Digital solutions by

مقالات كتبها ريمون جبارة في "النهار"

14 نيسان 2015 | 19:24

المصدر: "النهار"

كتب الفنان المسرحي الكبير ريمون جبارة بحس نقدي لاذع في "الملحق"، أي ملحق "النهار" الثقافي، منذ بداياته المتجددة في تسعينات القرن الماضي. وفي مناسبة الرحيل الجليلة، نعرض لمختارات من الكثير الذي كتبه، والمنضم الى ارث فكري وفني كبير، يؤكد ان "صانع الاحلام" لا يموت. 

 

وحدهم الأموات ليس عندهم نقابة ( 2014-06-14)

النواب أضربوا. هم توقفوا عن الإضراب يوم جددوا لأنفسهم. كل النقابات أضربت. النقابات كثيرة في لبنان، ويرأسها دائماً طَموح، يحلم بمركز نائب إن صار له شعبية حقيقية، أو وظيفة راقية أدناها كرسي وزاري، لإسكاته فقط.
معالي وزير التربية محشور بين خيارين، إما أن يطنّش على هياج النقابيين الذين يطالبون بحقوقهم، وإما أن يجد حلاً للتلاميذ الذين هم بحاجة الى إجراء الامتحانات.
أنا متأكد من أنه يصعب عليكم إحصاء عدد النقابات في لبنان. فلكل أربعة مواطنين نقيب. وللبنانيين اللبنانيين، وأنا واحد منهم، نقابة.
الله رحمنا أن لا نقابة لبائعي قناني المياه المعدنية التي معدّل عددها شركة لكل مواطن. مياه نبع المعادن الشافية من جميع الميكروبات، وهي في خدمة المواطنين من جميع الطوائف.
حكاية شركات المياه المعدنية تشبه حكاية الأدوية العجائبية، التي حبةٌ منها تشفي الأمراض مهما كانت عصيّة. لا أقصد فقط أدوية الأعشاب العجائبية التي إن كانت من دون فائدة فهي على الأقل لا تتسبب بالموت السريع. بل أقصد أيضاً الأدوية الأخرى.
رجائي الى معالي وزير الصحة الذي أظهر جدية في ممارسة مسؤوليته، أن يستمع الى نصيحة مواطن يعيش منذ عقدين من الزمن على الادوية، أن يفرض رخصة من وزارة الصحة لكل إعلان دواء عشبي أو كيميائي، فيبرهن أنه أقوى من كل النقابات المتوفرة حالياً، والتي ستتوفر لاحقاً، لكي لا نغار من الأموات الذين ليس عندهم نقابة، ربما لأن أوضاعهم المعيشية والصحية حيث هم هي أفضل من أوضاعنا.
فارحمنا يا معالي الوزير في الأيام المتبقية لنا قبل أن يخترع أحدٌ نقابة للأموات الذين سوف نصبح منهم. وشكراً.

 

رسالة عتاب الى الله تعالى (2013-11-30) 

ربّي أغفر لي وقاحتي، فأنا مخلوق بشري يخافك أكثر مما يخاف الدركي ورجل المخابرات البلدي والغريب. سأكون مختصراً في هذه الرسالة لئلاّ ألهيك عن أحداث مهمة تحدث على الكرة الأرضية مذ خلقتها وخلقتنا عليها، كالحروب والفيضانات وحروب الطوائف والعشائر. نحن في لبنان ومن دون "تربيحك جميلة" اطلقنا إسمك على اسم شجرة الأرز الخالدة في قمم جبالنا.
على ذكر الخلود، كيف يرث رئيس دولة عربية الرئاسة من والده الخالد، الذي بحسب القاموس العربي لا يزال حياً؟
تحيّرني بعض أفعالك! لقد خلقتَ النعاج، ثمّ خلقتَ الذئاب لتأكل النعاج. في المسائل الجغرافية، لقد حشرتَ وطننا لبنان بين أعداء. ففي الجنوب عدوٌّ شرس لم يخبئ صك عداوته للبنان، أما في الشمال والشرق فشقيقٌ لنا يتباهى بصكّ وحدة المسار والمصير، ولا يضمر لنا غير الغدر والشر.
لقد زركتنا يا ربّي، ونحن شعب لا يستحق كل هذا القصاص. سمّتك الكتب المقدسة ربّ المحبة. "عفوك" يا الله: فمحبة كهذه المحبة، لم نعد نشعر بها بعد تأسيسك حزباً يحمل اسمك، تاركاً إياه يفلت علينا. في المناسبة، أفهم لماذا خلقت البشر بأرجل لها أصابع، إنما هل كان ضرورياً وملحّاً خلقهم مع أصابع لليدين؟ فإذا كانت أصابع الأرجل ضرورية لتوازن الجسد البشري، فإن الأصابع في اليدين ما استعملت عند البشر بين اللبنانيين (تبعك) إلاّ لتخويف إخوانهم في الوطن.
أرجو منك أن ترسل إلينا إشارة بالموافقة أو بعدم الموافقة.
مع محبتي الالزامية واعتذاري.

