Digital solutions by

الزواج المدنيّ خير من السِفاح

19 شباط 2015 | 00:00

قرأت للمحامي عبد اللطيف فاخوري مقالة بعنوان: الزواج المدنيّ لا يمرّر خلسةً ("قضايا النهار"، 7/2/2015)، وفيه أنّ رأي الهيئة الاستشاريّة العليا في وزارة العدل الذي أجاز عقد الزواج المدنيّ في لبنان لمن لا ينتمون إلى الطوائف، غير قابل للتطبيق.

حاول صاحب المقالة البرهان على رأيه، وإذا هو لا يكاد يصنع شيئاً سوى تكرار ما جاء في رأي هيئة التشريع والاستشارات، السابق لرأي الهيئة الاستشاريّة العليا ذاك، والمفترض أنّه منسوخ به، والمتجاهَل كليّةً من صاحب المقالة، مع الإيهام، عن غير قصد، على الأرجح، أنّ القول بعدم قبول رأي الهيئة العليا للتطبيق جزء من ذلك الرأي، وهو ليس كذلك.
ومع اعتقادي بأنّ إثارة موضوع الزواج المدنيّ ليس في محله الآن، ومع تأكيدي أنّني لست من رجال القانون، خلافاً لكاتب المقالة المشار إليها، فإنّني كمفكّر معنيٍّ مثل كل اللبنانيّين بهذا الموضوع، أودّ أن أحاول رأياً علميّاً فيه وفي المقالة، وليس اتخاذ موقف منهما.
المعروف بداهة، في مجال القانون، أنّ الرأي المتأخّر الصادر عن هيئة عليا، يلغي الرأي المتقدّم الصادر عن هيئة أدنى منها؛ فرأي محكمة الاستئناف يلغي رأي محكمة البداية إذا خالفه؛ ورأي محكمة التمييز يلغي رأي محكمة الاستئناف إذا خالفه. ولا يحسن بأيّ من المتداعين، ولاسيّما وكلائهم، أن يستند إلى رأي المحكمة الدنيا والأدلة التي اعتمدت عليها لتسفيه قرار المحكمة العليا، وإلّا كان كمن يتّهم المحكمة العليا بعدم النظر الجدّي في القضية المنظورة. فمن هذه الناحية الشكليّة يبدو رأي صاحب المقالة موضع نظر.
ومن الناحية الموضوعيّة يبدو رأي الهيئة الاستشاريّة العليا أكثر إقناعاً من ر أي هيئة التشريع، وهو أشبه بتفنيد له:
1 - فقد أفتت هيئة التشريع بأنّ إخضاع اللبنانيّين للحقّ المدنيّ، في شأن أحوالهم الشخصيّة، يستوجب صدور قانون خاصّ، وهو لم يصدر حتّى الآن؛ فأجابت الهيئة العليا بأنّ الأصل هو الإباحة والمنع هو الاستثناء، وليس في التشريع اللبنانيّ نصوص تمنع عقد الزواج المدنيّ في لبنان لغير المنتمين إلى الطوائف، كما أنّ القانون اللبنانيّ يعترف بالزواج المدنيّ المعقود في الخارج، فمن الأولى أن يعترف بالمعقود منه في لبنان، وذلك تطبيقاً لحريّة المعتقد المؤكّدة في الدستور، ولعدم تشجيع فكرة المداورة على القانون واللجوء إلى خارج لبنان لعقد زواج مدنيّ. ثمّ إنّ إقرار مبدأ الزواج المدنيّ في لبنان من شأنه أن يثبت القاعدة القائلة بأنّ القضاء المدنيّ هو القضاء العاديّ المختصّ في النزاعات الناشئة عن الزواج المدنيّ، سواء عُقد في الخارج أو في الداخل. ولغياب قانون مدنيّ لبنانيّ للزواج وآثاره كان "لا بدّ من العودة إلى مبدأ حريّة الإرادة، وبالتالي حريّة الزوجين في أن يعيّنا في العقد المبرم بينهما القانون المدنيّ الذي يختارانه ليرعى عقد زواجهما بالنسبة إلى آثار الزواج كافّة".
2 - وأفتت هيئة التشريع بأنّ عقد الزواج "ليس من السندات المحددة في قانون الموجبات والعقود"، ولا "من العقود المسمّاة أو غير المسمّاة، لذا لا اختصاص وظيفيّاً لكاتب العدل فيه"، فضلاً عن أنّ القانون يَعُدّ باطلاً كلّ عقد زواج لمسيحي أو يهودي أو مسلم أجري أمام مرجع مدنيّ كالكاتب العدل. فتردّ الهيئة العليا بأنّ من صلاحيات الكاتب العدل تنظيم الأَسناد المنصوصة في قانون الموجبات والعقود والتصديق عليها، "وبصورة عامة على كلّ سند لا يمنعه القانون، أو لا يكون حصراً بموجب نصّ خاص من صلاحية موظف عام آخر"؛ وعقد الزواج من تلك الأَسناد. و"ليس من حصريّة للمحاكم الدينيّة لإبرام عقود الزواج في لبنان إلّا في المسائل التي تدخل في اختصاصها تحديداً".
