Digital solutions by

أمٌّ سوريّة تريد الهروب من الحرب: أبعدوا عني الأسود!

21 آذار 2015 | 18:23

المصدر: "النهار"

دخلت المنزل حاملة وردة حمراء بيد، وفي يدي الأخرى هدية مهما غلى ثمنها تبقى شكراً بسيطاً لأمي التي حملتني في أحشائها 9 أشهر، وربّتني طوال هذه السنين. كجميع "الأطفال"، وكما ترى الأم دائماً أولادها، قدّمتُ هدية لأمي وقبّلتُها لأعبّر لها عن مدى حبّي الكبير لها وشكري وامتناني لأنها فعلاً أعطتني من دون أن تنتظر أيّ مقابل... هذا باختصار كيف احتفلتُ وأمي بعيدها العالمي. عيد الأمهات لم يمرّ على جميع أمهات العالم بالطريقة عينها، اذ يختلف الأمر كثيراً في سوريا والعراق.

في العراق لبست الامهات الاسود منذ سنوات بسبب الحرب التي قتلت ودمّرت من دون رحمة، وعدد لابسات الاسود الى ازدياد في هذا البلد، والدموع تسقي تراب العراق الممزوج بدماء الشباب. وفي سوريا لا يختلف الامر ففي أربع سنوات قُتل أكثر من ٢١٠ آلاف سوري، وهذا العدد على ارتفاع مستمرّ مع تواصل المعارك في كامل الاراضي السورية. آخر تلك المجازر وقعت أمس في محافظة الحسكة عندما كان الاكراد يحتفلون بعيد النوروز، وأوقعت عشرات الضحايا.

استطاعت "النهار" أن تتحدّث مع إحدى الأمهات السوريات من منطقة تل تمر في الحسكة. مهى (٣٧ سنة) سيدة سورية متزوجة ولديها 4 أولاد، أخبرتنا وجعها بدموع لم تتوقف منذ بدء الاتصال. تكلّمت مهى عن الأمهات السوريات اللواتي يعشن اللوعة والحزن والموت. تحدّثت عن الوجع والألم، ولم تستطع الا ان تتذكر تفجير أمس الذي استهدف احتفالاً بعيد النوروز في الحسكة، فقد فقدت مهى في هذا التفجير ابنة شقيقتها التي هي بدورها أم لولدين.
عشية عيدها قتلوها، كما قتلوا العشرات، في ليلة عيدها حملت ولدها وطارت به الى السماء، فابنها البالغ من العمر ٤ سنوات، كان يرافقها في الاحتفال الذي ما لبث ان تحول مجزرة في عيد النوروز.
في عيد الام، غابت نورا الوالدة (٢٧ سنة)، عن ابنها عمران (٥ أشهر) الذي أمسى يتيم الام، تركته في سريره يبكي وينتظر غمرة الأم لتدفئه بحنانها في ظلّ برد الحرب التي تسيطر على منطقة الحسكة وسوريا، سينتظرها طويلاً ولكن للأسف ستغيب وأخوه جوان عنه لأن يد الارهاب قررت أن تنهي حياة أم في ليلة عيدها.

تخبر مهى قصة ابنة اختها "الشهيدة" والدموع تنهمر على خديها كشلال، والوجع الحاضر الأكبر في صوتها الجهوري "مو حرام قتلوها وابنها خلال الاحتفال بعيد النوروز.. مو حرام"، تتوقف عن الكلام فجأة كابتة الغصة التي تحاول إخفاءها من دون جدوى، وتسأل فيما صوتها يدوّي في مكان تواجدها "وين المجتمع الدولي وين الأمم المتحدة وين حقوق الانسان يشوفوا شو عم بصير عنا".

لا تقتصر معاناة مهى على رؤية الموت يطال المقرّبين منها، فهي تلامسه وتشعر به آتيا، فتحاول ان تركض وتبتعد منه قدر ما استطاعت، ابنة تل تمر مصرّة ان تكون أقوى من جحيم الحرب، فللسيدة الثلاثينية أربعة اولاد، في حين ان زوجها يقاتل في ارض المعركة. فهي أُم لن تستسلم لمشيئة الحرب، إذ إنها اقوى ومصرّة ان تناضل كي تبقى وأولادها بصحة جيّدة. اضطرت، "غصباً عنها"، ان ترسل ابنها البكر ريناز (١٨ سنة) الى تركيا ليكمل تحصيله العلمي، اما ابنها الثاني (١٥سنة) وابنتها (١٢ سنة) وطفلها (٦ اشهر) فهم يتنقلون برفقة والدتهن من منزل الى آخر من قرية الى أخرى لحمايتهم من الحرب والموت، "إلنا 27 يوم مهجرين من بيوتنا، من ضيعة لضيعة من بلد لبلد، عم نركض نهرب من القائف والتفجيرات... مو حرام... من راس العين الى الدرباسية، هروبنا يحمينا في معظم الاحيان".

تؤكد انها ستفعل المستحيل كي تحمي أطفالها من الخطر، بالها مشغول دائماً على زوجها وقلقة على ولدها في تركيا: "قلبي محروق عليه حرق، عم ابكي فراقك، مو حرام ... الاطفال تيتّمت والامهات عم تنحرق قلوبهن" وتبقى الدعوات بوقف الارهاب والقتل صلاة يومية لكل ام تعيش حرب داخلية في ظلّ حرب خارجية لا ترحم، والهوس الوحيد لدى المراة العربية الابتعاد عن اللون الاسود.

 

Digital solutions by