 

قلِّدوا اليمن السعيد (2014-03-08 )

كانوا في اليمن يتقاتلون شمالاً وجنوباً، وقبائل، فإذا بالله تعالى يلهمهم تقسيمه يمنَين سعيدَين، ولا أعتقد ان الله يحب اليمن أكثر من لبنان العظيم. لكن الله حشر لبنان بين الاعداء تاركاً لنا مهرباً من طريق البحر الى قبرص، ومنها الى كل أصقاع العالم المتمدن وغير المتمدن. أعرف ان كلمة كانتون تجفّلكم، علماً ان الكثير من الكانتونات (غير كانتون الضاحية العظيم المستجدّ) كان موجوداً. فقبل كانتون الضاحية كان لوليد بك كانتونه الخاص ولا يزال له مع ثلاثة أرباع الشوف الشقيق. ما رأيكم بأن يكون لأحد رؤساء الجمهورية كانتونه الذي يشمل كل اراضي الوطن ومؤسساته الرسمية والخاصة، ويكون هو من يعيّن الموظفين من رتبة مدير الى رتبة عامل أو ناطور. إذا تكلم بيان المطارنة الموارنة، قامت قيامة حامي الإقطاع اللبناني والمهووس بعهد الحكم الشهابي، أما الخطب القاووقية فحدّث ولا حرج.
للطمأنة، اذكر ان المناطق اللبنانية، معظمها، جامعة لمعظم الطوائف، وفي المناسبة أذكر انه كان للحزبين الشيوعي والسوري القومي الاجتماعي مقاومين من كل الطوائف دفعوا دماءهم ثمناً لمقاومتهم. فهل قاموس المقاومة الحالية هو منع كل مقاوم ليس من بيئتها أو طائفتها ليبقى رسن الوطن في يدها تقوده مع ركّابه الى حيث هي تشاء أو يشاء شاه ايران الجديد ولو تغيّرت الاسماء؟
تقودني الذاكرة الى يوم دعيتُ فيه إلى حضور ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، مئة في المئة، ففوجئت بأن لوائح الشهداء تضم اسماء ليسوا موارنة ولا مسيحيين بل من كل الطوائف اللبنانية. عندما انتهى الاحتفال قلت للدكتور جعجع انها المرة الاولى اكتشف فيها ان للمقاومة اللبنانية شهداء غير مسيحيين، فلماذا تخبئون هذه الظاهرة التي يفتخر بها كل لبناني؟ اجابني: نحن في "القوات" لا نحب المتاجرة بدماء شهدائنا. في الختام: عندما سُجن الاستاذ نقاش مؤسس جريدة "الأوريان" كتب ان ضدّين لا يبنيان وطناً. اما اليوم فلو قسّم لبنان مقاطعات فكل مقاطعة لن تكون لطائفة واحدة. ليس في كسروان مثلاً مواطنون من طائفة واحدة ولا في جرود جبيل ايضاً. هلموا اذاً لنقلّد اليمن السعيد في فعلته، وانا اضمن لكم ان "لبنان العظيم" سيكون سعيداً اكثر من اليمن. جرِّبوا، فماذا تخسرون، انتم الذين لم يعجبكم مؤتمر القصر الجمهوري ولا بيان بكركي. 

