Digital solutions by

دونالد ترامب أمير الديماغوجية الأميركية

26 تموز 2015 | 15:45

المصدر: "النهار"

(أ ف ب).

في سنة 2004، نشر الكاتب والمؤرخ توماس فرانك كتابا بعنوان "ما هي مشكلة كنساس؟ كيف كسب المحافظون قلب #أميركا؟" حيث عرض وانتقد الاسباب التي تدفع بالكثير من المواطنين العاديين للتصويت ضد مصالحهم الاقتصادية والسياسية. طبعا ظاهرة "خيانة" بعض الافراد لطبقتهم الاجتماعية ظاهرة معروفة وموثقة وخصوصاً في اوساط المثقفين والناشطين اليساريين والماركسيين في القرن العشرين، الذين قادوا حركات سياسية لاسقاط الطبقات التي خلقوا وترعرعوا فيها.

كتاب فرانك، لا يتحدث عن تغير افراد، بل عن سبل تغييب جماعات عن مصالحها دون وعيها، حيث يصف بأسلوب شيق وظريف التحولات التي طرأت على ولايته كنساس وكيف تغيرت منذ القرن التاسع عشر حيث كانت معروفة بميولها #اليسارية، الى معقل للمحافظين المتشددين.

ويتطرق فرانك الى كيفية قيام الجمهوريين بصياغة وطرح القضايا الاقتصادية والاجتماعة بطرق مضللة، وكيف يشوهون المفاهيم والقيم التي هي في صلب السجال السياسي، وينقلونها من الحيز الاقتصادي والمادي والاحتياجات الحقيقية للناخب الاميركي ، أي مصالحه الاقتصادية والمعيشية، من وظائف وتعليم وضمانات صحية، وحريات سياسية ومدنية، الى قضايا "ثقافية" واجتماعية يجب ان تبقى وفقا للدستور الاميركي في صلب الحقوق الفردية للمواطن الاميركي. المحافظون يطرحون انفسهم مدافعين عن حقوق المواطن العادي، ضد طروحات ورؤى "النخبة الليبرالية" في الحزب الديموقراطي التي فرضت قيمها على الاميركيين . في هذا العالم السريالي المقلوب رأساً على عقب، تصير قضايا مثل الاجهاض، واقتناء الاسلحة النارية، ورفض زواج المثليين، والهجرة، والصلوات في المدارس العامة، محور ما يسمى احيانا "بالحرب الثقافية" التي تستحوذ على مخيلة ومخاوف الناخبين، بمن فيهم تلك الشريحة الكبيرة من متوسطي الدخل والتعليم المحدود، عوض القضايا الاقتصادية والسياسية الحقيقية. في السباق الانتخابي الراهن، نجد بعض هذه المسائل في قلب السجال الانتخابي وخصوصاً في اوساط مرشحي الحزب الجمهوري، وفي طليعتها الهجرة، وخصوصاً الهجرة غير الشرعية من المكسيك وغيرها من دول اميركا اللاتينية، الى زواج المثليين وعنف الارهاب "الاسلامي". ( وعلى سبيل المثال من الصعب جدا اقناع الاميركيين العاديين ان ضحايا ارهاب الجماعات اليمينية والعنصرية الاميركية يفوق بكثير ضحايا العنف والارهاب الذي يقوم به افراد اميركيون مسلمون يستلهمون عنفهم من #القاعدة او #داعش).

