Digital solutions by

قلبت حياتنا رأساً على عقب: وانت كيف تتعامل معها ؟

4 آب 2015 | 13:20

المصدر: "النهار"

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فلا يمرُّ حدث أو خبر إلاَّ ويُحوّل إلى حملة، بدءاً بحملة لانتخاب #رئيس_للجمهورية، مروراً بحملة #لا_للتمديد، وIce Bucket Challenge وصولاً إلى أزمة النفايات. فتضجُّ هذه المواقع بالتعليقات اللاذعة أو المؤيِّدة أو المستهزئة بالواقع. وعلى الرغم من أنَّ مواقع التواصل الاجتماعي المعروفة بالـ (social media) ساهمت في جعل الحياة أسهل بكثير، إلا أنها أفرزت كمّاً من العادات السيئة وغير المحببة، وقدَّمت لأنصاف المواهب وأنصاف المثقفين ساحات للنقد والسباب وسرقة الأفكار.

"هاشتاغ" يؤرِّخ الأحداث

#سيلفي_بالكمامه_والقمامه_خلفي تصدَّرت تغريدات "تويتر" محلياً تزامناً مع إطالة أمد أزمة النفايات في انتظار حلٍّ جذري لا موقت. إقليمياً، حجبت السلطات التركية، موقع "تويتر" وفرضت قيوداً للدخول إلى موقع "فايسبوك" في محاولة لوقف تداول صور التفجير الانتحاري، الذي وقع جنوب شرقي البلاد وأسفر عن مقتل 32 شخصاً. عربياً، وجد تنظيم "داعش" في موقعي "تويتر" و"فايسبوك" ملاذاً ومنصة إخبارية لنشر فيديواته المتعلقة بالمعارك التي يخوضها داخل سوريا والعراق، وقتلِ أسرى الحرب لديه بأساليب هوليوودية. بدورها، تصدَّرت أخبار عملية #عاصفة_الحزم تغريدات "تويتر" في العالم العربي، فانهالت ملايين التغريدات بين الاستنكار والتأييد. هذه التغريدات رافقت تطورات الأحداث الأمنية والسياسية والمعيشية في لبنان والعالم العربي ولا ننسى تغريدة jesuischarlie # التي انطلقت من فرنسا إلى العالم بعد الاعتداء الذي تعرضت له المجلة الأسبوعية الفرنسية الساخرة "شارلي إيبدو"، وأسفر عن مقتل 12 شخصاً بينهم مجموعة من العاملين بها. من هنا، أثبتت مواقع التواصل الاجتماعي أنها منصة لنقل الحدث وتداعياته وكيفية تفاعل الناس وإياه. ولكنْ التجاوب مع الأحداث والأخبار لا يكون دوماً إيجابياً على الرغم من وجود ناشطين حقيقيين عبر هذه المواقع، بل يستغلها البعض لتشويه صورة الأحداث أو استغلال إمكانية حرية التعبير للشتم والقدح والذم. وهذا ما دفع "تويتر" إلى الاقتصاص من التغريدات التي تحرِّض على العنصرية والعنف، وتلك التي تتجاوز حرية التعبير لبث خطاب حاقد أو رسائل تحوي تهديدات.

قُل لي ماذا تنشر أقول لك من أنت!

يشير فيليب أبو زيد، مدرب على كيفية استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، في حديث لـ"النهار" إلى أنَّ "حرية التعبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي حرية شخصية، كما أنَّ تفاعل الآخرين مع ما يتم تداوله كذلك، إذ إنَّ مواقع التواصل الاجتماعي باتت شبيهة بالحياة العادية، ومستخدموها يعكسون ثقافتهم وكيفية مقاربتهم المواضيع من خلالها. ولكن ليس كل ما يتم التداول به هو "معيار"، وليس من الضروري للصحافة والمؤسسات الاعلامية التقليدية مجاراة مواقع التواصل أو التقيد بما يُنشر عبرها. ولا يجب أن ندعَ بعض الأخبار أو التعليقات السيئة أن تشوه صورة الوطن ككل، خصوصاً أنَّ هذه المواقع مرآة للمواطن والمجتمع. لذا، يجب أن تتنبَّه وسائل الإعلام من صحف ومجلات ومحطات تلفزة إلى الصور والأخبار التي تبثها".