 

تظاهروا وهبهبوا (2014-09-27)

لأننا شعب جبان، وأنا واحد من هذا الشعب الجبان، نخاف أن تُقطع أرزاقنا ونموت جوعاً. فكلّنا نعمل في مؤسسات رسمية وغير رسمية مفلسة، وكلّنا نأكل طعاماً فاسداً يتسبب لنا بالتسمّم، وكلّنا نسدّد أقساط الجامعات التي صارت ثمن وحدة التدريس فيها قدّ ثمن عشرة توابيت من النوع الفاخر. هذه المسألة لا تخيفنا لأنه عندما تأتي ساعتنا ستضطّر الجمعيات الخيرية في القرية الى القيام بمهمة نقلنا من بيوتنا الى ذاك المكان؛ لا شفقة علينا بل حرصاً على صحتها وصحة أهل القرية والحي، ولا يهمّ إن كنّا أتممنا واجباتنا الدينية أم لا.
المهمّ أنها السفرة الوحيدة المتوافرة لنا ببلاش، وإن بقي قرش مع أهلنا جاؤوا بشاعر زجل يرثينا في ساحة الكنيسة بقول يجعل السامعين – المتفرجين على الاحتفال يشهقون بالبكاء ومعهم رجل الدين الذي سيشهق هو ايضاً حاصراً عظته الوداعية بالكلام عن مآثرنا الانسانية وجميع الفضائل التي قمنا بها وتلك التي لم نقم بها بسبب غدر الموت.
لأجل هذه الأسباب كلها، لماذا لا نخرج الى الشوارع بتظاهرات ضخمة، وعوض أن نذكر أسماء السياسيين والمسؤولين وغيرهم، وكي لا ننسى أحداً أو يفهم البعض أننا متعصبون لفلان أو فلان من المسؤولين، نمشي في تظاهرة صاخبة نهبهب فقط كفشة خلق لا أقل ولا أكثر. هكذا نشعر أننا لا نزال أحياء، لا أقل ولا أكثر. فساعات العمر التي أمامنا لم تعد تحرز، وخصوصاً أن ليس الله وحده من يضع حداً لها. فهناك جمعيات انسانية محبة لبني البشر وضعت يدها مجاناً بعد الله القدير كي تقصر عمرنا ويخاف أولادنا أن يكبروا قبل الاوان.
فالى الهبهبة أيها الرفاق، مع طلب الاذن منكم بأن استعمل كرسيّ المتحرك في التظاهرة فيرقّ قلب المسؤولين أكثر علينا وعليكم. عاش لبنان مجموعة أقاليم وزواريب مقسّمة، على رأس كل زاروب قبضاي سلّطه لبنان الأخضر والوحدة عليكم.

 

مقابلة مع المدعو يوضاس (2009-04-26) 

