Digital solutions by

دخلت المُشرفة إلى الغرفة ورأت الدماء على السرير: هذه قصة طارق

9 شباط 2015 | 12:17

المصدر: "النهار"

لم يعرف طارق والديه اللذين تطلقا وهو صغير. أمه سافرت تاركة إياه وشقيقته، في حين أنَّ والده لا يزال قابعاً في السجن منذ سنوات. فوجد طارق نفسه في سن التاسعة داخل جدران دار أيتام، لم يعرف أنَّه سيعيش داخلها معاناة سترافقه طوال حياته. في دار الأيتام كبر طارق وانتقل من قسم إلى آخر. لم يكن هناك من خصوصية فردية للشخص إذ إنَّ 15 طفلاً آخر يشاركونه الغرفة نفسها بحسب قوله. يخبر طارق قصته التي مرَّ عليها 10 أعوام قائلاً: "في عمر الـ 9 سنين وصلت إلى قسم دار السعادة الموجود في دار الأيتام، بدأت أتعامل مع أطفال يكبرونني سناً، بطبيعة الحال في هذا العمر كنت أخاف منهم خصوصاً من تراوح أعمارهم بين 14 و 17 عاماً".

رأت الدماء ولم تسألني

يخبر طارق متنهداً عن قصته "في الأسبوعين الأولين لانتقالي إلى هذا القسم كان الوضع طبيعياً، إلا أن الحال تغير في أحد الليالي حيث كنت نائماً، فاقترب مني ثلاثة شبان. واحد منهم وقف إلى جانب باب الغرفة، في حين أغلق الثاني فمي وأمسك بيدي والثالث قام بالتحرش بي، في تلك الليلة المشؤومة تناوب ثلاثتهم عليَّ. لم أستطع تحمُّل ما جرى، لم أتمكن من النوم وشعرت بالاختناق. في اليوم التالي، دخلت المُشرفة إلى الغرفة ورأت الدماء على السرير، لم تسألني وأنا لم أتجرأ على التكلم عما جرى. كانت توقظنا للذهاب إلى المدرسة يومذاك لم أستطع المشي بسهولة، وكل من كان يسألني عن حالي كنت أجيبه بأنَّ قدماي تؤلمانني. القصة لم تنتهِ مع بزوغ فجر يومٍ جديد، بل راحت تتكرر طوال خمسة أعوام. في الفترة الأولى كنت أقاوم ولاحقاً استسلمت للأمر. وبتُّ اتنبَّه إلى أنَّ هذه الحادثة تحصل مع آخرين غيري ولكنني لم أكن أخبر أحداً. الآن أفكر بأنَّه من الممكن أن يكون الطلبة الآخرون في الغرفة نفسها قد شاهدوا ما حصل لي لكنهم ارتأوا الصمت".

أين الله مما جرى معي؟

يلقي طارق باللوم على كثيرين أولهم والداه اللذان تخليا عنه، ثم المسؤولين عنه في دار الأيتام ثمَّ الحياة "أنا ألوم أهلي لأنهم مسؤولون عما حصل لي، أمي لا أعرفها يقولون إنها سافرت وتركتنا وتزوجت، والدي لا يزال في السجن لغاية اليوم. لا أعرف ظروفهم ولكنني ألومهم، كيف لهم أن يتركوني من دون أن يطمئنوا إليَّ، لغاية اليوم أطرح أسئلة عدَّة على نفسي لا أجد لها إجابات. كما ألوم إدارة دار الأيتام التي يبدو أنها تعلم بكل ما يجري داخل جدرانها ولا تحرك ساكناً. "لمَ أنا؟"، في الحياة نصيب وقدر، ولكن لماذا بهذه الطريقة، أحياناً أسأل نفسي أين الله مما جرى معي؟ هل يقبل الله أن يتعرض أطفالاً للتحرش والضرب والإهانات في سن الـ 9 سنين؟ هذا ظلم!".

يرجع طارق في الذاكرة إلى الوراء من جديد "هربت في سن الـ 14 من دار الأيتام وذهبت إلى منزل جدَّتي التي سألتني كيف أتيت وكيف هربت، لم أخبرها بما حصل معي. جئت إلى منزل جدتي حيث كانت تعيش شقيقتي التي تبلغ حالياً 27 عاماً، وهي متزوجة. أشكر الله أنهم لم يقبلوا بدخولها إلى دار الأيتام لأنها كانت تبلغ يومها 8 سنوات فبقيت في منزل جدَّي، الحمدلله على هذا إذ لا أعرف ماذا كان من الممكن أن يحصل معها. في سن الـ 17 قررت التكلم وإخبار صديق لي عن قصتي. ثمَّ لجأت إلى الدار مجدداً لمساعدتي، استقبلني المدير الجديد بعد رحيل المدير السابق الذي أحمِّله مسؤولية تغاضيه عن ما حصل معي، حيث كنت أتمنى الموت يومياً. أخبرته عن قصتي وهم كانوا يعرفون التفاصيل كلها، فأمَّن لي عملاً، لكنه رمى التهمة على الأطفال لا على الإدارة. بعد مدَّة عندما انتشرت قصتي أكثر طلب مني أصحاب العمل الذين هم على صلة وثيقة بإدارة الدار تقديم استقالتي".

