Digital solutions by

"داعش" يبيد الحضارة...خبراء أثار يروون لـ"النهار" مشاهداتهم في فيديو الجريمة

27 شباط 2015 | 18:48

المصدر: "النهار"

حتى الحجر لم يسلم من إرهاب تنظيم "الدولة الاسلامية"، فأقام الحدّ على الحضارتين الآشورية والحضر، مدمراً تماثيل وآثار شعوب تعود إلى 1200 عام قبل الميلاد، بحجة أنها "أصنام للعبادة"، في وقت سأل البعض عن مصير القطع الحجرية والتماثيل التي لم تعرض، خصوصاً أنه بات مفضوحاً سرقة "داعش" الآثار لبيعها وتهريبها.


متحف وموقع

عالمة الآثار جوان فرشخ بجالي المتخصصة بفترات الحروب، تابعت الفيديو، وأوضحت لـ"النهار" أن "داعش عرضت صور موقعين، الأول داخل المتحف، والثاني هو موقع في مدينة نينوى الأثرية". يتضمن المتحف قطعاً أثرية منها ما هو أصلي ومنها ما هو مستنسخ ويتواجد الأصل في متحف بغداد، وصوّرت "داعش" قاعة الحضر وجزءاً من القاعة الآشورية، وغالبية التماثيل التي دمّرها صخرية تعود إلى حضارة الحضر، فيما لا يزال مصير قاعة الحضارة الإسلامية مجهولاً"، بحسب بجالي التي تذكّر بأن "الحضر شعوب تعود إلى 300 سنة قبل الميلاد، وآثارها غير موجودة إلاّ في شمال العراق".
أما الموقع الأثري، فهو موقع في مدينة نينوى الأثرية "عاصمة الملك سنحاريب"، وبحسب بجالي دمر فيها "داعش بوابة نركال التي تعود إلى 1300 قبل الميلاد، ودمروا داخل الموقع قسماً من قاعات الملك سنحاريب"، مشيرة إلى ان "التماثيل في الموقع مصنوعة من الرخام الأخضر الموجود فقط في الموصل".


الثور المجنّح
وتقول: "شمال العراق هو موقع حضارات لا مثيل لها، كحضارة الحضر، وكل خسارة فيه تكون خسارة للبشرية بأكملها وليس للعراق فحسب، لأن لا مكان آخر لوجودها وهي خسارة لا تعوّض"، وشددت على أن "هذه الآثار ليست أصناماً للعبادة بل هي تماثيل فنية، وليس هناك بين التي دمّرها أي تمثال لآلهة، انها فن وتماثيل لأشخاص من مدينة الحضر.
أما في الموقع الأثري فهي شخصيات ميثولوجية مثل الثور المجنّح. أما ما كسر داخل الموقع فهو في قاعة الملك سنحاريب، وفي حال كان هناك من يعبدها، فإن ذلك كان قبل الاسلام الذي لا يسمح بفعل هذا". وتذكّر بأن حماية الآثار تعتمد على "اتفاقيات دولية مثل اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في فترات النزاع المسلح التي لا تعترف بها "داعش"، واتفاقيات تفرض على الجيش الذي يحتل دولة اخرى حماية الممتلكات الثقافية، لأن تدميرها يعني محو شعوب وثقافة وتاريخ".