أراد أن يكون مكان المقابلة تحت التينة التي شنق نفسه بها، ربما ليبرهن عن حسن نيته، وان فعلته لا تعتبر خيانة. فهو لم يستفد من الثلاثين فضةً حتى ليبني ولو كوخاً حقيراً له، ويدعي أنه فعلها لأجل المبادئ:
أنا: خلال اسبوعين وانت شاغل الطوائف المسيحية والعالم كله، نسي العالم اسماء تلامذة يسوع الأطهار ولعل اسمك كالرابح في برنامج "سوبر ستار".
يوضاس: وحده يسوع يعرف اني أحببته واني نادم وسأحمل جريمتي في ضميري طوال عمري حتى ولو غفر لي فعلتي. الآخرون لم يحبّوه أكثر مني. بعضهم بتردد. أنا منحته حبي كاملاً لقناعتين فيّ، الاولى ايماني به مخلّصاً مرسلاً من الآب، وثانياً لايماني به قائداً ثائراً سيخلصنا من الرومان. سامحه الله! فقد صعقني عندما قال ان مملكته ليست من هذا العالم. وأنا انسان لست قديساً مرسلاً ولا نبياً. يهمّني العالم الذي أعيش فيه ثم السماء اذا كنت استحقها.
أنا: لكنك خسرت الاثنين معاً من أجل ثلاثين من الفضة.
يوضاس (مقاطعاً بشيء من الغضب): ثلاثون من الفضة تهمة ضخّمها بعض المنتفعين من المعلم (وهنا هممت بفك شريط حذائي فظن يوضاس أني أنوي ضربه بالحذاء لأصبح بطلاً قومياً كالسيد الزيدي العراقي، لكني طمأنته الى ان ما أفعله هو خاص بي فعلاً. وشرحت له اني منذ تعثر أحوال الوطن وانا فيه صرت أفضل أحذية أصغر من مقياس رجلي لأقوم بين الحين والآخر بشلح حذائي واقول كلمة خاي وهي كلمة نسيتها منذ مدة. هنا ابتسم يوضاس وهنأني على هذه الوسيلة السهلة التي تفيد صاحبها ولا تؤذي أحداً.
أنا: كنت أتمنى لو أهنئك على شيء ولكني لم أجد ما اهنئك عليه، واسمح لي أن اسأل سؤالاً أخيراً، وأعذر بهلنتي: لقد احتفل المسيحيون مرتين بذكرى صلب يسوع، فهل أنت كنت الخائن في المناسبتين ام لك أخ توأم قام بالمهمة عنك؟
يوضاس (باعتزاز بعض بهاليل السياسة اللبنانية): لاه، أنا كنت بطل المناسبتين.
أنا: مسيو يوضاس، اسمح لي ان أصارحك: أنت حمار ابن حمار. لماذا لم تفعل كما يفعل بعض من يلتزم مشاريع إنمائية من الدولة فيلتزم المشروع بمليون دولار ويعود فيجيّره الى آخر بخمسين ألف دولار. كان في إمكانك أن تلزّم لغيرك مشروع خيانة يسوع بخمس عشرة فضية، فكنت ربحت 15 فضية من دون كل هذه البهدلة. نقطة عالسطر.
يتساءل عبدالله لو لم يكن زمن يوضاس قبل ألفي سنة بل في زمننا اليوم، أما كان لُقّب بالبطل الوطني، هو الذي يأتي بدرجة "معتّر كبير" اذا ما قيس بيوضاسات اليوم الذين يخونون أوطانهم ومبادئهم وبني قومهم؟
حمار يوضاس، لو أجّل مجيئه الى اليوم لكان زمط بريشه. 

 

• القوات المسلحة والنزاعات والحروب (2006-08-27)

