Digital solutions by

حصل ما لم تكن تتوقعه ... فكيف ستنجو ميرا؟

12 آب 2015 | 10:52

المصدر: "النهار"

اثنا عشر عاماً مضت، لم تجرؤ ميرا خلالها على الكلام. دأبت على الصّمت. عاشت الذلّ إلى أن قرّرت التمرّد. اثنا عشر عاماً مرّت جحيماً. لكنها رغم ذلك تمسّكت بالحياة. إيمانها خلّصها، أمدّها بالأمل. في الحياة ما من ظالم أو مظلوم، هناك من يرضخون للذلّ وهناك من يرفضونه، هي حدّدت خيارها وانضمّت إلى الفئة الثانية.

"أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها"، هذا ما آمنت به ميرا، رفضت سلوك طريق أهلها، رفضت أن تكون مثلهم، رسمت مستقبلها وشقّت طريقها بنفسها، لكن الرياح تسير بما لا تشتهي السفن...

هكذا بدأت مسيرة العذاب

أبصرت ميرا النور منذ واحد وعشرين عاماً، عاشت طفولة فقيرة تتمنى أن تعود إليها، تتمنى لو توقف الزمن في سنّ التاسعة. في ذلك العام انقلبت حياتهم رأساً على عقب، رأس هرم العائلة الصغيرة انحرف وبدأت المعاناة. تروي ميرا لـ"النهار": "كنّا نعيش فقراً مدقعاً، تسللت المشكلات إلى عائلتنا، ولم أعد أذكر من طفولتي سوى شجارات والديّ وصراخهما الدائم، وفجأة بدأ والدي يتعاطى الحشيش، لم يكتفِ بذلك، اجتذبته البودرة البيضاء القاتلة أي الكوكايين، فبات أسيراً لها. مرّت سنة تلو الأخرى، كنت وشقيقتي نتأمل تغييراً بسيطاً، لكن الأمل بأن يتحقّق المستحيل كان أكبر من ذلك".

كبرت الفتاتان في هذا الجوّ، لم يتوقّف الوالد أمام أي رادع، دخل السجن بالجرم المشهود، فخرج بعد أيّام بوساطة أحد النافذين. أصبح صديقاً للتحريين، يزورونه في البيت ويجالسونه في سهراته، فعاد إلى عاداته السيئة، تتابع ميرا: "كان والدي ينتمي إلى إحدى الميليشيات النافذة في الحرب اللبنانيّة، وما زالت لديه علاقات معهم، يدخل إلى السجن ثمّ يخرج بعد أيّام، وينظّف سجله، لا يوجد ما يردعه. بدأ بسجائر الحشيش، وها هو اليوم يتعاطى الكوكايين، ويتاجر بها. يخبئ البضاعة في المنزل ويبيعها على الطرقات من دون خوف. فجأة تركنا منزلنا الصغير واشترى آخر كبيراً، فجأة تبدّلت أحواله، على رغم أنه لا يعمل. لقد حوّل المنزل إلى كباريه ومرتع للسهر، يجلب أصدقاءه إلى المنزل، فيتعاطون المخدرّات معاً ويسهرون ويشربون حتى ساعات الفجر الأولى. عندما كبرت بدأت أشمئز منه ومن تصرّفاته ومن أجواء منزلنا".

عنف ما بعده عنف
الأمّ لا تتدخّل، الفتاة الكبرى مشمئزة من الوضع، أمّا الصغرى فتعاني إعاقة لا تخوّلها الدفاع عن نفسها، فهو حينما لا يتعاطى المخدّرات، يضرب ابنتيه "عندما كبرت ودخلت إلى الجامعة، بدأت أميّز بين الصحّ والخطأ، صرت أقف في وجهه، علّه يرتدع، علّه يتغيّر، فنعيش أياماً براحة بال، ولكن آمالي وأحلامي لم تتحقّق. يضربنا ويعنّفنا. تعاني شقيقتي إعاقة وعلى الرغم من ذلك لا يعاملها برحمة، يضربها يومياً، وفي نهاية كلّ شهر يأخذ راتبها. الأمر سيّان بالنسبة إلي، يضربني كلّما وقفت في وجهه، أو عارضته وهدّدته باللجوء إلى القوى الأمنيّة. أما والدتي فتصمت وتقول لي "بدّك تقوّمي المقتاية، طول عمرو هيك الجوّ، هلأ صار بدك تغيري؟"، إنه والدك وعليك تقبّله كما هو. لا تكترث لنا ولم تدافع عنا يوماً، جلّ ما يهمّها هو أن تحصل على حصتها من المال الذي يجنيه من بيع الممنوعات، ووصلت بها الحال إلى إعطاء رقمي إلى أصدقائه الذين يدخلون المنزل، لقد باعا كرامتيهما وضميريهما ويريدان بيعي أيضاً".