تسونامي اسمه ترامب

كل انتخابات رئاسة تجلب معها مجموعة من المرشحين الطموحين، والديماغوجيين والنرجسيين، من غرباء الاطوار والظرفاء، والساعين للاضواء الاعلامية وكذلك الاثرياء الذي يتصرفون وكأنهم يستحقون المنصب الرئاسي بسبب ثرواتهم، والذين يترشحون مع اعضاء في #الكونغرس وحكام ولايات حاليين وسابقين، وشخصيات اخرى من خارج السياق السياسي التقليدي لهم سجلهم السياسي المعروف. وهذه الظاهرة ليست حكرا على الحزب الجمهوري، وان كان في الدورات الاخيرة قد جذب عددا أكبر من هؤلاء المرشحين الغرباء الذين رأى فيهم البعض انهم ظرفاء ومرفهون، واخرون انقياء غير ملوثين بالوحل السياسي التقليدي. وللحزب الديموقراطي حصته من هؤلاء ومن بينهم القس آل شاربتون الذي له يحفل سجله ببعض المواقف الديماغوجية والتلويح بالورقة العنصرية. قبل اربع سنوات، طغت على السباق الرئاسي الجمهوري النائبة ميشيل باكمان المعروفة بتهورها وديماغوجيتها وتطرفها، ورجل الاعمال هيرمان كاين، والذي كانت حملته مزيجا من النرجسية والتهريج. وعلى مدى اسابيع كان هذان المرشحان الاكثر شعبية في استطلاعات الرأي قبل ان يقوما، باخطائهما، وكبواتهما بتنفيس بالونات ترشيحهما.

ومع ان السباق الراهن للجمهوريين يشمل حكام ولايات معروفين مثل سكوت واكر وريك بيري، وحكام سابقين مثل جيب بوش، واعضاء في مجلس الشيوخ مثل ليندزي غراهام وماركو روبيو وغيرهم، الا ان رجل الاعمال والمقاول الثري دونالد ترامب منذ لحظة دخوله للحلبة، واعلانه عن ترشحه في 16 حزيران الماضي نجح في زعزعة السباق والهيمنة عليه بشكل طاغ على حساب الاخرين، بسبب لسانه اللاذع، وشراسته وفظاظته وديماغوجيته وعنصريته، وطبعا بسبب ثرائه ونرجسيته ونجوميته . ومثله مثل المصارعين القدامى في الكولوزيوم Coliseum الروماني لا يرحم خصومه ولا يؤمن بأسرهم بل بالقضاء عليهم. هناك شبه اجماع بين المحللين السياسيين من ان ترامب لن يحصل على ترشيح حزبه، ولكن بسبب نجوميته وثرائه، وهاجس الكثيرين في وسائل الاعلام، وخصوصا شبكات التلفزيون به، فانه قادر على البقاء في السباق حتى ولو انحسرت شعبيته، او حتى البقاء في السباق كمرشح مستقل (مثل روس بيرو في انتخابات )1992 حيث سيترك وراءه طريقا طويلا من الدمار والركام يمكن ان يؤدي الى اسقاط المرشح الجمهوري، كما فعل بيرو الذي ساهم في اسقاط جورج بوش الاب في المواجهة مع المرشح الديموقراطي بيل كلينتون في 1992. ولهذا السبب يقول بول بيغالا، وهو من الاستراتيجيين الديموقراطيين المؤيدين لحملة هيلاري كلينتون ان "ترامب هو هبة الله للحزب الديموقراطي".

