Digital solutions by

هذه حكاية انطلاقة "شارلي إيبدو" يوم 7 كانون الثاني 2015

11 كانون الثاني 2015 | 18:35

المصدر: "النهار"

يوم 7 كانون الثاني 2015، اقتحم مسلحان مقر أسبوعية "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة ، وأطلقا النار على من كان في داخله، مما أدى الى مقتل 12 شخص من بينهم أعضاء هيئة تحرير الصحيفة وشرطيان. هذه الحادثة، لا يمكن إلا ان تعيد الذاكرة الى ما أنجزته "شارلي إيبدو"، التي تأسست في العام 1969 ، تحت إدارة فرنسوا كافانا، والتي طالما رفضت وجود قيود أمام حرية التعبير والتفكير، دون أي استثناء. لم تكتفي "شارلي إيبدو" اليسارية بالرسومات الساخرة، وإنما كانت تطعّم مادتها من وقت الى آخر بتحقيقات ومقالات رأي جريئة جدا، فعرفت بالتالي نجاحاً مقبولاً، واستقطبت عدّة أقلام ورسامين لتبلغ درجةً من النجاح جعلت المشرفين عليها يفكرون في تحويلها الى جريدة يومية منتصف الثمانينيات. هذا الامر حصل بالفعل ، فتم إطلاق اسم "شارلي ماتان" على هذه الصحيفة. لكن سرعان ما استنزفت الطاقة المالية للمؤسسة الصحافية، وتوقفت عن الصدور. ورغم ذلك أصرّ المؤسّسون على بقاء مجلتهم كشركة مساهمة بين المشتغلين فيها. فهذة المجلة لم تكن يوما ترضى لنفسها الخروج عن نهجها اليساري والقبول بتمويل خارجي يبعدها عن خطّها التحريري، بحسب مؤسسيها.

مع بداية التغيرات التي شهدها العالم نهاية الحرب الباردة أي نهاية الثمانينيات، كانت المجلة على موعد مع عاصفة داخلية اجتاحتها وأدّت إلى موجة استقالات انتهت بخروج كافة مؤسّسيها. وأمام هذا الواقع أصبحت أسبوعية " شارلي إيبدو" بين يدي جيل جديد على رأسهم رسّام الكاريكاتير شارل فولنسكي الذي اقترح أن يتم إنشاء شركة جديدة تصدر عنها المجلة. هذا ما حصل بالفعل، فأُنشئت هذه الشركة وحملت اسم "كلاشنيكوف".
استرجعت " شارلي إيبدو" مكانتها بسرعة، وعادت إلى الصدور أسبوعياً عام 1992 ، في حين قدرت مبيعاتها في الاشهر الاولى بعد استئناف عملية الاصدار بحوالى 120 ألف نسخة أسبوعيا. غير أن هذا الحلم لم يدم طويلاً. فبعد 3 سنوات تقريباً، تراجعت مبيعات " شارلي إيبدو" الى حوالى 55 ألف عدد أسبوعيًا فقط. ومع حلول العام 2000، ازدادت حدّة النزيف المالي الذي كانت تعاني منه الصحيفة، وكان ضرورياً عليها أن تبحث "عن الضجّة الإعلامية، وبأي ثمن كان، لرفع حجم مبيعاتها، خاصة أنها تصرّ على مبادئها اليسارية بعدم البحث عن دعم رؤوس أموال خارجية.

الإساءة إلى المقدّسات لمواجة الأزمة المالية

ولعل بروز ظاهرة "الإسلام الجهادي" بدايات القرن جعل من الإسلام شيمة مفضلة لدى المشرفين على "شارلي إيبدو". ورغم ذلك، لم يسبب هذا الأمر أي مشكلة للصحيفة حتى العام 2006، حين بدأت "شارلي إيبدو" تقترب من المقدسات الإسلامية والمسيحية. فخلال هذا العام عادت الصحيفة ونشرت الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية التى كانت أشعلت العالم الإسلامي، كذلك أقدمت في آذار 2006، على نشر "مانيفستو الـ 12" الذي اعتُبر دعوة إلى "محاربة الإسلام بوصفه، توتاليتارية دينية تهدّد الديمقراطية". وفي تشرين الثاني 2011، أصدرت "شارلي إيبدو" عدداً خاصاً حمل عنوان "شريعة إيبدو"، والذي أثار موجة من الاحتجاجات أدّت إلى إحراق مكاتب الصحيفة، وتعرّضت مواقعها الالكترونية للقرصنة. في أيلول 2012، نشرت الصحيفة رسما كاريكاتوريا أثار غضب عدد كبير من المسلمين حول العالم. أما في19 كانون الاول من العام ذاته، قرّرت الصحيفة نشر مزيد من الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى النبى محمد، بعد مرور أقل من أسبوع على اندلاع احتجاجات حول العالم ضد الفيلم الاميركي "براءة المسلمين". وبالإضافة الى تعرضها للمقدسات الإسلامية، لم تستثني الصحيفة المقدسات المسيحية، فقد نشرت سلسلة من الرسوم الكاريكاتورية التي تسخر من السيد المسيح، والقديسين، والسيدة مريم العذراء، وغيرهم. فانهالت عليها الدعاوى القضائية من داخل وخارج فرنسا.