... وفي الساعة المحددة قصدتُ قصر المهاجرين وكانت ضربات قلبي تسبق خطواتي. عند الباب عرّفت عن نفسي فأشار اليّ الحرس كي ادخل، والدخول الى قصر المهاجرين اسهل بكثير من الخروج منه.
وصلت الى الباب الرئيسي لـ"قصر الشعب"، وكل قصور الحكام العرب العظماء اسمها قصور الشعب، في حين أن الشعب يعيش فقرا عظيماً. نحن في لبنان، عرفنا زمنا سُمّي فيه القصر الجمهوري قصرا للشعب العظيم.
قادني المسؤول الى غرفة صغيرة هي غير المكان الذي كان المسؤول يستقبل جهابذة اللبنانيين الطامعين بكرسي في مجلس النواب او في مجلس الوزراء بعد أن تكون السيدات زوجاتهم مهّدن لهم الطريق، بدءا من المرحومة عنجر. هناك في الغرفة، اشار مستقبلي الى مقعد فجلست منتظرا اطلالة سيادته. وبحذر شديد رحت اتفرج على سقف الغرفة والحيطان باحثا بخوف عن كاميرا مخفية او ميكروفون حرامي. اعترف اني خلال انتظاري استنزفتُ محارمي التي كانت محشوة في جيوبي، ومرت رهبة الانتظار على هذا الشكل وكنت كلما سمعتُ دعسات في الممر أقف كالروسور المضغوط مستنفرا، الى أن اطل سيادته، وبابتسامة مكشرة ظننتها ابتسامة قال: اهلاً استاذ، تفضل. وبعدما تفضل هو وجلس، جلستُ بعده بدقيقتين احتراما مرغما، وبعدما وضع سيادته رجلا على رجل، وكدت لا شعوريا اقلده في جلستي، تنبهت فعدلت. مرّت دقيقة صمت خلت أنها دهر، كنت انظر خلالها الى الحيطان والسقف، فأنتبه سيادة الرئيس الى ما افعل، فابتسم وسألني: ممّ انت خائف؟ أجبتُ: خائف سيدي من كاميرا تراقبني او ميكروفون حرامي يسجل عليّ نهايتي السعيدة كسعادة بعض اللبنانيين الذين خطفتهم متفجرة شقيقة. فابتسم سيادته وقال: لا احد يروح الا بساعته، وبعض اللبنانيين كانت ساعتهم بفعل ايديهم رغم انهم كانوا اصدقاءنا وقد حذرناهم مرارا كي ينتبهوا الى حالهم.
انا: سيدي، ما مضى قد مضى وانا اليوم لست هنا لبحث موضوع اردته للبنان شراً فاذا هو خير. انا هنا لاجراء مقابلة مع سيادتك ولست صحافيا باهراً. فأنا اعمل في هذا المجال وبعض غيره لأعيش. تعرف سيادتك اني خلال عقود عنجر لم آخذ امتيازا من الدولة، تقاسمته مع سيد عنجر وأزلامه من حكامنا. انا يا سيدي فنان ملعون منذ الولادة.
الرئيس (يبتسم): اعرف، وقرأت عنك الكثير وسمعت عنك من فنانينا الملتزمين قضايا العروبة، واخيرا قرأت اسمك في بيان بيروت – دمشق (هنا كدّني العرق حتى كدت اسحب من جيب سيادته محرمة فأنشف عرقي المطمئن).
