Digital solutions by

مصادقة واشنطن على الاتفاق النووي شبه محسومة ... فماذا عن طهران؟

11 آب 2015 | 15:43

المصدر: "النهار"

الصورة عن "رويترز"

يبدو أنّ الرئيس الاميركي #باراك اوباما واثق من تخطّي عقبة الكونغرس من اجل الحصول على المصادقة النهائيّة على الاتفاق النووي الموقّع بين #مجموعة الدول الست و#ايران. وهو مستعدّ لاستعمال حق النقض في حال ردّ الكونغرس الاتفاق. وتوحي الاجواء السياسيّة والاعلاميّة في الولايات المتحدة بأنّ الاتفاق بات في حكم المصدّق عليه، وأنّ إفشالاً نهائيّاً من مجلسي النواب والشيوخ لهذا الاتفاق يحتاج الى معجزة فعليّة.

على المقلب الآخر، لا تزال شذرات من الغموض تحيط بمصير الاتفاق داخل أروقة #طهران. ولا يخفى على أحد صراع الجناحين الاصلاحي والمحافظ داخل الجمهوريّة الاسلاميّة، الامر الذي تظهّر وسيستمرّ في التظهّر من خلال المواقف الداخليّة المتعلّقة بمصير الاتفاق.

تحاول #ايران قدر المستطاع استغلال ثنائيّة التوجّه السياسي داخل جمهوريّتها للافادة منه عند المنعطفات التي لا تكون فيها الرؤية واضحة تماماً لدى المرشد الاعلى للجمهوريّة الاسلاميّة في ايران #علي خامنئي. فتستفيد من الاصلاحيّين كي تنفتح على العالم وتفاوضه، تماماً كما حصل معها أخيراً في المفاوضات الشاقة التي خاضتها مع الغرب. وتحاول الاستفادة أيضاً من المتشدّدين فتعرقل التوصل الى تفاهمات لا تراها تصبّ في مصلحتها، أو لإيصال رسائل تهديد الى من يعنيهم الامر في حالات التوتّر الكبرى.

لكنّ تلك الثنائيّة ليست جامدة، حيث يستطيع الاصلاحي أن يفاجئ العالم بتحوّله الى متشدّد في اللحظات الصعبة. وهذا ما حدث مع وزير الخارجيّة الايراني #محمّد جواد ظريف حين توجّه الى أحد المفاوضين الغربيّين بالقول:"لا تهدّد إيرانيّاً ابداً". لكن بالمقابل لا يبدو اعتماد متشدّد للهجة معتدلة واقعةً كثيرةَ الحدوث.
التجاذب

من هنا، لن تخرج المصادقة على الاتفاق من دائرة التجاذب بين الفريقين. مجلس الشورى الاسلامي(البرلمان الايراني) أقرّ في الحادي والعشرين من شهر حزيران الماضي، مشروع قانون يمنح المجلس الاعلى للامن القومي الايراني الذي يأتمر مباشرة من خامنئي، صلاحيّة الموافقة على الاتفاق النووي مع الدول الغربيّة. وعلى رغم ذلك، خرج كبير المفاوضين #علي أكبر صالحي بتصريح في الأوّل من شهر آب الحالي، يفيد فيه بأنّ البرلمان لا يملك سلطة على الاتفاق النووي الذي وقّع مع الغرب. وأصر على أنّ "خطة العمل الشاملة ليست اتفاقاً او معاهدة دولیة، وأنا لا أعرف تحت أي تعريف يجب أن تحال على البرلمان". ما يعني أنّ هنالك أصواتاً داخل المجلس لا تزال تطالب بإخضاع الاتفاق لمجلس الشورى، وهذا الموضوع هو ما يريده المتشدّدون داخل طهران.

لكنّ المجلس الأعلى للأمن القومي الايراني برئاسة الرئيس حسن روحاني نفسه، سيستفيد من علاقاته الايجابيّة مع خامنئي لدرس الاتفاق واقناعه بحتميّته. وهو بذلك سيستثمر في تصاريح عدّة سابقة لرئيس مجلس الشورى علي لاريجاني الذي يحاول إقناع الاصوات المعترضة داخل مجلسه بأنّ من يحسم الموضوع هو المرشد الاعلى. فلاريجاني يؤكّد أنّ مجلس الامن القومي الايراني هو في نهاية المطاف خاضع له.

هكذا يتّجه روحاني الى كسب نصف المعركة. فهو، وإن كان رئيساً للجمهوريّة الاسلاميّة في ايران، إلّا أنّه ربّما ينظر بعين الحسد الى رئيس الولايات المتّحدة أقلّه في هذا الظرف لأنّه، على عكسه، يملك دستوريّاً حقّ النقض. لذلك عَلِم جيّداً، هو ووزير الخارجيّة #محمّد جواد ظريف، أنّ أيّ اتجاه يصبّ في إعطاء مجلس الشورى صلاحيّة المصادقة على الاتفاق، سيحرق جميع إنجازاته السابقة وربّما مستقبله السياسي. لكنّ النصف الآخر من المعركة لم يحسم بعد.

روحاني
روحاني بدأ يعدّ لحملاته الاعلامية لتسويق ما أنجزته حكومته منذ فترة. ففي مقابلة أجراها في الثاني من آب الجاري، مع التلفزيون الايراني، ركّز على أنّ انجازات الاتفاق كانت أكثر ممّا حلم به الايرانيّون في الماضي، وشدّد على أنّه اختار الطريق الثالث بين الاستسلام للعالم أو إلحاق الهزيمة به، ففضّل التفاوض والوصول الى حل عبر المنطق والتفاوض والديبلوماسيّة. وأكّد أيضاً أنّ تفتيش المنشآت النوويّة لن يمسّ قدرات بلاده الدفاعيّة، رافضاً فكرة التفريط بأسرار الدولة أو تعريضها للخطر.

