Digital solutions by

تزوّج من امرأة لإرضاء المجتمع... لكنه يحب رجلاً

17 نوار 2015 | 23:29

المصدر: "النهار"

اليوم العالمي لمحاربة رهاب المثلية الجنسية والتحوّل الجنسي قد لا يعني شيئاً للكثير من الأشخاص. لكن، بالنسبة لعدد من أعضاء جمعيّة Proud Lebanon، التي تساعد المثليين اللبنانيين وغير اللبنانيين المقيمين في لبنان منذ سنة 2014، فهذا اليوم يكاد يختصر رحلة معاناتهم مع مجتمع يرفضهم، رغم أنهم لا يطلبون سوى حقّهم بالإختلاف. وهذا ما أظهروه في احتفال IDAHOT 2015 الذي أقيم في فندق مونرو، ودعت إليه الجمعية من خلال فيديو مصوّر، تحت شعار "لو اختلفنا ما لازم نختلف"، مع مجموعة من الوجوه اللبنانيّة المعروفة. طغت على الحدث القصص "الإنسانية" التي رواها من لا زال المجتمع يسمّيهم "شاذّين"، بينما هم "مثليّو" الجنس.

المثلية في لبنان أفضل من سوريا

في معرض الصوَر الفوتوغرافية للمصوّر العالمي روبن هاموند، والتي تظهر بشاعة طرق التعذيب التي يتعرّض لها المثليّون، فقط بسبب ميولهم الجنسيّة، التقينا الفتاة السورية أميرة الطبّاع، التي روَت لنا تجربتها مع "المثلية"، والتي لا زالت "أفضل بكثير" في لبنان منها في سوريا. تعتبر خرّيجة اللغات من جامعة دمشق أنّ ميولها الجنسيّة ليست ما يجب أن يعرّف عنها، خصوصاً أنّ تجاربها المهنيّة ناجحة جداً، لكنّها تعرّضت في الوقت عينه لمضايقات في العمل بسبب "حياتها الشخصية" التي لا دخل للمجتمع بها، حسب قولها. تعود أميرة بالذاكرة إلى الوراء، لتتذكّر عدم تقبّل أهلها لواقع مثليّتها.

"الضغط المعنوي كان صعباً"، تقول بتأثّر، مضيفةً: "اعتبروا أنّ المثلية مرض... وانتظروا أن أشفى منه". لكنّها استسلمت لطريقة تفكيرهم لفترة معيّنة، بسبب "الحاجة المادية" لهم، وعادت لتواجههم بمثليّتها حين حصلت على عمل في بلد خليجي، ثم في لبنان. وتضيف العشرينية التي وجدت في فتاة إسبانية الحبّ والعاطفة: "تحسّن الوضع وتقبّل أخي الموضوع، لكن أمي وأبي لا زالا رافضين للواقع". أما عن علاقتها بصديقتها، فتقول: "سافرَت إلى إسبانيا، وخفّت مشاعرها تجاهي، لكنّني لا زلت أتأمّل أن نرجع لبعضنا البعض". ولكنها ترى أنّ وضع الفتاة المثلية في سوريا ما زال أفضل من وضع الشاب المثلي، الذي "يحاولون ممارسة أبشع طرق التعذيب معه"، والسبب، بحسب قولها، هو المجتمع الشرقي الذكوري.

صارحت خطيبتي بمثليّتي... كي لا أجرحها

هذا المجتمع الذكوري عينه أجبر ابرهيم على الإرتباط بفتاة لا يحبّها... لكنه يحترمها كثيراً. يروي الشاب العشريني لـ"النهار" عن بداية اكتشافه لميوله الجنسية المثلية، وينظر إلى خاتم خطوبته، حيث اسم خطيبته محفور بداخله... "اكتشفت أنني أحبّ الرجال بعد سنّ الـ14... لكنّي لم أقم أي علاقة جنسية مع شاب في سوريا". الوضع اختلف حين جاء الشاب الخفيف الظلّ إلى لبنان، حيث سكن في طرابلس، وأقام علاقات عاطفية وجنسية مع رجال، لكنه لا يحبّ أن يتكلّم عن تفاصيل العلاقات.