انا: سيدي الرئيس، بداية هل لي بسؤال؟ لقد شاهدتك في خطابك الاخير في تجمع الصحافيين، وبصفتي فناناً اهنئك على هذا الاخراج المتقن وهذا العدد من الكومبارس الذين حشدتهم، فكانوا كالساعة تنظيماً. يصفقون في الوقت المطلوب، وبعضهم وُزّعت عليهم جمل يهتفون بها لتهييج الحشد. المهم: توجهت الى الحشد قائلا "ايها الصحافيون العرب الشرفاء"، فكيف تميّز سيدي الصحافي العربي الشريف من الصحافي العربي غير الشريف؟ هل تعمد اجهزتك الى اجراء فحص لمعرفة فئة دمهم ام لقياس خضوعهم لديموقراطية الاجهزة التي انتم سيدها؟
الرئيس: نحن في المبدأ مع الديموقراطية انما هناك ديموقراطيات مؤذية لأمننا.
انا: لأمننا فقط. فديموقراطيتكم سيدي أذت شعبكم ولحقت طرطوشة بنا في لبنان وخصوصاً من اشباه الحكام الذين اخترعتموهم (بدا بعض الانزعاج بدا على وجه
فالتصق حاجباه أحدهما بالآخر، فصارا كالألف النائمة على جبينه وكأنها تحلم بكابوس. وبثورة اليائس سألت "يا قاتل يا مقتول"): سيدي تكلمت عن المقاومة اللبنانية بإعجاب كبير لم يسبق لك ان مدحت به مقاومة مثلها في الدول العربية الصامدة كالصخر والمهرومة كخرير مياه الشاطئ الآسنة، سيدي ماذا يعوقكم ليكون عندكم مقاومة مثل ما عندنا في لبنان حيث تستشهد لأجل بضعة أمتار مربعة، بينما منتجعات الجولان تقطف ثمارها اسرائيل العدوّة، ولا أدري ان كانت التسمية تزعجك. وهكذا سيدي كنتم مع المقاومة الفلسطينية التي سمحتم لها بالكر والفر في جنوب لبنان ولم تسمحوا لها باسترجاع الجولان لكم، من داخل حدودكم طبعاً. مرةً، سألت مسؤولاً في احدى المنظمات الفلسطينية في السبعينات لماذا لا تقومون بعمليات من سوريا فهم يمنعونكم، أجاب: لا، نحن لا نقوم بعمليات ذلك انه علينا ان نتقدّم قبل كل عملية بطلب اذن من وزارة الدفاع في سوريا، وقد قمنا بعمليتين لم يرجع منها عنصر واحد. فشكرته على وعيه القومي الذي يفتقر اليه لبنانهم الشقيق، وبقي لي سؤالان سيدي راجياً ان لا تسيء قصدي: كان في القاعة حوالى الخمسة آلاف شخص فهل كانوا كلهم صحافيين أم جمعتموهم من حواضر الشوارع المحيطة بالمكان وأجبرتموهم على الحضور؟ أما سؤالي الاخير فهو: ألم تستفقدوا للرفيق المرحوم اللواء غازي كنعان في الصف الأمامي؟
وخاتمة اسئلتي سيدي: هل أذهب الى لبنان مطمئن البال الى سيارتي والى ما تبقّى من جسدي المنتهية نصف صلاحيته منذ 15 سنة؟ طمئني لأتحضر شخصياً لملاقاة ربي ولأحضّر عائلتي لبهجة هذا اللقاء.