كلامه جاء بعد أقلّ من اسبوعين على تصريح رئيس "#الحرس الثوري الايراني" محمّد علي جعفري الذي أعلن أنّ بعض بنود الاتفاق (المسوّدة في ذلك الوقت) خرقت بوضوح الخطوط الحمر لإيران. وكان جعفري يركّز على البنود التي تحدّ من النشاطات الصاروخيّة لايران لمدّة ثماني سنوات، مؤكّداً على أنّ الجمهوريّة الاسلاميّة سترفض هذا الاتفاق، لأنّه "تدخّل غير مقبول" في قدرات البلاد العسكريّة.

مجلة "الفورين بوليسي" قارنت بين ظهوره الاخير على الشاشة الايرانيّة وبين المؤتمر الصحافي الذي عقده في طهران، إذ أشارت الى أنّ روحاني بدا مرتبكاً على عكس مظهر الواثق من نفسه الذي أطلّ به مؤخّراً بعد حصوله على الاتفاق. هذا ولاحظت أنّ الاحتفالات التي خرج بها المتظاهرون الايرانيّون ليلة الاتفاق هتفت باسم ظريف لا باسم خامنئي أو روحاني.

خطابات خامنئي من جهة أخرى لا تخلو من التشدّد، وربّما لا يمكن لها أن تخلو منه، لأنّ المرشد الاعلى يجسّد الرمز الاهم للحفاظ على الثورة الاسلاميّة التي قامت في البلاد منذ ستّ وثلاثين سنة. وتقابلها دائماً هتافات من الحشود تطلق عنانها لشعار "الموت لأمريكا". إلّا أنّه من جهة أخرى، كان لافتاً رفضُه التعليق على الاتفاق، مشدّداً على وجوب دراسته من الجوانب كافّة. كان هذا الخطاب بعد أربعة أيّام فقط على التوقيع. وتؤكّد الصحيفة نفسها على أنّ خامنئي يصرّ على توجيه رسالتين في خطاباته كي تنجح واحدة في حال فشلت الثانية. من هنا أثنى في نفس الخطاب على جهود ديبلوماسيّيه، قائلاً إنّهم يستحقّون المكافأة على ما قدّموه. لكن إذا فشل الاتفاق فإنّه يكون قد حذّر إيران من عدم صدقية الغرب.

وفي ظلّ غموض موقف خامنئي، يراهن روحاني على معطيات عدّة قد ترجّح بروزه كأحد أبرز السياسيّين في المرحلة المقبلة إذا استطاع كسب موافقة خامنئي على الاتفاق. فهو يدرك جيّداً أنّ هناك شريحة شعبيّة واسعة أنهكتها العقوبات الاقتصاديّة وهي بحاجة الى هذا المتنفّس كي تعيد توازنها الى أعمالها ومشاريعها، وبالتالي لن يكون رهاناً خاطئاً ذلك التفكير الذي يستند الى قاعدة شعبيّة واسعة تقوّي موقفه أمام المرشد الاعلى.

روحاني، وفي حال توقيع الاتفاق، يكون قد ضمن بنسبة كبيرة اعادة انتخابه كرئيس للجمهوريّة الايرانيّة في حال اراد الترشّح مجدّداً الى المنصب نفسه. لأنّه حينها يكون أثبت لمعظم المؤسّسات الايرانيّة نجاحه في إدارة أكثر الملفّات مفصليّة في تاريخ إيران، كما يكون من جهة أخرى حصل على ثقة خامنئي.

شهر شباط المقبل سيكون مهمّاً في الحياة السياسيّة الايرانيّة لأنّه سيشهد انتخابات مجلسي الخبراء والشورى الايرانيين حيث سيتغربل المشهد إمّا عن توجّه إيراني جديد يمثّله تيّار الاعتدال، او عن تكريس لسيطرة المحافظين على المواقع المتقدّمة في البلاد، مع ما تعنيه خصوصاً انتخابات مجلس الخبراء الذي يعيّن المرشد الاعلى للجمهوريّة في ظلّ الحديث عن دقّة في الوضع الصحي لخامنئي. ويأمل روحاني في لعب دور كبير في هذا المشهد لجهة إيصال أكبر عدد ممكن من الاصلاحيين الى المجلسين معاً. أمر صعب جدّاً ويصبح شبه مستحيل إذا فشل في تسويق الاتفاق.

انطلاقاً من هذه النقاط، سيذهب روحاني بعيداً في محاولة إقناع خامنئي بأنّ إيران توصّلت الى افضل الممكن من هذا الاتفاق الذي سيدخل البلاد الى عصر سياسي واقتصادي مزدهر. لكنّ طريقه ستكون محفوفة بالمعوّقات وخصوصاً من "الحرس الثوري" الذي - في أفضل الاحوال - هو غير متحمّس للاتفاق - وفي أسوئها – هو رافض له لأنّه يقلّم أظافر إيران الصاروخيّة وهذا سمّ من الصعب أن يتجرّعه الحرس بتلك السهولة.
فمن من الطرفين يسبق الآخر في الوصول الى عقل خامنئي لإقناعه بمشروع "الحياة او الموت" الذي يقدّمه؟

 

Digital solutions by