يروي الشاب المتأثّر بمجتمعه، والذي فُرض عليه أن يبقى داخل المنزل في سوريا كي لا يعرف أحد عن "مثليته" الجنسية، عن مصارحته "خطيبته بالعلن" و"صديقته بالسرّ" عن حبّه للرجال، كي لا يجرحها حين ينفصلان. فتقبّلت الأمر، لكنها لم تخبر أحداً بالموضوع، وأصبحا أعزّ الأصدقاء. لا يخبر ابرهيم أصدقاءه بالموضوع، لأنهم "لن يتقبّلوا الأمر، خصوصاً أنهم ينظرون إلى "مثليي" الجنس بسخرية.

أوفّق بين زوجتي وحبيبي
أمير (40 سنة) يحبّ الرجال والنساء، لكنه يرتاح أكثر مع الرجال. اكتشف ميوله الجنسية تجاه أشخاص من جنسه حين كان عمره 16 سنة، لكنه أُجبر على الزواج من امرأة، كي "يرضي المجتمع". يمتزج الحزن والفرح في قصّة أمير، خصوصاً عندما يروي كيف يضحي بمشاعره كي "لا يحرم أولاده وزوجته من أي عاطفة أو حياة كريمة". يقول الرجل الذي يحتل مركزاً اجتماعياً مرموقاً: "علاقتي بزوجتي ممتازة، ولدينا 3 أولاد... لكنني لا أحبّها...".

ورداً على سؤال إن استمرّت علاقاته الجنسية مع الرجال بعد زواجه، يقول: "ظننت أنّ ميولي الجنسية ستتبدّل عندما أتزوّج، لكن بعد سنة من زواجي، أحببت رجلاً، واستمرّت علاقتنا لفترة طويلة، لكن، للأسف، انفصلنا مؤخراً". أما سبب إنفصال الثنائي المثلي، فيعود إلى رغبة صديقه بتكوين عائلة، لكن عدم ارتياحه بالحياة مع امرأة... جعله يعنّفها ويتهمها بالزنا. حينها، طلبت زوجة صديقه أن يشهد أمير على عفّتها، فرفض.

لا يفكّر الرجل الأربعيني بمصارحة زوجته بميوله الجنسية، ويعترف أن الظروف عادت لتجمع بينه وبين حبيبه. لكن، هل من مشكلة لو وجد أنّ أحد أولاده مثليّي الجنس؟... يقول: "طبعاً لا مانع لديّ بمثليّة أي من أولادي لو اكتشفتها".

لم ينفصلا رغم إصابته بـ"السيدا"
تعاطف الجمهور ازداد عند عرض الأفلام التي أظهرت تجارب عدّة لمثليّي الجنس ولمتحوّلين جنسياً، في دول عدّة، منها ثنائي مثلي تزوّج بعد عناء طويل في نيويورك، حيث سمح الـDOMA(Defense of Marriage Act) بزواج شخصين من الجنس عينه. وبلغ التعاطف حدّه عند عرض فيلم زهير كريديّة بعنوان Will You Marry Me، والذي أظهر من خلاله تجربته الشخصية في العيش مع صديقه المثلي الجنس، وكيف تقبلّ أهله وصديقه لاحقاً موضوع إصابته بفيروس نقص المناعة "السيدا". أكثر ما أثّر بالجميع كان وقوف صديقه إلى جانبه حين علم بمرضه. كما تطرّق الفيلم إلى عدم تقبّل الدول العربية للمثلية الجنسية، والتي عانى معها زهير، حيث رُحّل من بلد خليجي بعد 3 أيام من صدور نتائج فحوص الإقامة، التي أظهرت إصابته بالسيدا.

