Digital solutions by

من صدام الى "داعش"...هكذا "صُلبنا" مرتين

24 كانون الأول 2014 | 19:31

المصدر: خاص - "النهار"

ماجد عزيرة مع أفراد من عائلته.

هاجر الكاتب العراقي ماجد عزيزة وطنه مضطراً عام 1999، بعدما شعر بدنو تصفيته على يد من يسميهم أتباع عدي صدام حسين الذي أساء له بمختلف الأشكال حين كان عزيزة يعمل في مؤسسات اعلامية يشرف عليها عدي، وقد كان آخرمنصب تولاه رئيس تحرير جريدة البعث الرياضي.

اعتقل عزيزة مرات عدّة ويقول لـ"النهار": "تحملتُ القسوة والضرب بالسياط الى ان غادرت الموصل جسدياً عام 1962، لكني بقيتُ أزورها أسبوعياً تقريباً بعد عام 1975".
حين تذكر له اسم الموصل، يقول لك " أعشقها وأحفظ شوارعها ومحلاتها واحداً واحداً، وان كنت لا أعيش في العراق والموصل، فهما يعيشان بي ".

أبكى عزيزة كثيرين حين كتب مقالته الشهيرة " نشكركم ونحن نغادر مطرودين" اثر غزو تنظيم "الدولة الاسلامية" الموصل وتهجير المسيحيين.
ومما جاء في المقال: " ونحن نغادر مدينتنا الموصل مطرودين وقد أذلنا حاملو راية الاسلام الجديد، نغادرها لأول مرة في التاريخ، لابد لنا في هذا الموقف ان نقدم شكرنا لأهلنا فيها، أهلنا الذين كنا نعتقد بأنهم سيحموننا كما كانوا يفعلون، وسيقفون بوجه عتاة مجرمي القرن الحادي والعشرين ويقولون لهم ان هؤلاء هم الأصلاء وهم الذين أسسوا هذه المدينة، كنا نطمئن النفس في ان لنا جاراً عزيزاً، وابن محلة شهماً، واخوان تبرز اخلاقهم يوم الشدة...لكننا خذلنا ونحن نغادر، خذلنا ونحن نسحب أجسادنا سحباً نحو المجهول، خذلنا ونحن نترك كل تاريخنا وقبور آبائنا وأجدادنا ورموزنا وآثارنا وكل شيء عزيز علينا .
وداعاً نقولها، لمحلات الساعة والجولاق والدندان وباب لكش وباب الجديد وباب الطوب، وداعاً لجامع النبي يونس والنبي شيت، وداعاً للسرجخانه وسوق العتمي والقناطر وجسر العتيق وعبدو خوب ...، وداعا لقصر المطران وكنيسة مسكنته وعين كبريت ...، وداعاً لشارع الفاروق وشارع نينوى والدواسة ...، وداعا لعبد الباسط ابو السندويج، وطرشي الشفاء وشارع النجفي، وداعا لكم جميعا فستفتقدونا في الاعياد والمناسبات، ستفتقدوننا في الأفراح والأحزان ...".

تسكن الموصل وأماكنها الكاتب عزيزة في محطة هجرته الحالية في كندا. وإن سألته الحديث عن فارق بين أحوال المسيحيين ما قبل وما بعد غزو "داعش"، تجده يقول: " الحال اليوم هو اضطهاد وقسوة وظلم من بعض من سكن الموصل من الأقوام المستفيدة التي هاجرت اليها من القرى والقصبات المحيطة بها والذين أثروا وجمعوا الأموال بشكل غير طبيعي مستفيدين من مميزات حصلوا عليها سواء من النظام السابق أو ما بعد التغيير في 2003 ، وهؤلاء جاؤوا للموصل وسكنوا قصوراً فخمة وعاثوا في المدينة فساداً ( بأموالهم)، أهل الموصل الأصيلون ( مسلمون ومسيحيون وايزيديون) عاشوا متحابين واخوة سنوات طويلة، لكن المشاكل ضد المسيحيين بدأت في ثمانينات القرن الماضي لسبب متصل بقمع النظام الدكتاتوري .