أريد أن آخذ حقي

يتابع طارق: "لا ألوم فقط من تعرضوا لي إذ من الممكن أن يكونوا هم أيضاً ضحايا، لا أعرف دوافعهم ولا يمكنني لومهم. نشأت لديَّ مشكلات نفسية كثيرة، لكن المسؤولين في الدار اعتبروا أن الذنب لا يقع عليهم، وليس باستطاعتهم القيام بأي شي، وضعوا كاميرات لاحقاً، ولكن الإجراءات بقيت شكليَّة. الأمر أثَّر في ميولي، فلم أعد شاباً يعيش حياةً جنسية طبيعية. أخضع لعلاج حالياً لدى اختصاصية نفسية وأملك إرادة للخروج من هذه الحال، ولكن لا أعرف كيف يمكن أن تتغير حياتي. أرغب في أن أعيش مثل أي شاب وأن أتعرف إلى فتاة وأرتبط بها. حاولت الاختصاصية النفسية التي وضعتها الدار لي أن تجعلني أنسى ما حصل، كانوا يقولون لي "يجب أن تنسى ما حصل معك"، لا يمكنني ذلك إذ إنني لم أسترجع حقي بعد". ويضيف: "أرغب في السفر إلى الخارج والبدء بحياة جديدة، ولكن لا يمكن ذلك من دون أن أجعل الآخرين يدركون أن أطفالاً كثراً لا يزالون يتعرضون لهذا الأمر، خصوصاً بعدما التقيت منذ مدَّة بمشرفة تعمل في الدار وأخبرتني عن بعض الحوادث الجديدة التي تحصل مع أطفال في سن العاشرة من دون أن يحرك أحد ساكناً. بعد كلامها بقيت 3 أيام وأنا أفكر إلى أن قررت أنه من الضروري الإفصاح عن كل ما يجري ومحاكمة كل من يتستر على جريمة كهذه. في السابق، لم يسمعني أحد، ولم يتحرك أحد، حتى وزارة الشؤون الاجتماعية والمجلس الأعلى للطفولة اللذان أخبراني أن ليس بإمكانهما التحرك إذ إن مسؤولياتهما محدودة. لست أتكلم باسمي بل باسم أولاد كثر، فأملي أن يصبح هناك قانون يحمي هؤلاء الأولاد في دور الرعاية كلها حيث هم عُرضة للانتهاكات. ويجب إقرار قانون يمنع فصل الأولاد عن أهلهم، إذ إنَّ غالبية الأطفال في دور الأيتام فقراء لا أيتام. أما على الصعيد الشخصي آمل بأن آخذ حقي من الدولة ثم من دار الأيتام التي لم تتحرك أو تتخذ أي إجراءات".

الهوية الضائعة والانحراف

تلفت المعالجة النفسية ريما دروبي في حديث لـ "النهار" إلى أنَّ "التعرض للتحرش أو الاغتصاب في سنٍ صغيرة له تأثير سلبي على الضحية ويؤدي به إلى انحراف جنسي وإلى هوية جنسية ضائعة. ويمكن أن يقوم الضحية بالفعل نفسه مع شخص من جنسه عندما يكبر فيمثل دور الجلاد، من باب العدائية تجاه الغير والانتقام لنفسه. أو من الممكن أن ينزوي ويشعر بالضعف والتناقض. ويعيش في صراع لفترة، خصوصاً أنه في الصغر لا يفهم حقيقة الجنس، فإذا تقدم له شخص من الجنس نفسه، وتعرف إليه بوقت نموه، سترسخ هذه الصورة في ذهنه، بعيداً من الصورة الطبيعية المعتادة في المجتمع، حينها نعرف أنه يعيش حالاً انحرافية". وتتابع: "يقدم علم النفس علاجاً تحليلياً يرجع الضحية إلى ماضيه بحثاً عن هويته الحقيقة، نطلب منه العودة في الذاكرة إلى تلك الفترة الصعبة، إلاَّ أنَّ الأمر ليس سهلاً ويتطلب وقتاً. وهنا نلفت إلى أنَّ الإنسان لا يولد مثلياً جنسياً بل قد يولد مع أعضاء جنس آخر وهنا يكون الخلل بيولوجي، إلاَّ أنَّ غالبية من يأتون إلى العيادات للعلاج تعرضوا لتحرش جنسي منذ صغرهم من رجال، وهم ضحية غياب وعي الأهل وتفهمهم لهوية الولد، إذ إن دور الأهل مهم في كيفية أداء أدوارهم والتواجد في حياة الطفل بطريقة صحيحة. ومع العلاج يمكن أن يتصالح الشخص مع نفسه إذا أراد ذلك، إلاَّ أنَّ كثراً يأتون إلى العيادات غير مقتنعين بضرورة العلاج بل جراء إجبار أهلهم له، ومن تغيب الإرادة الشخصية لديه بالتغيير سيفشل في العلاج ومن المستحيل أن يشفى، وقليلون هم من يأتون من تلقاء أنفسهم، هؤلاء يكونون حقاً منزعجين من وضعهم ويلجأون إلى العلاج بحثاً عن إمكان الاندماج في المجتمع".

 

Digital solutions by