Digital solutions by

غوصٌ في طفولة سعيد وشريف البائسة

19 كانون الثاني 2015 | 21:57

المصدر: Reporterre- ترجمة نسرين ناضر

الأخوان كواشي.

كيف كانت طفولة الجهاديَّين شريف وسعيد كواشي اللذين قتلا الصحافيين ورجلَي الشرطة في الهجوم على أسبوعية "شارلي إيبدو"؟ يكشف تقرير نشرته مجلة Reporterre النقاب عن طفولة "بائسة" عاشها الشقيقان في مبنى شعبي في الدائرة 19 في باريس.

لقد تعرّفت إفلين التي كانت تقطن في حي 156 في شارع Aubervilliers على الشقيقين كواشي، وعادت بالذاكرة إلى الثمانينات: "هنا، كنا نعيش بين فقراء. وبعد مرور بضع سنوات، كان معظم الأشخاص ينتقلون للإقامة في مكان آخر. نحن قرّرنا أن نبقى كي نغيّر بيئتنا بأنفسنا، نحن سكان الحي 156. أردنا إنقاذ حيّنا".
لهذه الغاية، أنشأت إفلين جمعيات منها جمعية "شباب ومستأجرون" التي رأت النور في التسعينات. تقول: "هدفها هو إخراج الأولاد، وجعلهم يكتشفون شيئاً آخر غير الغيتو". نجحت في الحصول على بعض المساعدات المادّية، فكانت تصطحب بعض أولاد الحي في نزهات إلى الخارج، "لتناول عصرونية في المتنزه أو التنزه في حي جميل في باريس، حتى إنني اصطحبتهم ذات يوم إلى أوروديزني". تروي إفلين أن أحدهم نبّهها إلى السلوك "المضطرب" لأحد الأولاد: "كان اسمه شريف. كان يتجوّل دائماً برفقة شقيقه الأكبر سعيد الأكثر تحفظاً. كان سعيد يبكي طوال الوقت ويلحق بشقيقه الأصغر". وكانت إفلين تراقب الشقيق الأصغر بصورة مستمرة، كما كتبت المجلة.

اليتم
تروي إفلين: "كنت أحب هذا الولد كثيراً. كان يكفي أن نلاطفه، وأن نحمله بين ذراعَينا كي يهدأ. كان لطيفاً، ومسحوراً كما الباقين بشخصية ميكي ماوس. كان طفلاً مثل الآخرين، يؤمن بسحر ديزني، ويهدأ ما أن نلاطفه. كنا نصطحبهم إلى السينما، كان شريف يحب السينما كثيراً".
تتابع إفلين أن والدتهما لم تكن تملك المال لدفع ثمن تناول الطعام في الكافيتيريا، "ولم نكن نعرف شيئاً عن الوالد". بعد بضعة أشهر من النزهة إلى "أوروديزني"، عاد شريف إلى المنزل فوجد والدته جثة هامدة. فقد انتحرت بتناول جرعة كبيرة من الأدوية.
تقول إفلين إنه لم يعد بإمكان تلك الوالدة العازبة أن تلبّي احتياجات أولادها الخمسة، و"انتهى بها الأمر بالعمل في الدعارة كي تتمكن من إعالة أسرتها"...
عند وفاة الوالدة، كان عمر سعيد 12 عاماً وشريف 10 أعوام. وبعدما أصبح الأولاد أيتاماً، تركوا الحي لتمضية مرحلة المراهقة في منطقة كوريز في منشأة تابعة لمؤسسة كلود بومبيدو.
يوم الأربعاء 7 كانون الثاني، تعرّفت إفلين عليهما لدى مشاهدة صورهما على شاشات التلفزيون: "اتصلت بصهري الذي نشأ هو أيضاً في الحي. وأكّد لي أنهما الأخوان كواشي. بكيت. قلت في نفسي إنني مسؤولة. كان عليّ أن أساعد والدتهما. لم يكن يجدر بنا أن نصطحب الأولاد إلى أوروديزني، بل كان علينا أن نستخدم المال لمساعدة والدتهما. كان عمر شريف 10 أعوام، ليس أكثر. لقد قتلنا تلك الوالدة وعجزنا عن إنقاذ أولادها لأننا لم ننتبه لحالتهم".
تضيف إفلين: "كان شريف ولداً مثل باقي الأولاد. لكنه لم يحصل على الحب... لقد وجد في التعصب الديني العائلة التي لم يحصل عليها يوماً. عرفوا كيف يغسلون دماغه. كما أنه من السهل جداً الاستحواذ على عقول أولاد صغار معزولين وشديدي الهشاشة. لم يكن أحد موجوداً لإعادته إلى الطريق الصحيح".

"سياسة المدينة"

تلقي إفلين اللوم على ما يُعرَف بـ"سياسة المدينة": "كان الهدف عزل الفقراء هنا. ولم يكن أحد يبالي بهم". كما أنها تنتقد غياب الرعاية اللازمة للأولاد في تلك الحقبة: "كان شريف متروكاً. أتذكّر عندما نظّمنا عصرونية ولم يكن لدينا مكان لنلتقي فيه، فذهبنا إلى الأقبية. صعدت لإحضار أكواب، فرأيت حارساً يطلب من شريف الذي كان نحيلاً جداً، أن يركع كي يطلب السماح، لأنه ارتكب خطأ ما. بما أنه لم يكن لديه أب، وكانت أمه غائبة، كان ضحية نوعاً ما. لا أريد أن أعطي انطباعاً بأنني أدافع عنه. لكن ما أود قوله، لو عاش طفولة سعيدة، هل كان ليصبح إرهابياً؟" تضيف إفلين: "يجب إدانة المجتمع بأسره لأنه ترك أولاداً يكبرون في هذا البؤس".
ختمت إفلين التي تعيش الآن في حي آخر: "لا يجدر بي قول ذلك، ستعتبرونني مجنونة، لكن في ناحية معيّنة، أشفق عليهما...".

 

Digital solutions by