Digital solutions by

منيرة وبشرى...لا للحزن في دار المسنين

20 آذار 2015 | 21:53

المصدر: "النهار"

منيرة المصرّة على التفاؤل.

بعيداً من الجوّ المأسوي الذي يعيشه العديد من المسنّين في المناسبات المؤثّرة كعيد الأمّ، ثمّة شريحة منهم تعيش في جوّ من الرّفاهيّة والفرح. لا نبالغ إن قُلنا أنّ العائلة قد تكون سبب المأساة، بينما دار المسنّ قد يكون خلاصه، خصوصاً إذا اقتَرَنَ بحياة كريمة، تتخطّى تأمين حاجاته الأساسيّة فقط. 

عمري المديد
قرب الطّريق البحريّة لبيروت في منطقة الرملة البيضاء، يقع الدّار الذي يحيطه الهدوء. تدخل لترى مساحة مريحة للنظر والروح. على الجهة اليمنى تتحدّث نساء عدّة، وعلى اليسرى تلفاز يتشاركه الأصدقاء لمشاهدة برامج تعجب الجميع تقريباً. أمّا إذا أراد المسنّ مشاهدة ما يعجبه وحده، فيمكنه مشاهدة التلفاز في غرفته الخاصة التي تضمّ سريراً منفرداً.

وجبات الطعام تقدَّم للغرف الـ38 من أصل 50، التي يشغلها المسنّون كخدمة فنادق. لكن المقيمين في الدار يجلسون لتناول الغداء سوياً كذلك. يمكنك إيجاد مكان للتأمّل هنا، فخضرة الحديقة تتيح للمسنّ الراحة الكاملة. كما أن النادي الرياضي، الذي يمارسون فيه رياضة المشي ونشاطات أخرى، فيتم بإشراف معالجين نفسيّين.


أشعر بعيد الأم في الدّار
منيرة دخلت الدار منذ ستّ سنوات، بعدما توفّيت أمّها واضّطرت للعيش مع أقاربها. لكنها شعرت بأنها لم ترد أن تكون عالة على أحد. تشرح المرأة "المتفائلة" الأسباب العديدة التي يمكن أن تدفع المسنّ للّجوء إلى دار للمسنّين، وتعزو أوّلها إلى الوضع الإقتصادي الصّعب الذي يمرّ فيه "المتقاعد" في بلدنا.

تؤكّد المسنّة التي انفصلت عن زوجها ولم تُرزق بأولاد، وهي تمضي وقتها في المطالعة والتسلية مع أصدقائها في الدار، أن التقاعد "لا يليق بمن تقدّم في السّن، والدليل على ذلك لجوؤها للعمل في جمعيّات عدّة بعد وصولها إلى سنّ التقاعد من وظيفتها في القطاع العام".

"شي كتير حلو "بحيرة البجع"، كتير نبسطتنا فيها"، تقول بفرح عن المسرحيّة الراقصة الشهيرة التي شاهدتها ورفاقها، ضمن سلسلة نشاطات الدار الشهرية، والتي تضمّ رحلات إلى مختلف المناطق اللّبنانيّة، جلسات للفطور في مطاعم مختلفة، محاضرات تثقيفيّة، واحتفالات في مناسبات لبنانية عديدة.
من تلك المناسبات، عيد الأم، الذي يصادف يوم تأسيس الدار، وسيحتفل فيه من اختار اللجوء إلى دار رعاية في "عمره الثّالث" مع عائلته والعاملين في الدّار يوم الأربعاء في 25 آذار 2015. لكن كيف تشعر الأمهات اللواتي يعشن حياة كريمة، فيها ما يتمنّاه أي مسنّ من تأمين حاجاته والكماليّات، في 21 آذار من كل عام؟
تبتسم منيرة، وفي عينها دمعة "كتير مننبسط هون، الكلّ بيجي وأخواتي بيجيبولي ورِد وعائلات رفقاتي كمان. بيصير المكان كلّه ورود، منرقص ومنغني سوا".  وتتذكّر أمّها في هذا الوقت من كلّ عام. تقول بحسرة :"مهما كَبُرَ الشّخص، سيتذكّر أمّه".