 

يوم في حياة ريمون جبارة(2005-10-18)

أستيقظ حوالى الساعة الخامسة صباحاً، رغم تناولي حبوباً منوّمة، لا لأن ضميري غير مرتاح وخائف من السيد ميليس، إنما لأني انام في العادة باكراً عندما لا اكون مدعواً الى سهرة غير مدفوعة الأجر خارج البيت. وأنا افضّل مجبراً السهرات غير المدفوعة على السهرات المدفوعة. فلست مطرباً ولا راقصة بطن كي تسمح لي ظروفي بالعيش الفضفاض، ثم اني من "سلالة الحمير" (هكذا يسمّى الأوادم) في وطن حيث لا يستفيد المرء، إذا كان ينتمي الى هذه السلالة، من المراكز التي يشغلها.
المرحوم والدي كان "حماراً" ايضاً. عمل موظفاً في الدوائر العقارية في النصف الاول من القرن الماضي، وكانت هذه الدوائر كأفريقيا في تطليع المصاري، ثم ذهب والدي الى التقاعد ومات محتاجاً. "الحمير" لا حظ لهم في وطن العنفوان.
اذاً، بعد استيقاظي مباشرةً، أهرع الى السيكارة، أشعلها، وأجلس على البلكون، منتظراً السيدة مالا لكي تعمل لي فنجان نسكافيه (لا تعصباً للغرب). نحن في المنزل ثلاثة اشخاص، زوجتي، مالا، وأنا. من لا يعرف مالا لا يعرف معنى الانسانية. فهي عدا انها تساعدنا في المنزل، نستدين منها في أوقات الحشرة، أنا وزوجتي، ويمكن اعتبارنا اننا توفقنا بها ولا أدري إن كانت هي تعتبر نفسها موفقة بنا.
على الشرفة، أتأمل شقة المرحومة شقيقتي التي غادرتنا منذ عقدين من الزمن. هي كانت الصغرى بين خمسة أولاد. أنظر الى أعشاش الدوري التي بقيت في حيطان الشقة، وكذلك الى أحواض الزهور المعلّقة في البلكون. ذهبت أختي وبقيت أحواض الزهور. وكذلك ذهب بو جرجي، جارنا، عن عمر ناهز المئة، وبقيت حفافي جنينته. لماذا لا تذهب الحفافي ويبقى بنّاؤوها!
في مسرحيتي، "قندلفت يصعد الى السماء"، التي عرضتها عام 1979، يقول فانسان مخاطباً رفيقه منصور، وهو يحمل "أرضية" يحتفظ بها منذ طفولته: لماذا لا تكبر الأرضية ويبقى الانسان طفلاً؟
في حوالى الساعة 9 أسجّل برنامجي الاذاعي لـ"صوت لبنان"، مستبقاً الحازوقة التي تشرّفني يومياً بدءاً من الساعة 11 حتى التاسعة مساء. لا أعرف لماذا تزورني هذه الحازوقة يومياً، ولا الاطباء يعرفون. بعدها، أذهب الى احدى الكافيتريات في البلدة فأكتب مقالتي. أحياناً أكتبها بلا حماسة. اكتبها فقط كي لا يزعل مني الصديقان الياس خوري وعقل العويط، فيقطعان ما تبقّى لديَّ من رزق.
ظهراً، أعود الى البيت لتناول الغداء الذي تعدّه زوجتي لنا ولابنتي جمانة واولادها، وتقتصر مهماتي ظهراً على توصيل الغداء الى بيت ابنتي. بعد قيلولة قصيرة، أركب سيارتي الاوتوماتيك السهلة قيادتها لمشلول نصفي، قاصداً تلة يكسوها الصنوبر، فأوقفها هناك بعد ان أضع في المسجلة شريطاً مسجلاً لقصائد خليل روكز بصوته. أنا من المعجبين بهذا الشاعر الكبير الذي اتكل على موهبته لا على شهادة دكتوراه اشتراها من مدريد او من باريس. غجرياً كان، ولعلني اشبهه في كثير من الاشياء. هناك، وأنا جالس في السيارة، أنظر الى المقلب المقابل من الجبل. أتذكر يوم كنت صبياً شيطاناً آخذ الزوادة لأبو ريشا في قرية العطشانة المقابلة لقريتنا حيث كان يسكن مع قطيع الماعز خاصته. من هناك ايضاً أصير أمشي بعينيّ بدل رجليّ، وهذه وسيلة أستغلها في الأمكنة التي لا استطيع الوصول اليها مشياً.
عند الغروب أعود الى المنزل فنتحلّق، حول بركة المياه الصغيرة في حديقتنا الصغيرة، نحن أهل البيت وبعض الاصحاب والجيران، ونناقش أمور السياسة الدولية والبلدية. يقول أحدهم ان بوش حمار، فلو كنت مكانه – والكلام لأحدهم هذا - لأسقطتُ قنبلة ذرية صغيرة من النوع الذي لا يسقط الكثير من القتلى في المكان الذي تشكّ استخباراتي ان بن لادن مختبئ فيه. ينبري آخر، معارضاً الاقتراح لأسباب انسانية. تنعقد الحلقة تحت الخيمة كأنها مجلس امن مصغر. وقبل ان نرفعها لرطوبة في الجو، تجلب لنا مالا القهوة، منّا من يشربها مُرّة ومنّا "وسط"، أما أنا فأفضّل نصف كوب من النسكافيه، لا نكاية بتركيا ولا بالعروبة وإنما لأن مالا تمزج النسكافيه بالحليب، والحليب يخفف أضرار القهوة التركية – العربية.
بعدذاك أصعد الى الطبقة العليا، الى البلكون تحديداً، حيث وضعت لي زوجتي تلفزيوناً صغيراً أتابع من خلاله نشرات الاخبار، بينما تتابع زوجتي اللقاءات السياسية من التلفزيون المركون في غرفة الصالون الصغير. انا وزوجتي لسنا متفقين في السياسة المحلية، لا نكايةً، إنما لأجل إشاعة جوّ من الحماسة في المنزل، بعدما كبر الأولاد ولم يبق لنا سوى أحفادنا الذين نحبهم ونعتبرهم سبب بقائنا والنشرات الاخبارية التي تلهينا ولا تعشّي حمارنا.