يتحدث عزيزة عن آخر مشاهد علقت في الذاكرة من الموصل، فيبوح " لا يمكن ان يغيب عن بالي أي مشهد من مشاهدها، جسورها، أسواقها، جوامعها وكنائسها، وفي يدي الآن كتاب عن تراث الموصل الشعبي اتمنى ان انجزه قريبا".
في معلومات عزيزة، ان عائلات مسيحية قليلة لا زالت موجودة في الموصل بحكم الاضطرار وارتضت ان تدفع الجزية، لكن لا أخبار مؤكدة او اتصال مع هؤلاء.
ويقول الكاتب انه اليوم على اتصال بخمسة أشخاص مقيمين في الموصل فقط، أغلبهم صحفيون وهم يعانون بصمت ويرفضون الحال التي عليها المدينة اليوم.

يتذكر عزيزة عيد الميلاد المجيد في الموصل بطقوسه الجميلة، ويقول: حين كنت طفلاً، كان عمي المرحوم القس ميخائيل عزيزة كاهن كنيسة أم المعونة يصطحبني معه منذ الخامسة فجراً لنشارك في القداس، وكنا نزور بيت جدي، وعماتي وأعمامي، وكانت عيدية العيد أجمل ما عندي آنذاك. أما أطيب مأكولات العيد لدينا فهي "القره زنكي"، الطبخة الموصلية المؤلفة من "كبيبات" صغيرة من الرز واللحم ، وهي تطبخ مع مرق حلو مكوّن من الدبس والتمر والمشمش اليابس.

وكيف تخططون لتمضية عيد الميلاد الآن في الغربة؟ يجيب: "العيد هذه السنة حزين، لأن اهلنا مهجرون وقد نزحوا عن بيوتهم ومساكنهم ومدينتهم العريقة ويعيشون في المجهول، وقد حضرنا خلال الأيام الماضية أمسيات تراتيل ميلادية وصورناها لجريدتي التي ارأس تحريرها " نينوى" ولقناة "عشتار" الفضائية وقناة "المخلص". وقد ألغي أغلب الحفلات في كندا بعدما طلب غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو الغاءها، لذا سنقضي هذه الليلة مع الأولاد والأحفاد فقط.

لدى ماجد ولدان، عمر وهو خريج معهد الدراسات الموسيقية وعازف عود متمكن، ويعمل في شركة لصيانة البيوت ولديه بنت اسمها رزان وولد يدعى زين، أما سيف فقد تزوج حديثاً ويعمل مدرساً. ويقول الكاتب العراقي المهاجر: "ولداي هما على سُنة والدهم، العراق والموصل أهم شيئين بالنسبة لهما"، الا انه يقرّ بأن "عملهما وارتباطهما العائلي لا يجعلانهما يفكران بالعودة".

هل يرى عزيزة أن " داعش" سينجح في تغيير النسيج الاجتماعي الموصلي الى الأبد؟
يجيب بلا تردد: "أبداً، الموصليون الأصيلون يرفضون هذا التنظيم بعدما عاشوا قساوته ودمويته وتجاوزاته، حتى ان بعض الأصدقاء من المسلمين أفصحوا لي عن خجلهم من تبرير أفعالها باسم الدين".

وفي رأيه، ان "داعش" سينتهي كما انتهت "القاعدة" ومنظمات أخرى مصنوعة بيد الغرب وقد استخدمت لأمد موقت فقط من أجل مصالحهم" .

ليس هناك رقم دقيق لعدد مسيحيي العراق اليوم، وفي ما يملكه عزيزة من معلومات انه وحتى عام 1990 كان هناك في العراق حوالي مليون وثلثمائة الف مسيحي، منهم نحو 750 ألف في الموصل، وقد أصبح عدد المسيحيين في العراق الآن لا يتعدى 300 الف نسمة.

Digital solutions by