Digital solutions by

أمي أضيئي هذا الشرق!

21 آذار 2015 | 10:03

المصدر: النهار

آهٍ كم طالت درب جلجلتك يا امرأة! إلى متى سيستمرّ صلب أبنائك في هذا الجزء من العالم، في هذا الشرق الحزين؟ إلى متى سيطول ليلُ بكائك، أنينُك، انسحاقك، جرحك النازف؟ إلى متى ستظلّين تتّشحين بالسواد؟ منذ بداية الخلق وأنتِ متهمة بالمعصية، وما ألذّ معصيتك! منذ البدء استُتبِعْتِ للرجل، كيف لا، وأنتِ خُلقت من ضلعه! مذذاك احتجتِ إلى الحماية، وانت هذا الكائن الضعيف المستضعف! لا أدري، ربّما هي قوانين الطبيعة، حكم الأقوى.

مأساتُك أنك كنت دوماً في نظر هذا الرجل تلك الأنثى ولم تكوني يوماً تلك الإنسانة الامرأة. كنتِ، ولا تزالين، هذا العار، هذا المرض المعدِيَ، فوأدناكِ، وختنّاكِ، وحجّبناكِ، لا حرصاً عليك بل خوفاً من غرائزنا، من ظنوننا، من نظراتنا، من ذكوريتنا، من شرفنا المزعوم. إلى متى هذان القمع والاستبداد سيلاحقانك؟ إلى متى ستقبعين في هذا الحبس؟ حبْسُ عَبَراتكِ، زَفراتكِ، صوتكِ، أحاسيسكِ، جسدكِ، أنوثتكِ، حتى أنفاسكِ!

أمّاهُ، يا كلّ أم عربية، من لبنان إلى سوريا وفلسطين فالعراق واليمن، وكل بقعة عربية، أبناؤك يُشرّدون، يُضطهدون، يُسجنون، يُقتلون على مرآك، وأنت بقيت تلك المرأة الحليمة، المحتسِبة، الضنينة على فلذاتها. لطالما كنت مثال التضحية بالذات، حتى اسمك صودر واستحال ألقاباً ومسمّيات: أم الشهيد، أم المفقود، الأم المناضلة، الأم الثكلى... كأنّ قدَرَك أن تكابدي كل هذه المُكابدة، أن تحملي أثقالاً تنوء تحتها جبال، وتشيلي أحزاناً تُدمي صخراً أصمّ.
أماه، يا أمي العربية، أيّوبُ يعجز عن صبرك. أمّاهُ، سئمتُ صمتك، سئمتُ هذه الاوصاف التي التصِقت بك، سئمت لعنات السماء، سئمت التغنّي بكِ فقط في قصائد الشعراء. أماه، تُقت إلى بسمة تُعانق مُحيّاك، إلى لحظةِ هناء تستوطنُ عينيك.

أمي، يا كل أمرأة عربية، بدّدي، بيديك الملائكيتين، هذا السواد. سواد ثوبك، سواد القلوب، سواد النيات، والثُمي جبيني بقبلة بيضاء، طاهرة، لأعود ذاك الطفل وأغفو في حضنك. أمي تمتمي بشفتيك الصلوات والابتهالات لتضيء شمس الحق هذا الشرق. أمي، اعذُري كلماتي، إن تبدّت فيها بعض المغالاة أو فاقَتْني حقيقةً وصدقاً ووفاء. فأنا لا أدّعي أنني بريء من بؤس حالك ولا أغسلُ يدَيَّ مما ارتُكب في حقّك من آثام، أو أدعي أنني شفيتُ من موبوءات هذه العقلية الشرقية الذكورية التي تشرّبتُها مع الحليب وورثتُها في جيناتي. كل ما أعدك به هو المحاولة، وفقط المحاولة.
أمي، افردي جناحَيك وانعتقي في الأثير، فمنك تعلمتُ معنى الحرية ومكان السماء.

Digital solutions by