Digital solutions by

ما رسالة "فرسان الاستشهاد الدواعش" للتونسيين؟ (خاص)

20 آذار 2015 | 20:30

المصدر: "النهار"

(الصورة عن الانترنت)

"في غزوة مباركة يَسَّر الله أسبابها على أحد أوكار الكفر والرذيلة في تونس المسلمة، انطلق فارسان انغماسيان من فرسان دولة الخلافة هما ابو زكريا التونسي وابو انس التونسي مدججين بأسلحتهما الرشاشة والقنابل اليدوية مستهدفين متحف باردو الذي يقع في المربع الامني للبرلمان التونسي". هكذا بدأ التسجيل الصوتي الذي نشر في مواقع "جهادية" تابعة لـ"داعش" على الانترنت، وهكذا انتهى بتهديدٍ واضح ٍموجّه الى التونسيين: "إن ما رأيتموه اليوم أول الغيث بإذن الله ولن تهنأوا بأمن او تنعموا بسلام وفي الدولة الاسلامية رجال كهؤلاء لا ينامون على ضيم".

فكيف يظهر تبني تنظيم "الدولة الاسلامية" للاعتداء على متحف باردو الذي أوقع 22 قتيلاً؟ وما مدى احتضان البيئة التونسية لفكر "داعش"، وقدرة التونسيين وجهوزيتهم في مواجهة عمليات التهريب وإرهاب هذا التنظيم المتطرف؟
يقول الأستاذ نجيب الغربي، وهو باحث في علم الاجتماع السياسي في كلية العلوم الانسانية في تونس، إن فكرة الانتقال في كل الدول هي فكرة "هشة جداً"، لا سيما وأن خلال الثورة الاخيرة انتقلت أجهزة الامن التونسية من "أمن تحت نظام ديكتاتوري" الى هامشٍ من حريات "طوباوية"، ترافقت مع ضعف كبير وإعادة هيكلة جذرية لوزارة الداخلية، استفاد منها الارهابيون، إضافة الى فوضى الوضع الليبي الذي أدى الى فتح أبواب الثكنات ومخازن السلاح على مصاريعها وضعف الحدود مع تونس، يوم تم تخزين كمية كبيرة من السلاح من إرهابيين، في الداخل التونسي والليبي.

يرى الغربي أنه، وبعد "ثورة الحرية والكرامة" أو "ثورة 17 ديسمبر" أقيم العديد من الاجراءات التي كان فيها شيء من "التسرُع" في الداخل التونسي، إذ فُكّك جهاز أمن الدولة، وسُرّح عدد كبير من المخبرين بنفس ثوري دون التريث ودون "غربلة". وهذا أحدث نوعاً من الغموض الامني في وزارة الداخلية مع تسريع في موجة عفو عام لمساجين سياسيين ومساجين الرأي بينهم عدد كبير من الارهابيين التونسيين الذين ينتمون الى منظمة "أنصار الشريعة" التكفيرية، التي كانت قد بايعت "داعش" بانغلاقٍ سياسيٍ وتشدد أكبر من التنظيم الاخير.
ويشير الغربي الى صلابة و"أهمية العلاقة بين التهريب والارهاب". وفي ظل الغياب الكبير لليقظة الامنية، وفي السنة الاولى بعد الثورة، تم تخزين السلاح ورفعت منظمة "أنصار الشريعة" شعار أن تونس "أرض دعوة" وليست أرض جهاد. مما جعل النخب السياسية تعتقد أن هؤلاء سيلجأون الى دعوة الناس للتدين الصحيح، ولكن تلك النخب وشريحة كبيرة من الشعب التونسي كانوا ضحية لـ"خديعة" هذا التنظيم الارهابي، الذي، وبالنسبة إلى الباحث التونسي، يشبه كثيراً تنظيم "إخوان الصفاء" و"الحشاشين" في التاريخ الاسلامي، والتي كانت أنظمة دموية كتومة.

ويشرح الغربي أنه لم يكن هناك وعي لدى التونسيين لحقيقة "رجل الدولة" أو عقلية السياسي البراغماتي، الذي يميزُ بين المبادىء كمبادىء ومصلحة الدولة وأمنها وحماية أمن الناس، وبما لا يتنافى مع الحريات. فهذهِ "الطوبوية" تشمل فتح باب الحريات على مصاريعه من دون مراعاة، حيثُ يتم استغلالها من بعض الاطراف الذين لا يؤمنون بتلك الحريات أو الحياة المدنية، وهم رافضون للحضارة "بحثاً عن صفاء وهمي".
أما بالنسبة إلى البيئة التونسية ومدى احتضانها للفكر التكفيري والحركات الارهابية. فيشرح الغربي أن الشعب التونسي بطبيعتهِ منفتح، وأنها تتشابه والعقلية اللبنانية الممزوجة كالتونسيين بعاطفة دينية، وليس تشدداً دينياً.


ويوضح الغربي، أنه، ومن الناحية الاجتماعية، فمن المعلوم أن معظم المتشددين والشبان المنجذبين لتلك المنطمات الارهابية يعانون من يأسٍ من الحياة، إضافة الى وضعٍ اقتصادي حساس تهيمنُ عليه بطالة أكبر وظروف معيشية وعلمية مزرية، تدفعهم الى العيش بعيداً من جذورهم الوطنية، في أحياءٍ مهمشة بعيداً من العاصمة. فبالنسبة إلى الغربي لا يجد لدى هؤلاء الأفراد سبباً للتمسك بالحياة، لذلك يخلقون "وهماً استشهادياً" يريدون فيه الخلاص في حياةٍ أخرى، ويخلطون ما بين الشهادة الحقيقية في سبيل مبادئ وطنية وعملياتٍ انتحارية تذكرنا بـ "الكاميكازيين" اليابانيين. ويشير إلى أن تونس لم تتفاجأ من إعلان "داعش" تبنيه العملية الارهابية على المتحف، بل إن هذا كان متوقعاً وان التونسيين فهموا الرسالة. فما هي رسالة "داعش"؟
ويضيف الغربي أن النظام في تونس برلماني، أي إن السلطة مستمدة من البرلمان، الذي كان يناقشُ يوم حصل الاعتداء قانوناً جديداً لمكافحة الارهاب، فأراد "داعش" من خلال تنفيذه الاعتداء إيصال رسالة واضحة وهي: "نحنُ نفاجئكم في معقل سيادتكم... وبالقرب من مجلس نواب الشعب، وفي اللحظة التي تسعون فيها لمكافحة الارهاب وتدعيم آليات التدخل الامنية والعسكرية للبلاد". فكيف ستردّ تونس في الأيام المقبلة؟ إن كان سيكون هناك رد.

 

Digital solutions by