الأستاذة في علم الأثار أمال بريدي تحدثت لـ"النهار" عن مشاهداتها في الفيديو، وقالت: يُظهر شريط الفيديو صالة عرض كبيرة تتناثر فيها أجزاء التماثيل المحطّمة، فيما تُسمَع أناشيد إسلامية في الخلفية. تم تحطيم تماثيل من الحضر ونينوى. بعد تفجير المكتبة العامة في الموصل وحرق عشرة آلاف كتاب وأكثر من سبعمئة مخطوطة نادرة تعود إلى خمسة آلاف عام ق.م، حطّم المتطرفون بعض التحف والآثار التي تعود إلى القرن السابع ق.م. لأنها تروّج لعبادة الأصنام،  وللقضاء على الهرطقة كما يسمّونها. فقد قال الرجل المجهول الهوية الذي يظهر في شريط الفيديو الذي بثّه تنظيم "الدولة الإسلامية": "إن ما يسمى بالآشوريين والأكاديين وغيرهم كانوا يتخذون آلهة للمطر وآلهة للزرع وآلهة للحرب، يُشركون بالله". وقد حطّم متطرفو "داعش" التماثيل بالكامل، وكذلك تمثال الثور المجنّح الآشوري في متحف نينوى في الموصل والذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع ق.م.
وأردفت: "تضم المنطقة الخاضعة لسيطرة "داعش" في العراق نحو 1800 موقع من أصل 12000 موقع أثري مسجّل في البلاد. حضارتهم هي حضارة المطرقة! إنها خسارة مريعة وإرهاب ثقافي مشين".

يخالف روح الإسلام
رئيس نادي آثار طرابلس باكر صديق وصف تصرّف "داعش أكبر جريمة ارتكبت في حقّ الحضارة"، مضيفاً: "يقول داعش ان هذه أوثان للعبادة، لكن ما قام به يخالف روح الاسلام لأن ما يتحدثون عنه مرّ عليه صحابة وخلافات إسلامية ولم يأمر أحد بهدمها أو إزالتها"، متسائلاً: "هل تبرير داعش يعني أنه سيدمر الأهرام الفرعونية في مصر؟" 

لدى صديق أيضاً معطيات بأن محتويات المتحف ليست أصلية بأكملها، لكنه يؤكّد أنه "من أهم المتاحف في العالم، وفيه قطع من الحضارة الآشورية"، داعياً إلى "حملات مدنية، خصوصاً من المثقفين في العراق لحماية الآثار، أكان من خلال حمايتها او نقلها لحفظها، وهذا يجب ان يكون جهدًا محليًّا، لأنه لا بد من المحافظة على ما تبقى من إرث حضاري لديهم".

 

سرقة تلال أثرية
أما الخبير في الآثار علي بدوي فيذكّر بأن "داعش أساساً لا يهتمّ بالتاريخ الإنساني او الحضاري ويحوّل الآثار في العراق إلى مصدر للدخل عبر تهريبها، فما شاهدناه في الفيديو هو الواجهة في متحف الموصل، حيث حطموا بعض التماثيل التي هناك لها نسخ في العراق، باستثناء المجنّحَين الكبيرَين اللّذين استخدموا ادوات لتكسيرهما، لكن المستغرب انهم لم يعرضوا لنا صوراً عن القطع الصغيرة ويبدو انهم استولوا عليها".
ويرى أن "المشكلة لا تتوقف على متحف الموصل، ففي محيط نينوى عاصمة الدولة الآشورية، عشرات التلال الأثرية التي لا تزال غير منقبة وغير ممسوحة واليوم يتم التنقيب من أجل السرقة. وأصبحنا نرى الآثار العراقية في الاسواق الخارجية، فضلاً عن وصول بعضها الى دول عربية منها لبنان الذي أعادها إلى الحكومتين العراقية والسورية"، محذراً من "عمليات السرقة من تجار وأخرى من داعش".
ويؤكد ان "خسارة تماثيل يعني خسارة أثر إنساني، وآثار تعود إلى فترة إنسانية سابقة، تُركت لنا وأصبحت ملكية مشتركة، وبضربها نفتقد جزءاً من التاريخ الإنساني المشترك والذاكرة الجماعية للشعوب والاوطان"، معتبراً أن "حماية الآثار تعتبر من أصعب المهمات، ولا بدّ من إغلاق قنوات التصدير للخارج، وأن تتعامل الحكومات بحزم مع الموضوع وتوقف الناس الذين يورّدونها، لأن ذلك من شأنه أن يخفف السرقة وليس توقيفها بالكامل".

 

 

 


mohammad.nimer@annahar.com.lb
Twitter: @mohamad_nimer

Digital solutions by