Digital solutions by

النهار المبنى والمعنى جزء من الحلم المتجدد منذ 77 سنة

10 كانون الأول 2014 | 23:39

من المجحف اعتبار ان انتقال "النهار" من شارع الحمراء قرب مصرف لبنان الى المبنى الجديد في ساحة الشهداء، على الارض التي كان يشغل في السابق قسماً منها فندق Regend والواقعة على تلة غرب ساحة البرج التي ينتصب فيها تمثال الشهداء، كان انتقالاً من مبنى الى آخر بالمعنى التقليدي والكلاسيكي لعملية الانتقال، اذ كان دخول مرحلة جديدة في عمر الجريدة التي تخطت السابعة والسبعين ولم تهرم.

تاريخ "النهار" يقسم ثلاث حقبات، يرتبط فيها المعنى بالمبنى الذي احتضنها، ومن هنا كان عنوان الوثائقي الذي أعد في الذكرى الرابعة لغياب ديك "النهار" جبران تويني جسداً لا روحاً. فالحقبة الاولى من عمر الجريدة كانت منذ التأسيس على يد جبران تويني الجد في عام 1933 واستمرت الى 1963، وكانت مكاتب الجريدة في منطقة الاسواق في وسط بيروت وتحديداً في سوق الطويلة.
وكانت الحقبة الثانية منذ عام 1963 الى 2004 عندما استقرت "النهار" في شارع الحمراء، رمز نهضة بيروت وحداثتها وثورتها الاجتماعية والثقافية والعمرانية في ذلك الزمن.
ويبدأ تاريخ الحقبة الثالثة في 2004 مع انتقال الجريدة الى المبنى الذي تشغله حالياً.
ترافق الانتقال الاول لـ "النهار" من سوق الطويلة الى الحمراء مع نهضة صحافية كاملة عاشها لبنان، وكان الانتقال بالمبنى انعكاساً لنقلة أخرى، اذ بدأ عهد جديد في عمل الصحافة اللبنانية كانت "النهار" في قلبه ورائدته، فواكبت التطور والتوسع وافتتحت عصراً جديداً.
وكان كل انتقال للمقر يقود الى عصر جديد. فمن الحمراء الى البرج خطوة نحو الحداثة والتقدم والعصرنة، مع الحرص في الوقت عينه على التواصل مع "النهار القديمة"، فتتكىء على ارث عريق في العمل الصحافي والاعلامي من خلال رؤية جديدة عنوانها الحداثة.
بدأت فكرة انتقال "النهار" تختمر مع عودة الحياة في منتصف التسعينات الى وسط بيروت، كما بدأت فكرة التوسع تتبلور، إذ توافرت قطعة أرض في الوسط لكنها لم تكن مناسبة للمشروع، وكان العقار الحالي هو الخيار الثاني، فتم شراؤه عام 1997 وبدأت الحفريات بعد سنة، الا ان اعمال الحفر والتمهيد للبناء اصطدمت بعائق أخّرها نحو سنة ونصف سنة، إذ عثر على آثار قديمة وجدران وقطع فسيفساء، وعلى عمق 50 سنتيمتراً فقط وجد مشبك أثري قديم يمثل ديك "النهار"، وكأن هناك مصادفة تاريخية لان تكون الجريدة في هذه البقعة.
الاهتمام بالكشف عن الآثار من قبل المديرية العامة للاثار ونقلها من الموقع، أوقف عملية البناء. ويعود تاريخ بعض الآثار المكتشفة التي تم العثور عليها الى نحو ألفي سنة. فقد وجدت نقوش وألواح يرجح انها نقلت الى هذه الارض في حقبة تاريخية قديمة لانها أشبه بالكتابة الهيروغليفية، وقد نقلتها المديرية، الا انه ابقي على جداريتين من الفسيفساء باذن منها وتعود ملكيتهما الى الدولة، وضعتا عند المدخل الداخلي للمبنى لتكونا شاهدتين على هوية المكان.
مع تأخر عملية البناء الفعلي نحو سنة ونصف سنة، تأخر الانتقال وكل العمليات المرتبطة به، اذ كانت فكرة جبران تويني اتمام الانتقال عشية العيد السبعين اي عام 2003، لكن "النقلة" تأخرت الى 22 آب 2004.
تأخر الاعمال لم يؤثر في حماسة جبران الذي استعاض عن الانتقال بمؤتمر صحافي عقده في المبنى عشية ذكرى العيد السبعين وعرض فيه ما سيكون عليه المبنى والتطور الذي سيلحق بإبنة السبعين، وعرض تصور المشروع وخرائطه وتقسيماته، والخطوط العريضة للجريدة الجديدة وأقسامها والتقنيات فيها.
يروي من عايش جبران في تلك المرحلة، انه كان يتابع يومياً سير العمل في شكل دقيق صباحاً ومساء، وكان يحضر الى الموقع على الاقل مرتين يومياً. كانت الورشة أولوية بالنسبة اليه، وكانت المشروع الذي كرّس له جل اهتمامه ووقته وعنايته. ويروي زملاؤه في "النهار" أنه ما ان بدأ البناء بالظهور ومع ارتفاع اولى الطبقات، بدأ جبران يدعو الى عقد اجتماعات مجلس التحرير في المبنى الجديد، وهو ما كان يسبب تذمر بعضهم الذين كان عليهم ان يوقفوا عملهم في الحمراء والانتقال الى "ورشة عمار" لرسم عدد الغد من الجريدة وتحديد مواضيعه.
ويروي المهندس الذي أشرف على عملية البناء الداخلي ووضع تصاميمه نبيل الددا ان جبران كان يتابع التفاصيل وكان له رأي في كل تفصيل. ولم تكن العملية مع جبران بأن "لزّم" عملية البناء لمهندسين وانتظر الانتهاء حتى يبدأ دوره مع بدء عمل الصحيفة، بل كان يتابع البناء ويتابع التنفيذ لبنة لبنة. وكان هو يعمرها حجراً حجراً ورافق انشاءها خطوة خطوة، وكانت "النهار الجديدة" تمثل مشروع جبران تقنياً لسنوات مستقبلية. وترافق هذا المشروع مع آخر كان يحلم جبران بتحقيقه وهو تحويل المبنى تجمعاً إعلامياً يضم أكثر من مؤسسة اعلامية، وهذا ما لم يحصل.