 

شحّادين يا بلدنا (2006-05-14)

المسؤولون الذين يتجولون في الوطن بسياراتهم الخاصة، أو بالتاكسي، تمويهاً، ويحوطهم عناترة الحراسة، الذين يحاولون حمايتهم أيضاً من الاغتيال (لا سمح الله)، محميون من المتسولين الجوالين في الطرق وعلى المفترقات وأمام المنازل. أما المواطنون الصرف، أي الذين مثلي، بلا ألقاب، وبلا كلاب حراسة، وينهال عليهم الشحاذون من كل حدب وصوب، فليس لهم إلاّ الله.
المواطنون الصرف ينقسمون فئتين، واحدة مرتاحة في أوضاعها، وثانية تتكل على الأولى إن دعاها "واجب التسول". هذا ما يحصل في الدول الراقية نسبياً، حيث الحكّام نصفهم "ضرّيب كمّ" والنصف الآخر لا يشبه حكّامنا.
لم يعد في إمكان أيّ مواطن في lounbane al azim أن يستدين من مواطن آخر. كلنا شحاذون. ولم تعد عبارة الشاعر الكبير خليل روكز، "معتّر بيجبر بخاطر معتّر" تنطبق علينا. الواحد منا، إن وفّقه الله، بخادمة سري لانكية عطوفة، يمكنه الاستدانة منها، على أساس أنها الوحيدة التي تعمل من بين سكان المنزل، وتتقاضى راتباً.
تسود هذا الوطن العزيم حالٌ من التسوّل التراتبي. هذا إذا توفّق أحدهم بالاستدانة من "ميسور" نسبياً.
واليك المشهد: هو ينتظرك مثلاً على درج بيتك. رجل لم تره عينك من قبل. يحييك بلهفة فائقة فتظنه أحد أقربائك وقد عاد للتو من الأرجنتين، ثم يقدّم لك ورقة قد تكون ممهورة من خوري رعية أو من شخص آخر، فتمسك الورقة ولا تقرأها لان الرجل يتلوها عليك بصوت عال: لازمني عملية بروستات، وأنا ناضر لسيدة بشوات تساعدني تايشفقو عليّي أصحاب القلوب المُحبّة. فإن صدّقتُه بعد ان أكون قد وُفقتُ في استدانة 200 دولار لدفع فاتورة الكهرباء، فإني أعطي الزلمة عشرين دولاراً، متكلاً على دعائه لي وصلواته الى سيدة بشوات لكي تردّ عني الأذى شخصياً. عندذاك تستحي، أنتً، من السيدة، لأنك ثقّلت دمك عليها. ثم يهرع هذا الذي أخذ منك العشرين دولاراً الى أقرب صيدلية ليشتري منها مهدّئاً للأعصاب، يداوي به زوجته التي اهترأت روحها يوم لاحظت اهتراء بروستات زوجها. على باب الصيدلية يلتقي برجل لا يعرفه من قبل، ويحتاج الى دواء للقلب. ولأنه، رغم كل شيء، معتّر بيجبر بخاطر معتّر، يعطيه نصف المبلغ الذي في حوزته. وهكذا دواليك، من شحاذ الى شحاذ، الى أن يصل صاحبنا الى البيت مستحياً من زوجته، فلا يجرؤ على سؤالها ماذا طبخت له اليوم. ولأن الزوجة من نوع المعتّرة التي تشفق على معتّر، فإنها تذهب الى المطبخ فتقلي له أربع بيضات بعدما انخفض ثمن كرتونة البيض بفعل أنفلونزا الطيور. وبعد الغداء، لا يعودان يفكران بلقمة المساء أو بلقمة اليوم التالي، بل يهرعان الى الفراش بعد شرب كوبين من اليانسون الذي يقال إنه يهدىء الأعصاب. ولو كان عندهما ألفية عرق لكانا شرباها لاعنين اليانسون والشخص الذي اخترعه.
في اليوم التالي، وبعد سماع أخبار الصباح، ينزلان الى ساحة التحرير لإضاءة مشاعل الحرية والسيادة والاستقلال، محاولين تناسي الواقع الأليم.
بئس وطن شعبُه ينعم بالتسول!

 

 

Digital solutions by