جلّ ما تريده ميرا هو أن تعيش بكرامة ولو فقيرة، تريد أن تبني مستقبلاً نظيفاً، تريد أن تنسى الماضي وكلّ ما يخجلها، تريد أن تتعرّف إلى شاب لا يشمت بها أو ينفر منها. تقول: "لقد طردني والدي مرّات عدّة من البيت لأنني واجهته، نمت على الطرقات أيّاماً، ثمّ لجأت إلى منزل عمّي، لم يستطع أحدهم ردعه، فعدت كي لا يقتلني. لقد أنهيت دراستي الجامعيّة، وبدأت العمل، لم أعد أتحمّل صراخه وشتائمه، لم أعد أتقبّل رؤيته، وفي المقابل أخاف أن يؤذيني أنا وشقيقتي. لديه مسدس غير مرخّص، أخاف أن يكون مصيرنا كمصير الأولاد الذين يقتلهم آباؤهم، لا أريد أن أموت. لم أعد قادرة على الصمت. أريد مستقبلاً مختلفاً، أخجل منهما، أخجل من رفاقي لو علموا من هم أهلي، لا أدعو أحداً إلى منزلنا، أخفي الحقيقة عن الجميع، جلّ ما أريده هو المساعدة لإلقاء القبض عليه، وزجّه في السجن، وعدم التعرّض لي أو لأختي. مستعدة للعيش في منزل صغير، لكنني لا أريد العيش في جوّ وسخ، وأن أكل من مال حرام".

تبعات نفسيّة واجتماعيّة
وفي الحديث عن التبعات النفسيّة التي قد تعانيها الفتيات اللواتي يُستغلّلن ويتعرضن للظلم والعنف ممن يفترض أن يقدّموا لهن الأمان، وعن مدى قدرتهن على ترميم ما انكسر في أنفسهن، تقول الاختصاصيّة النفسيّة، رامية شهلا، لـ"النهار": "لا شكّ في أن التبعات النفسيّة تختلف بين شخص وآخر، فمن الممكن أن تسير الفتاة بالطريق الذي يمشيه الأهل، ومن الممكن أن تتمرّد على واقعها، فلكلّ إنسان تركيبة نفسيّة تختلف عن الآخر. ولكن الأكيد أن هناك تبعات نفسيّة تتمثّل بفقدان الفتاة الثقة بمن حولها، والنقمة على المجتمع، والمعاناة من برود عاطفي، وتحمل في نفسها حقداً نحو الرجل بسبب نقص الحنان الأبوي، فتميل إلى الانتقام منه بأشكال مختلفة. وهو ما يستلزم متابعة خاصّة لتتمكّن من إكمال حياتها، علماً أن الفتاة قد تتأقلم وتكمل حياتها ولكن من الصعب محو كلّ الآثار من نفسها".

الجرائم المرتكبة والثابتة
من تعنيف بناته إلى تعاطي المخدّرات والتجارة بها، وصولاً إلى الحض على الدعارة، وامتلاك سلاح غير مرخّص، جرائم ارتكبها الوالد وتفلّت من العقاب بحكم المحسوبيّات وغياب المراقبة والمحاسبة. وفق القانون 293 لحماية المرأة وكافة أفراد الأسرة من العنف الأسري، يمكن التقدّم بطلب حماية، فيُتّخذ قرار بإبعاد المعنّف عن الضحيّة ومنعه من التعرّض لها، سواء بإخراجه من المنزل أو إلزامه بتأمين مسكن موقت ونفقات شهريّة ونفقات العلاج الطبي المتأتي من العنف الذي تعرّضت له.

فيما ينصّ قانون العقوبات في المادتين 630 و631، والقانون رقم 673/98، بحيث يعتبر مخالفاً كلّ من يزرع المخدرات وينتجها ويستخرجها ويحضرها ويحوّلها ويشتريها ويحرزها ويتسلمها ويقتنيها ويملكها ويستخدمها ويصرفها ويعرضها وينقلها ويسلّمها ويطرحها للبيع ويبيعها ويوزّعها ويتبادلها ويتنازل عنها مجاناً أو مقابل بدل، ويسمسر بشأن إرسالها وشحنها واستيرادها وتصديرها والاتجار بها، وتصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبّدة والغرامة من خمسة وعشرين مليون ليرة لبنانية إلى مئة مليون ليرة. كما يعتبر مخالفاً كلّ من يتعاطى المخدرّات وأدمن عليها وتصل عقوبته من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات مع غرامة تراوح بين مليونين وخمسة ملايين ليرة لبنانيّة.

كذلك الحضّ على الدعارة يعتبر من الجرائم التي يعاقب عليها قانون العقوبات من المادة 523 حتى 530، بالسجن من شهر إلى سنة وبغرامة من 50 ألفاً إلى 500 ألف ليرة لبنانيّة. وتشدّد العقوبة إذا كان المجرمون الذين سهّلوا ارتكاب جريمة الدعارة من الأصول الشرعيين أو غير الشرعيين أو أحد الأصهار، أو كل شخص يمارس على المرأة سلطة شرعية أو فعلية أو أحد خدم أولئك الأشخاص، وفق المادة 529 معطوفة على المادة 506 من قانون العقوبات.

Twitter: @VIVIANEAKIKI

Viviane.Akiki@annahar.com.lb

 

Digital solutions by