البرابرة الجدد

وخلال اعلانه عن ترشحه تحدث ترامب بغطرسته المعهودة قائلا انه سيكون أهم رئيس في تاريخ البلاد، وانه سيهزم "داعش"، وسيحرم ايران من برنامجها النووي، وسوف يتصدى للممارسات التجارية للصين، وسوف يواجه خصوم اميركا بذكاء يتناقض مع "غباء" القادة الحاليين لاميركا، لكنه لم يكبد نفسه عناء شرح اسلوبه في تحقيق هذه الاهداف. الا ان ما خرج من فم ترامب في ذلك اليوم ضد المهاجرين المكسيكيين الذين يعبرون الحدود الجنوبية للبلاد من دون ترخيص، كان من ابشع ما نطق به مرشح عن حزب رئيسي او سياسي اميركي منتخب لجهة عنصريته واهاناته ليس فقط لسكان دولة جارة وصديقة للولايات المتحدة، بل لملايين الاميركيين من اصل لاتيني. الفم غير المكبوح نطق بالاتي: "يبعثون إلينا بمهاجرين يحملون معهم مشاكل كبيرة، هم يجلبون المخدرات، ويجلبون الجرائم، ويمارسون الاغتصاب.."، وتعهد ترامب ببناء جدار كبير على طول الحدود لابقاء ما يمكن وصفه ب"البرابرة الجدد" وراء الجدران السميكة للوطن الاميركي. بهذا الكلام العنصري، كان ترامب يرمي اللحم الاحمر لتلك الشريحة البيضاء المتشددة والفقيرة والتي تخشى الاجانب وخصوصاً اللاتينيين في القاعدة الجمهورية. لقد وجد ترامب الانتهازي في نظام الهجرة الذي يحتاح الى اصلاح، وفي المهاجرين المكسيكيين البعبع الذي سيستغله لتحقيق اهدافه السياسية، او على الاقل للبقاء في دائرة الضوء الاعلامي، وهذا ما حققه بنجاح باهر، لاسباب عدة، بعضها يعود لحال الاغتراب التي يعيشها الكثير من المواطنين مع النخبة السياسية من الحزبين التي تهيمن على واشنطن، وبسبب الاستقطابات العميقة بين الجمهوريين والديموقراطيين التي منعت وخصوصاً خلال ولايتي الرئيس باراك اوباما الطبقة السياسية من التوصل الى التسويات المطلوبة في نظام ديموقراطي معقد مثل النظام الاميركي. لكن ما قاله ترامب لم يكن بالضرورة أسوأ ما شهده السباق الجمهوري، الاسوأ كان اخفاق أي من منافسيه في انتقاد عنصريته بقوة او بشكل مباشر ومطالبته بالاعتذار، وان كانت هناك مواقف خجولة وحذرة صدرت عن بعضهم ومن بينهم #جيب_بوش المتزوج من أمرأة مكسيكية.

وعندما هاجم ترامب وبصفاقة نافرة السناتور الجمهوري جون ماكين، ونزع عنه صفة البطولة، بسبب أسره وجرحه ابان حرب فيتنام وتعرضه للتعذيب لخمس سنوات، مدعيا ان ماكين ليس بطلا، لانه وقع في الاسر، تحلق حوله خصومه، لان المس ببطولة ماكين ممنوع، والدفاع عنه سهلا وليس مثيرا للجدل كما هو الدفاع عن المهاجرين المكسيكيين. ( اللافت هو ان بعض الذين انتقدوا هجوم ترامب على ماكين، كانوا من بين اللذين هاجموا بطلا ديموقراطيا حمل على جسده جروحه التي مني بها خلال حرب فيتنام، وهو السناتور السابق جون كيري، حين ترشح في 2004 ضد جورج بوش الابن، حين تعرض سجله في فيتنام للتهميش والالغاء من الجمهوريين) ولكن حتى مهاجمة ماكين، لم تنجح في تخفيض شعبية #ترامب، على رغم توقع بعض المراقبين، من ان تكون هذه الكبوة بداية النهاية للفم الذي لا يعرف التوقف عن بث الاهانات والذي لا يدرك ان للصمت احيانا مزايا ايجابية. وحده الحاكم ريك بيري شنّ حملة قوية لا هوادة فيها ضد ترامب وطالبه بالانسحاب من السباق وواصفا اياه بانه "سرطان على الفكر المحافظ، يجب تشخيصه واستئصاله والتخلص منه" ورأى ان "الترامبية، Trumpism هي مزيج من الديماغوجية والحقد والهراء والتي ستقود الحزب الجمهوري الى الخراب اذا لم يتم التخلص منها".