أما في ما يتعلق بالأشخاص الناشطين سلباً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يؤكد أبو زيد أنَّ "هؤلاء يعتقدون أنَّ وجودهم خلف الشاشة يحميهم، ويظنون أن بإمكانهم التعبير بشتى الطرق عن آرائهم حتى لو تضمنت شتماً أو ذماً بآخرين، ويتصرفون بطريقة مغايرة لحياتهم اليومية، معتقدين أنَّ هذه المواقع تعطيهم حصانة، فلا يخافون على سمعتهم ولا يهمهم ما يخسرونه. ولكنَّ هذه التصرفات تؤثر في صورتهم أمام أكثرية متابعيهم. كما أنَّ نشر صورة أو خبر ومدى صدقيته، ترجع إلى شخص الناشر، أي إذا قام صحافي بنشر خبر أو صورة فإنَّ صدقيتها تكون أكثر من تلك التي ينشرها أشخاص عاديون، ولكن يظنُّ هؤلاء أنَّ في وسعهم نشر كل ما يرغبون فيه، وهذه فكرة خاطئة، معتبرين أن ذلك لا يؤثر في حياتهم العادية، ولا يعلمون أنَّ الشركات العالمية قبل توظيف أي شخص تراقب مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة به من "فايسبوك" و"تويتر" وغيرهما وتبحث عما يقوم بكتابته أو نشره، إذ إنَّ ما يُنشر بات يشكِّل هوية وصورة عن الناشر. والمثل الشعبي يقول "قل لي من تعاشر أقول لك من أنت"، أما الآن فبات الواقع مختصراً بـ"قل لي ماذا تنشر أو تكتب عبر مواقع التواصل الاجتماعي أقول لك من أنت!".

وعن الإبداع والابتكار وتقليل هذه المواقع من قدرات الناس التفكيرية، يجيب أبو زيد "إنَّ مواقع التواصل الاجتماعي ترتكز على ابتكار مضمون جديد، من دونه لا يمكن كثيرين الاستمرار، ومن هنا تكثر متابعة بعض الناشطين دون غيرهم، لأنَّهم قادرون على الإبداع والتجديد مع تقديم مضمون ثقافي وفكري ونقدي جيد".

ننقل صورة معاكسة ومغايرة للواقع

من جهتها، تشير الاختصاصية بعلم النفس الحركي فاتن سبيتي في حديث لـ"النهار" إلى أنَّ "الناس تعتبر مواقع التواصل الاجتماعي جزءاً من حياتهم اليومية، يتأثرون من خلالها بتصرفات بعضهم البعض، ولا يرونَ بعض الأمور الخاطئة في تصرفات أو أفكار البعض الآخر لأنَّ الغالبية باتت تقوم بالتصرفات نفسها. فالسلوك يتغير مثل أي مجتمع آخر، والناس تحاول أن تتماهى ببعضها البعض. تالياً، يصبح كل تصرف مرتبطاً بتصرّف الجماعة لا الفرد. كما أنَّ هناك أموراً كثيرة نتقبلها عبر مواقع التواصل، ونرفض تقبلها في الوقت نفسه إن حدثت معنا في حياتنا اليومية ما جعل هذه المواقع تنقل صورة معاكسة ومغايرة للواقع. وكما هو معروف تاريخياً، يُبنى المجتمع من مجموعة أفراد أو قائد يقوم الآخرون بتقليده، وهذه المسألة شبيهة بما يحدث عبر مواقع التواصل الاجتماعي لناحية نشر البعض لأخبار أو صور أو انتقادات يسعى آخرون لإعادة نشرها واستخدامها معتبرين أنَّهم من خلال التقليد سيصبحون فرداً من هذه المجموعة، ما يحدُّ من الابتكار والإبداع لدى كثيرين، فيما يحاول آخرون التنافس في ما بينهم وابتكار أفكار أسرع من غيرهم بهدف الحصول على عدد أكبر من المتابعين".

أما في ما يتعلق بالتصرفات الحياتية اليومية، فتقول سبيتي: "من خلال مواقع التواصل الاجتماعي بدأت صورة نمطية (stereotype) بالتكوُّن لدى الناس وانعكست في تصرفاتهم، ما دفع كثيرين للتماثل والتماهي مع غيرهم ليشعروا بالراحة، وليتفادوا الشعور بالوحدة، وليطمئنوا إلى أنَّهم منتمون إلى جماعة تخولهم الاندماج داخل المجتمع. لأنَّ التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي يؤثر في كيفية رؤية المستخدم لنفسه وليس فقط لمجتمعه، حيث تضع هذه المواقع مستخدميها تحت المجهر، وتجعلهم في محاولة دائمة للظهور بصورة مثالية، محاولين تقديم أنفسهم للعالم الافتراضي بصورة مغايرة للواقع عبر نشر صورهم وأخبارهم وما يحدث في حياتهم من أحداث هامة منتظرين الحكم عليها من أصدقائهم، ما يؤدي إلى ازدياد القلق لديهم والعيش في حال ترقب دائم منتظرين حُكم الآخر على ما هو منشور في صفحتهم الشخصية".

مشكورةٌ فكرة وسائل التواصل الاجتماعي لاحتوائها مجموعة من الجوانب الإيجابية، إذ تمكنت من فتح آفاق للتعامل والتواصل بين الناس، وسمحت بالتعرف إلى ثقافات متنوعة، وأتاحت البحث والتعلم في شتى المواضيع، والتفاعل مع الأحداث والتعرف إلى آخر المستجدات لحظة حدوثها، ولكنها قدَّمت الواقع بوجه مغاير!

 

salwa.abouchacra@annahar.com.lb
Twitter: @Salwabouchacra

Digital solutions by