Digital solutions by

جورجيت سمعان...حملت نعش ابنها واحتفظت بصليبه المغطى بالدماء

19 آذار 2015 | 23:03

المصدر: "النهار"

شهادة ولّدت حزناً وألماً في قلب كلّ من عرف "نديم"، أو أشبع عينيه من ابتسامته.

وأي شهادة! فنديم لم يمت؟ ولو غاب جسده عن المنزل إلى الأبد، فلن تغيب طيبته وحنانه اللّذان لم يحرم والدته جورجيت منهما حتى بعد استشهاده.
هو الملازم أول الشهيد نديم سمعان الذي خرقت رصاصة الغدر والغدّارين رأسه بعد أيام قليلة من تخرّجه من الكلية الحربية، فكانت الرصاصة أقوى من صليبه، الذي كان يستمدّ منه قوة وشجاعة، وأودت بحياته في الواحد والعشرين من عمره، وذلك في احدى معارك الشمال الشرسة التي انتهت باجهاز الجيش على المربع الامني للارهابي خالد بلحص.
لن يكون يوم ٢١ آذار هذه السنة شبيهاً بأيام عيد الام التي سبقت، بالنسبة إلى جورجيت سمعان. فعندما سألتها في مقابلة معها في منزلها في الدوار، المتن الشمالي، "كيف كانت تمضي عيد الام مع زوجها ونديم وابنتها نور"، أجابت بعفوية مطلقة: "كنت دائماً انتظر مفاجأة جديدة ومميّزة من نديم ونور في عيد الأم"، وتنظر إلى عقد تلبسه وتقول: "هذه كانت آخر هدية من نديم، عقد محفور عليه اسمه واسم شقيقته نور، مع باقة ورد جميلة جداً"، وتضيف: "لو كنت عارفي هيك رح يصير، لكنت احتفظت فيها وخلّيتها تدبل وتيبس حدي".

"كان يحملني"

تحاول جورجيت أن تمسك نفسها لتكمل وتقول: "أجمل شي عندي في مثل هذه المناسبات، حين كان يحملني نديم ليعبر عن فرحه أو اشتياقه، وأنا صرخ، يا نديم نزلني، عيب يا ماما". وتضحك ضحكة خجل واشتياق، وكيف لا؟ فهي لن تنعم بلحظة "الأم المدلّلة" بعد اليوم.
تنظر نظرة خيبة وأسف وتقول: "نعم أشتاق لحنان نديم الذي لا يوصف، فقبل أيام قليلة من استشهاده، دخل ورأى الدموع في عينيْ فمسحها بيديه وقال لي: "ما بدّي شوفك عم تبكي يا ماما، ما بتعرفي ادّيه دموعك غاليين عليّ". تمسح دموعها وتقول: "بدي إعتذر منّك يا ماما، بس مش بإيدي، نحنا بالنهاية ضعاف قدام الواقع."
تمسك نفسها من جديد وتتابع: "نديم معي من أول ما استشهد، كان عم يسهلّي كل اموري ويساعدني أوقف على إجريي، وبدي إلو لنديم إنو أحلى هدية لإلي هيدي السنة، إني أعرف مين العسكري اللي كان معو لحظة استشهادو، بدي أعرف شو كانت كلمات نديم الأخيرة قبل ما استشهد".
ليت هذه الأمنية تكون هدية نديم لوالدته بعيد الام هذه السنة، فليس من هدية أخرى تخفّف من جرح، سببه إرهاب ونتيجته أبدية.

لحظة الوداع
وكأن نديم يعرف أن ساعته حانت فأبى أن ينزع صليبه من عنقه حتى ولو كان الأمر مخالفاً لقانون المؤسسة التي ينتمي إليها. فعند استشهاده، بقي صليبه كما هو، ولكن ملطخاً بدم الشرف والوفاء. هكذا احتفظت جورجيت بصليب نديم بعدما رأته للمرة الأخيرة في المستشفى العسكري، وتقول: "كنت أعلم أنه كان بانتظاري لأودّعه، فتخطّيت كل الصعوبات وتمكّنت من رؤيته، وكانت عيناه ما تزال تراني".
لم تكن لحظة الوداع كغيرها، فختمت جورجيت بالقول: "رافقته وهو في طريقه إلى الحياة، فكيف أتركه وهو في طريق العودة، فمثلما حملته لمدة تسعة أشهر، ودّعته حاملة نعشه لمدة تسع دقائق".

Digital solutions by