الأزمة المستمرة

هذا الامر زاد أكثر فأكثر من الازمة المالية التي تعاني منها الصحيفة، بدل من انعاش مبيعاتها، مما دفع في العام 2011 بأحد أهم المساهمين برأس مالها، الصحفي فيليب فال بالانسحاب منها، في خطة نزلت على الصحيفة كالصاعقة وأوصلت بموضعها المالي الى أدى مستوياته على الإطلاق. أمام هذا الواقع، أُجبرت "شارلي إيبدو" على التخلي عن مقرها الرئيسي لتخفيض تكاليفها، فانقلت الى مقر متواضع، الذي بدوره شهد حريق أواخر الـ 2011 اعتبر مفتعلا. فانتقلت بعدها "شارلي إيبدو" إلى أحد مقرّات كبرى الجرائد اليسارية "ليبراسيون"، قبل أن تنتقل الى المقر الذي تم الاعتداء عليها فيه واقتحامه يوم 7 كانون الثاني 2014.
استمرت المجلة في طرح المواضيع المستفدة، بهدف إنقاذ نفسها من أزمتها المالية، وهذا الامر عاد ونجح الى حد ما. ففي الفترة الاولى، ساهمت السياسة التي اتبعتها "شارلي إيبدو" والتي ترتكز على نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة إلى المقدسات، برفع مبيعاتها الى حوالى 40 الف نسخة أسبوعيا. ولكن هذا الحال لم يستمر طويلا، فقد عادت الازمة المالية للصحيفة نهاية العام 2012، مع تراجع مبيعاتها حتى 5 آلاف نسخة أسبوعيا فقط، من أصل 60 ثم 30 ألف نسخة يتم طبعها كل اسبوع.

عودة الانطلاق يوم الكارثة...

ولكن، قد يكون فُرج الوضع المالي بالنسبة لـ" شارلي إيبدو" في لحظة وقوع الاعتداء الاخير عليها. فالحكومة الفرنسية تعهَّدَت بعد الحادث مباشرة بالتبرّع بمليون يورو للتأمين على حياة العاملين في الصحيفة، وقرّرت عدة جهات داخلية وخارجية مساعدتها ماديًّا، لتتمكن من طباعة مليون نسخة هذا الاسبوع، في وقت اعتُبرت شركة غوغل الاميركية من أبرز الجهات التي سارعت لتقديم الدعم لـ"شارلي إيبدو"، بعدما تبرعت بـ 250 ألف يورو لصالحها. بدورها كشفت صحيفة ''لوفيجارو'' الفرنسية أن ''شارلي أيبدو'' تلقت آلاف طلبات الاشتراك من مؤسسات ومنظمات وأشخاص ليرتفع بذلك عدد المشتركين فيها لأكثر من ضعف العدد المُسجل يوم الحادث. كما أشارت "لوفيجارو" ان عدداً كبيراً من الافراد والمشاهير والمؤسسات والمسؤولين الفرنسيين والأجانب قدموا مساعدات مالية للصحيفة، قدّرت بألاف الدولارات لإنقاذها من أزمتها المالية. وفي سياق متّصل قرّرت مجموعة من الشركاء الموزعين للمجلة الفرنسية، العمل لصالحها دون اي مقابل، في الوقت الذي فتحت فيه إدارة الصحيفة باب المساهمات الخارجية من رسامي الكاريكاتور والصحفيين من حول العالم لمساعدتها على إنجاز المحتوى الخاص بالعدد المقبل، وإصداره في موعده.

قد تكون "شارلي إيبدو" دفعت يوم 7 كانون الثاني 2015، ثمناً باهظاً لكونها وضعت السخرية فوق كل شيء، في بلد طالما اعتُبر مثالاً يحتذى فيما يتعلق بحرية التعبير. ولكن من المؤكد أن يوم 7 كانون الثاني 2015، سيدخل تاريخ "شارلي إيبدو" لكونه ساهم، رغم قسوته، من إنقاذها من أزمتها المالية. ولا بد من التذكير بقول الفيلسوف الفرنسي" فولتير": "إنني مستعد أن أموت من اجل أن أدعك تتكلّم بحرية مع مخالفتي الكاملة لما تقول".

Maurice.matta@annahar.com.lb
Twitter : @mauricematta

 

Digital solutions by