أطول شبكة اتصال!
عملية الانتقال لم تكن فقط بالمعنى الجغرافي اي الانتقال من منطقة الى أخرى، وانما انتقال بالمضمون وبثورة تقنية شهدتها الجريدة، فالنظام المعلوماتي الجديد أتاح اتصال كل الكومبيوترات بعضها ببعض من خلال شبكة حديثة للغاية يبلغ طولها 68 كيلومتراً!
وحرص جبران على ان يكون سخياً بالتجهيزات من دون ان يلامس حد التبذير لتوفير أجود المكونات لتصنيع المكاتب وتجهيزها من نوعية عالية جداً.

بوابة بيروت
اما عن الفكرة الهندسية التي رافقت عملية البناء، فقد اختير ان تكون واجهة البناء أشبه ببوابة أو "طاقة" مفتوحة: فمن يتأمل واجهة المبنى الخارجية يلاحظ ان هناك جزءاً نافراً أشبه باطار مربع أبيض، يعطي الانطباع وكأنه باب مدخل. وبيروت كانت تشتهر قديماً بأبوابها السبعة، وكان دخولها يتم من أحد هذه الابواب. ومع اعادة بناء المدينة بعد تدميرها، غابت هذه الابواب، وكان من خلال هذه الهندسة ايحاء وكأن "النهار" هي أحد أبواب مدينة بيروت الجديدة.
تبلغ مساحة "النهار" بالطبقات الثلاث أربعة الاف متر مربع، والرابط بين الطبقات الثلاث هو الدرج، حلقة الاتصال المفتوحة ذات الواجهة الزجاجية، ومن ينظر من الخارج يرى بشكل دائم حركة الصعود والهبوط ليلاً نهاراً بين هذه الطبقات مما يدل على الحياة والحركة داخل المبنى.
وفي هذا القسم الذي يربط فيه درج الاقسام بعضها ببعض في رمزية خاصة، يقوم نصب نحاسي للديك الذي يقف متأهباً على سلّم من الكراسي المركبة فوق بعضها البعض، من قلب بركة ماء يتلألأ ضياؤها مع انعكاس الضوء عليها.

