Digital solutions by

اعترافات أم "أنانية"

19 آذار 2015 | 23:14

المصدر: "النهار"

"أكره عيد الأم ومن اخترعه ومن يعايد فيه، رغم أنني لست عانساً ولم يحرمني الله من الأولاد، بل لأنني أم لفتاتين وولدين، وقرّرت أن انفصل عن والدهم وفصلهم عن حياتي". بقهر عميق من زمن "لئيم" تحدّثت سيلين عن قصتها التي طُبع ما يشبهها في روايات عديدة، وإن تغيّر الأبطال وأجري تعديل بسيط على السيناريوهات.
هي التي أنجبت ابنها الأول قبل العشرين، بعد أن ارتبطت وهي في سنٍّ صغيرة "لن أنسى ذلك اليوم، بوجعه قبل فرحه، ولن أنسى الألم الذي شعرتُ به قبل أن يبصر كريم النور. كدتُ ألفظ أنفاسي الأخيرة، قبل أن يخرج الى الحياة ويلتقط أنفاسه الأولى. الأمر تكرّر مع الباقين، لكن اليوم أين هم؟ أين من خرجوا من أحشائي وتسبّبوا بآلامي؟ أين الذين أحببتهم قبل أن أراهم؟".


دخول "السجن"
ببريق عينين تجمّد الدمع فيهما، تحاول سيلين أن تستيعد شريط الذكريات، فهي التي كلّفها انفصالها عن زوجها فاتورة باهظة "لم أتصوّر يوماً أني سأحرم من أولادي، لا بل لم أُفكر أن انفصل عن زوجي على الرغم من انني لم أحبّه يوماً". وشرحت: "ارتبطت وإياه بطريقة تقليدية، ولم يرغمْني أحدٌ على الزواج به، لكني كنت صغيرة، وأغرتني فكرة الاستقلالية، فالحرية كما اعتقدت حينها هي في ان أصبح ربّة منزل استيقظ متى أشاء وأنام متى يحلو لي، لا دراسة ولا امتحانات، بل أصدقاء ونزهات. لكن بعد سنين شعرت انني دخلت الى سجن كبير مع رجل لا يعني لي شيئًا لا من قريب ولا من بعيد. لم أُبادله الحب الكبير الذي كان يكنّه لي، رغم ان معاملته لي كانت أكثر من ممتازة، حتى إن أصدقائي كانوا يتعجّبون من مقدار حرصه على سعادتي والحرّية الكبيرة التي منحني إياها".


انتفاضة على الواقع
بالاضافة الى كريم (14 سنة) رزقت سيلين بـ لمى (13 سنة) وسعيد (9 سنوات) ومهى(7 سنوات)، "كنا عائلة ميسورة نعيش حياة هادئة روتينية الى أن انتفضت على واقعي. قرّرت أن أعمل فأنا لم أُخلق يوماً لأنظّف منزل وأطبخ وأدرّس. بحثت عن وظيفة بعد أن أكملت تعليمي وحصلت على شهادة جامعية في المحاسبة".
لا تدّعي سيلين (33 سنة) أنها والدة نموذجية "لم أشعر يوماً أني أمّ بكل ما للكلمة من معنى، علاقتي بأولادي كانت علاقة صداقة حتى إنهم ينادوني باسمي، لا أنكر أني في أماكن معينة كنت أنانية، وأعطي من وقت أولادي لعملي لكن مع هذا فأنا عاطفية وحنونة".
بعد سنوات من الارتباط ومن دون سابق إنذار تسرّب الشكّ الى زوج سيلين عن وجود شخص ما دخل حياتها "أسبوعان فقط، لم احتمل أكثر، لم يعد في استطاعتي أن أُمسك هاتفي على الرغم من أن شكّه لم يكن في محله، وبما أني أؤمن بمقولة عندما تموت الثقة لا يمكن إحياؤها، انفصلت عنه وابتعدت ولم أبالِ بمحاولاته وعائلته تصحيح الأمور، بل على العكس شعرت ان هذه المشكلة كانت سبباً في فتح باب السجن وخروجي، ومن يعود الى القفص بعد أن ذاق طعم الحرّية!".


تحريض وحقد
كان شرط سيلين الوحيد عند الطلاق أن ترى أولادها ساعة تشاء وهذا ما وقّع عليه الوالد، لكن مع مرور الوقت "اتّبعت عمّتهم ومعها والدهم سياسة تحريضهم وبثّ الكره في قلوبهم، فأصبحوا يرفضون رؤيتي، لا سيما مهى وسعيد اللّذان تشرّبا حقد العمة بعد أن أخذت على عاتقها تربيتهما، أما لمى فنسخة مصغرة من لؤمها. رغم الجهود التي بذلتها لتقريب المسافات بيننا، كانت تمطرني بحقد تجمّع في غيوم كراهية عائلة والدها كلها، حتى قبل الطلاق كانت تحرّضهم عليّ، وكنت أشعر بفجوة كبيرة بيننا لم أستطع أن أردمها لا بل للأسف تمّ تعميقها مع الوقت بأيدي أناس لا يرحمون".


مقاومة الجفاء
كريم هو الوحيد الذي يتواصل مع والدته بشكل دائم، و"على رغم قرب المسافات بيننا إلا أننا لا نتقابل كثيراً، اذ يقتصر الأمر على رسالة اطمئنان يومية عبر الواتساب، فوالده يمنعه من زيارتي بحسب ما أبلغني، لكن لو أراد فعلاً أن يراني بإمكانه القيام بذلك بكل سهولة، فهو يمرّ من أمام منزلي ولا يكلّفه الصعود سوى بضع دقائق من وقته، أما أنا فأحاول أن أمنع سيطرة الجفاء على علاقتنا".
على الرغم من كل ذلك توقّعت سيلين أن تتلقّى معايدة من أولادها في عيد الأم الماضي، لكن حتى كريم لم يتذكّرها "لا أصدّق وجود ولد في هذا العالم، لا يحبّ أن يرى والدته ويهنّئها في هذا اليوم، لومي على العمّة، لا أعلم بماذا تشعر حين تفرّق أولاداً عن حضن أمهم".


"غصة" ولكن
قد يعتقد من يقرأ ان العمّة ليس لديها أولاد، لكن في الحقيقة لديها طالبان في الجامعة، وهي بطبيعتها امرأة متسلطة، يخشاها زوجها وأشقاؤها الى درجة انهم لا يستطيعون مناقشتها، فالقاعدة التي تتبعها معهم نفّذوا من دون اعتراض"، وفق سيلين.
وختمت "كل ذلك لا يعني أني لا أعيش حياتي بفرح وتفاؤل وأمل بمستقبل أجمل، نعم أشعر بغصّة كلما تذكّرت الأمر، لكن الحياة جميلة لا تقف عند عتبة أحد، وما يريحني أكثر أني لم ابتعد عنهم ولم أوصد الباب في وجههم، متى أرادوا التواصل معي سيجدونني، لكن لست أنا من يضيع وقته بالانتظار!".

Digital solutions by