مثليون يروون معاناتهم
طارق عاش الموت تحت قبضة متطرفين في سوريا، حين وضعوا السيف على رقبته "لكي يخلّص المجتمع من أمثاله"... يروي الشاب من وراء ستار معاناته مع من اعتبروه "خارجاً عن الدين"، فعذّبوه بأبشع الطرق كإطفاء السجائر في جسمه، وأمور أخرى لم يتمكّن من قولها... أما المتخفّي من الأردن، فتزوّج رغماً عنه، وعملاً بنصيحة رجال الدين، الذين قالوا أنه سيتخلّص من "مثليّته" التي شعر بها منذ أن كان في الرابعة من عمره، حين يتزوّج. لكنّه أقام علاقات عدّة مع رجال عبر الإنترنت، فعلمت عائلته بالأمر وضربته... "تعرّضت للذلّ بسبب رغبتي الجنسية"، يقول بصوت حزين.

أما الشاب اللبناني، الذي قد يظن البعض أن وضعه أفضل من غيره لأنه في بلد "الحضارة"، فتعرّض للإهانات من قوى الأمن الداخي بسبب وضعه أقراط في الأذن. فشتموه ونعتوه بكلمات نابية، بحسب قوله... لكن عندما واجههم يما يملك من حقّ بالإختلاف "أفلتوه"، شرط ألا يظهر بهذا الشكل، حسب ما يقول. "ليه ما حاطط كحلي؟"... سأله أحدهم.
الفتيات المثليات من الدول العربية حضرن ليروين معاناتهنّ مع المجتمع الذكوري، الذي يفرض على الفتاة العربية قبل ولادتها. "هربت من العنف المعنوي والجسدي الذي يمارسه الرجل بحقّ المرأة، لأجد الحنان مع امرأة تشاركني فراشي"، تقول روان. وتضيف ساخرة من المجتمع العنصري: "هلق بدك تخاف على حبيبتك مني؟ هل تعجبك كل البنات على الطريق أيها الرجل؟... كذلك أنا... لا تجذبني كل البنات". تغضب روان وتصرخ: "شو أحبّ بالمرأة؟ شعرها... فمها...ولن أكمل... أنا لست عاهرة أيها الغبي! "

تعاطف أم شفقة؟

من الناس من يتعاطف مع المثليّي الجنس، ومنهم من يشفق عليه. يؤكّد الفنان بشارة عطاالله أن دعمه للقضية "هدفه إنساني بالدرجة الأولى، ومن واجبنا جميعاً أن نطالب بحقوق بعضنا في المجتمع، وأن نتقبّل غيرنا مهما اختلف عنّا". يتّفق بشارة مع رأي أكثرية الحاضرين في دعمه "لحق الشخص بالإختلاف". لكننا نرى التمييز الجنسي والعنصري كلّ يوم في مجتمعاتنا الضيقة والكبيرة، في الشارع الصغير وفي الوطن الكبير، مأساة تتفاقم يوماً بعد يوم، متمثّلة بـ"التنميط" Stereotyping، وبالإحتقار. نسمع الكلمات التي تسخر من المثليين، حتى إنّ برامجنا الكوميدية تستعين بهم كمادة لجلب المشاهدين، والإعلام يستخدمهم أداة "للسكوب". فهل من يفكّر أنّ أشخاصاً في هذا العالم يتعرّضون للرّجم بالحجارة أو للضرب بالسوط أو لأنواع عذابات أخرى، فقط لإختلافهم الجنسي؟ إن كانت الأديان حجّة "المعنّفين"، فكلّ الأديان تدعو للتسامح ولتقبّل الآخر. يمكننا التعاطف مع أي شخص باعتباره "إنسانا" أولاً وأخيراً، وباعتبار حياته الشخصية ملكاً له.

Digital solutions by