واضح من مطالعة الهيئة العليا أنّ الدولة اللبنانيّة حين نزلت عن "صلاحيّات التشريع في الأحوال الشخصيّة للطوائف" وفق تعبير صاحب المقالة، لم تنزل عن صلاحيّاتها لمن هم خارج تلك الطوائف؛ كما أنّ تسجيل الزواج المعقود لدى الكاتب العدل في قيود النفوس ليس تسللاً مخالفاً للقانون، خلافاً لرأي صاحب المقالة، بل هو إجراء قانونيّ صحيح، مادام العاقدَان غير منتميَيْن إلى إحدى الطوائف، وأنّ الأمر لا يحتاج إلى إنشاء طائفة عشرين لأولئك، وفق ما يوحيه صاحب المقالة، من أجل إقرار حقوقهم المدنيّة.
ويمكننا أن نزيد على ذلك أنّ الزواج في الإسلام عقد مدنيّ شخصيّ لا يحتاج، في أصله، إلى سلطة دينيّة أو مدنيّة، بل يكفي فيه الرضا الواضح والمؤكَّد من العاقدَيْن (الخاطب والمخطوبة أو وليّيهما) وحضور شاهدين فصّل الفقهاء شروطه، وأوجبته مذاهب واستحسنته أخرى. وأمّا المحاكم الشرعيّة فهي بدعة حسنة أريد بها تنظيم الأحوال الشخصيّة وفض النزاعات المتّصلة بها، والمساعدة في تنظيم سجلات النفوس بعد أن كثر الناس، وإن كان بعض المجتمعات القبليّة لا يزال يعوّل على أولئك الحكام تعويلاً كبيراً. لكنّ بدعة المحاكم الشرعيّة على نفعها لا يمكن أن تنفي الأصل، وهو حقّ الرجل والمرأة في أن يعقدا زواجهما بوجود شاهدين فقط. وقد أجاز بعض المذاهب الإسلاميّة السنيّة والشيعيّة صحّة العقد بغير وجود وليّ للمرأة، إذا كانت بالغة عاقلة.
أمّا الشرطان الدينيّان الوحيدان في الزواج الإسلاميّ فأوّلهما الامتناع من الزواج بالنساء المحرّمات، وثانيهما انتماء الشاهدين الدينيّ.
ولذلك لا شيء يمنع، في أصل الشرع، عقد الزواج في أيّ مؤسّسة قانونيّة فرديّة أو عامّة، ومنها مكاتب الكتاب العدول.
ونزيد أيضاً أنّ الدولة المدنيّة هي نقيض الدولة الدينيّة، وتقوم على مبدأ المواطَنة التي لا تمييز فيها بين ابناء الوطن دينيّاً ولا عرقيّاً ولا ما أشبه ذلك، وبالتالي لا يكون فيها للكهنوت أيّ سلطة، خارج إطار التنظيم الخاصّ برجال الدين أنفسهم. فلبنان بهذه المثابة دولة مدنيّة. أمّا المحاكم الشرعيّة، وهي تكاد تكون الاستثناء الوحيد على الحكم المدنيّ في لبنان، فهي تحتاج إلى المؤسّسات المدنيّة (مجلسي الوزراء والنواب ورئاسة الجمهوريّة) لإقرار قوانينها، فهي جزء من الحكم المدنيّ، ووجودها ليس شرطاً للزواج وتنظيم الأحوال الشخصيّة في الإسلام، فهي أمر اجتهاديّ. والزواج المدنيّ أَدْخَلُ في طبيعة الدولة المدنيّة من الزواج الدينيّ، ولا يجوز منعه بأيّ صورة من الصور وإلا كان ذلك نقضاً لطبيعتها، بل يجوز التوفيق بينه وبين الزواج الدينيّ، عملاً بحريّة الاعتقاد؛ أي إقرار ما سمّي بالزواج المدنيّ الاختياريّ، والأصح أن يسمّى بالزواج الاختياريّ فحسب، لأنّه اختيار قائم بين المدنيّ والدينيّ.
ومن الغريب أنّ الدولة اللبنانيّة رفضت، كما جاء في بعض وسائل الإعلام، أن تسجّل في قيود النفوس أولاد من أجروا عقود زواج مدنيّة في لبنان، مع أنّ القانون اللبنانيّ يعدّ كل مولود من أب لبنانيّ لبنانيّاً، ويمنحه حقّ التابعيّة اللبنانيّة وإن كان غير شرعيّ، فكيف إذا كان ثمرة زواج مدنيّ؟ ولذلك فإنّ من التعنت الفاحش رفض التسجيل المشار إليه. أمّا الإشكالات القانونيّة الناشئة عن آثار ذلك الزواج، فتُحلّ وفق القانون الذي اختاره العاقدان.
هذه ليست دعوة إلى الزواج المدنيّ، ولا تسفيهاً للمقالة موضوع الردّ، بل تفضيل لذلك الزواج على السِفاح (المساكنة غير الشرعيّة) لأنّه أدعى إلى الانتظام؛ وهي كذلك نظرة واقعيّة إلى أشخاص يرفضون الانتماء إلى الطوائف الدينيّة، في دولة غير دينيّة، تحترم اختلاف العقائد والأديان.

استاذ جامعي

Digital solutions by