 

قصّة بشرى مع عيد الأمّ تختلف عن قصّة صديقتها. فهي تتأثّر أكثر من غيرها في هذا العيد، خصوصاً أنها وجدت الحنان الذي فقدته مع أولادها في الدّار. بعد أن "خدمت" إبنها وزوجته من خلال القيام بالواجبات المنزليّة ومساعدتهما في تربية الأولاد، "كانت كنّتها تزرع الفتن لدى الإبن وتبعده عن أمّه"، كما تروي. لكنّها أخبرت قصّتها لأصدقائها في النادي التابع للدّار، وقد رَوت لها العديد من صديقاتها عن المعاملة الحسنة التي تتلقاها في الدّار.

"حنِّت عليّي مديرة النادي والدّار، كانت بتعرف إنّو وضعي صعب بالبيت مع إبني وما معي إدفع مصاري"، تدمع عينا السيدة الحنونة، التي تقيم في المركز على نفقة وزارة الشؤون الإجتماعية ومركز الرعاية الإجتماعية. لكن ماذا عن علاقتها بإبنها الآن؟

تقريب المسنّ من عائلته
توطّدت علاقة بشرى بإبنها بعد سنوات من دخولها  الدار، ممّا أسعدها. "اكتشف إبني أنّ أمّه حنونة ولم ترد له المشاكل. أنا رفضت أن أكون السّبب في انفصاله عن زوجته"، تؤكّد حيناً بحسرة، وحيناً أخرى بابتسامة. وتقريب المسنّ من عائلته من أهمّ أهداف الدار التابع لـ"دار الأيتام الإسلاميّة".

وعن أهداف "العمر المديد" الأخرى، تشرح مديرة المركز نسرين لبّان أنّ "دار العمر المديد يستهدف كبار السن من غير العجزة للإستفادة من خبراتهم ومساهمتهم في التّنمية الإجتماعيّة، إضافةّ إلى تطوير معرفتهم ومهاراتهم وقدراتهم، للحدّ من وصولهم إلى العجز الفكري والجسدي".

كما يهدف الدار، وهو الوحيد من حيث تنوّع خدماته وطريقة إيصالها، إلى "العمل على تحقيق بيئة إجتماعيّة صديقة لكبار السّن من حيث تثقيفهم وتثقيف المجتمع حول الحقوق والواجبات". وتؤكد مديرة الدّار في هذا المجال:" يزور الدار مشاهير وشخصيات عامة عدة، كما يزورهم طلّاب المدارس من الـ"كوليج" و"لويس فيغمان" لتعلّم الحياكة و الـ"تريكو".
عيد الأم في الدار سعيد، البيئة تساعدهم على حبّ التّطوّر في مجالات عدة من خلال الدورات التدريبية. الرياضة متوفّرة، والجوّ العائلي طاغٍ بين العاملين و"المسعفين"، وهو المصطلح الإجتماعي الذي يُستخدم للدّلالة على المسنّ الذي يصبح في دار رعاية. ممارسة الشعائر الدّينيّة المختلفة متوافر كذلك، والدار يحوي المسيحيين والمسلمين، دون تفرقة. يصلّون دون التّأثير على غيرهم، يطالعون ويقابلون أصدقائهم خارج الدار...
منيرة وبشرى نموذجان لسيدتين  كتب لهما القدر الاحتفال بعيد الأمهات في دار مسنين. الفكرة مأسوية بالنسبة لكثيرين، أما السيدتان فأكدتا أنهما وجدتا أولاداً لم يخرجوا من رحميهما في المكان، مسحة التشاؤم النمطية تتحوّل تفاؤلاً، منيرة وبشرى وجهتا لنا الدعوة لحضور حفل فني في العيد ومشاركتهما الورد والربيع والأمل... 

Digital solutions by