صحيح ان ترامب كان يجرف من خزان عميق من الاستياء الشعبي من الشلل السياسي في واشنطن، ورغبة الاميركيين بقدوم رئيس قوي قادر على اصلاح المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد، وتعيد للاميركيين قناعتهم القديمة بان ما يسمى "الحلم الاميركي" ( ان يسيطر الانسان على حياته ووظيفته، ويملك منزله ويعلم اولاده وان يفعل ذلك بحرية) لا يزال متوافرا لهم. ولكن الحقيقة ايضا هي ان ترامب كان يجرف ايضا من خزان عميق من الجهل ومن الغباء.

الابن الشرعي للحزب الجمهوري

ترامب هو "الابن الرهيب" L'enfant terrible لـ #الحزب_الجمهوري. في الدورة الانتخابية الماضية، معظم المرشحين طلبوا منه التبرعات المالية. آنذاك رحب مرشح الحزب مت رومني بمباركة ترامب لترشيحه، على رغم مواقف ترامب العنصرية من الرئيس #اوباما حين كان في طليعة من شككوا بمواطنية اوباما وادعوا انه من مواليد #كينيا، مسقط رأس والده، وليس من مواليد #هاواي، ولاية والدته.

اسلوب ترامب التشهيري والاستفزازي هو الاسلوب الماكارثي القديم. ترامب هو نتاج ثقافة سياسية تمتد لعقود تتمحور حول ميل المتشددين في الحزب الجمهوري "لشيطنة" خصومهم، ولاعتبار الحكومة الفيديرالية عدوا لهم. وهذا الموقف كان وليد طروحات الرئيس الراحل رونالد ريغان الذي كان يدعي دوما ان واشنطن (الحكومة #الفيديرالية) هي المشكلة، وليست الحل. هذا الشعور المشكك بالسلطة المركزية، تحول مع مرور الوقت الى عداء للسلطات الفيديرالية، وهذا ما يفسر طروحات المرشحين الجمهوريين بانه ضد تسلط الحكومة الفيديرالية على حياة المواطن، ورفضهم لاغراءات #واشنطن السياسية، التي لا تخفي توقهم الكبير للعيش في قلب المدينة التي يهاجمونها بشدة دون ان يدركوا المفارقة في مواقفهم. في العقود والسنوات الاخيرة، بات عداء الجمهوريين للحكومة ولدفع الضرائب، من ابرز اعمدة الدين السياسي الجديد للجمهوريين والمحافظين المتشددين ومن أخر تدجلياتهم ما يسمى ب"حزب الشاي".

جنوح الحزب الجمهوري للمواقف الغريبة والعدائية للعلم وحتى للعقل، باتت مصدر احراج للمحافظين المعتدلين. فهناك شريحة كبيرة من الجمهوريين ترفض نظرية التغير البيئي، ونظرية النشوء ( نظرية داروين) بحيث صار الحزب يعرف احيانا بانه الحزب المعادي للعلم. وليس لغرابة بعض الجمهوريين حدود. فالبرنامج الانتخابي للحزب في 2012 حفل ببعض البنود المثيرة للاستغرب والسخرية، عكست ما جاء في كتاب توماس فرانك من بينها بند ضد الاجهاض، وبند ضد الهجرة، وبند ضد وهم كبير ولا اساس له، أي امكانية فرض #الشريعة_الاسلامية في بعض المناطق، وبند يطالب بتطبيق أقوى للقوانين ضد مشاهدة الراشدين لافلام #الدعارة. وليس من المبالغة القول ان هاجس تلك الشريحة المتشددة والمحافظة في الحزب الجمهوري بالقضايا المتعلقة بالجنس، مشابه الى حد كبير، لهاجس بعض الفئات الاسلامية و #السلفية بالجنس في طروحاتها وادبياتها. قد لا يؤمن ترامب ببعض هذه المواقف الغريبة، ولكن مواقفه المناوئة للمهاجرين، وميله لشيطنة من يختلف عنهم وعنصريته السافرة تبين بشكل واضح انه ابن هذه الثقافة المتعجرفة التي تستثني الاخر، والتي تهيمن على الحزب الجمهوري منذ عقود.

 

Digital solutions by