّف الى العرب مثلاً إن لم أزر متاحفهم؟ كلّ منا يعيش في مكان بعيد من الآخر، كلّ منا في زاوية. فقط عبر زيارة الأرميتاج، يمكنك أن تتعرّف إلى ثقافتنا الروسية وتغرم بها. قد لا تحبّ سياسيينا أو الأباطرة الذين حكمونا، ولكن تاريخ الفنّ هو تاريخ الناس، البشر الذين هم نحن، مَن جاء قبلنا ومَن سيأتي من بعدنا".

أما عن جرائم ما يُعرف بـ"داعش" في حقّ الحضارات التي مرّت في العراق وسوريا، فقال: "كل شيء بدأ مع الحرب الأميركية على العراق. عندما سقطت بغداد بدأت العصابات نهب الآثار من متحفها، وهو واحد من أغنى المتاحف في العالم. منذ ذلك الوقت، كان مفهوماً ما الذي سيحصل، كانت هذه صفعة على وجه الحضارة. الأمر لا علاقة له بصدام حسين، فالله عاقبه، ولكن شهد العالم خللاً في التوازن. لم يكن يحق للأميركيين التصرّف بهذا القدر من الاستهتار. للأسف، العالم القديم لا يعرف سوى منطقين: العنف أو العسكر".

وعندما سألناه إذا كان يعتقد أنّ هذا كله مخطط سلفاً، كان رده: "نحن إزاء الغباء الآدمي. نحن نعيش نتائج انعدام الثقافة والفهم. حكّام العالم انتزعوا منّا الشخصية الإنسانية، إنهم أكثر البشر في حاجة الى الإنسانية. ما نشهده سببه تفضيل السياسة على الانسان".

 

Digital solutions by