شفافية الزجاج
ثار جدل بين جبران والمهندسين خلال عملية البناء حول اعتماد الزجاج لواجهات المبنى وفي التقسيم بين أقسام الجريدة من خلال فكرة ان الهندسة المعاصرة ترتكز على الشفافية، حول اعتماد الزجاج الشفاف بالكامل الذي يكشف الحركة بكل تفاصيلها ويعريها، وبين استعمال الزجاج غير الشفاف، لاعطاء مزيد من الخصوصية، الا انه في المحصلة تم الركون الى فكرة مفادها اعتماد جزء شفاف وآخر غير شفاف في الزجاج ما يبقي الشفافية ودلالاتها، ويوفر جزءاً من الخصوصية.
واعتمدت في هندسة الاقسام في المبنى الجديد فلسفة "النهار" الجديدة، على صورة ما هو معتمد في الصحف العالمية الكبرى حديثاً، من المساحات المفتوحة للأقسام ولمكاتب التحرير، وكأن في ذلك انتقالاً من المفهوم العمودي الذي كانت تمثله جريدة "النهار" خلال وجودها في مبنى الحمراء المؤلف من تسع طبقات، الى المفهوم الافقي في العمل الذي تمثله "النهار" الجديدة، فباتت العلاقة بين رئاسة التحرير وجسم الجريدة علاقة أفقية، كذلك بين رؤساء الاقسام والمحررين الذي باتت مكاتبهم تطل بعضها على بعض، في طريقة عملية أكثر وتسهّل التواصل.

مكتب جبران
ومع الحديث عن مبنى "النهار" لا بد من التوقف في مكتب جبران. فبما فيه من زاوية رؤية واسعة تكشف منطقة المرفاً وتسمح للنظر ان يسرح في اتجاه الصيفي وصولاً الى جونيه وصنين، يمثل المكتب موقعاً رائعاً لتأمل بيروت وحركة سيرها وناسها، قبل ان يمتد نظرك الى البعيد. والداخل الى مكتب جبران يشعر ان غياب صاحبه موقت وهو سيعود حتماً، فأغراضه لا تزال في مكانها ومكتبه مرتب وحاضر ينتظر قدومه، كذلك حركة الدخول والخروج الى المكتب الذي تشغل ابنته نايلة زاوية منه تسيّر منها أعمال الصحيفة تعطي انطباعاً ان الحياة لم تنقطع يوماً في هذا المكتب ولا تزال روح جبران حاضرة فيه بالكامل.
وكان جبران حرص على نقل المكتب الخشبي القديم الذي كان في سوق الطويلة لجبران تويني الجد الى المكان الاحدث، تأكيداً للتواصل ولاظهار ان الحداثة لا تعني الانقطاع التاريخي.

وثائقي "مبنى ومعنى"

إعداد: عماد موسى
تنفيذ: ميشلين شحود
تعليق: جوزف بو نصار
مدة العرض: 7 دقائق

مكتب سمير

من المفارقات الغريبة ايضاً ان مكتب شهيد "النهار" سمير قصير كان الاول الذي جرى تجهيزه بين كل المكاتب في المبنى الجديد!

ibrahim.dassouki@annahar.com.lb

Digital solutions by