Digital solutions by

ناديا وغبرييلا... حين تشاهدان جبران!

10 كانون الأول 2014 | 23:44

دخل الى غرفة نومهما، قبّلهما. تأمل في وجهي الفتاتين ثم غادر مسرعا الى العمل، لكنه لم يصل. كان ذلك في 12/12/2005. ومذذاك، بات على ناديا وغبرييلا ان تدركا ان والدهما جبران تويني يراهما دائما، وان كانتا لا تشاهدانه الا بالصور، فتصرخان: Daddy.

قبل أربعة اعوام، وفي عيد الجيش، ولدت ناديا وغبرييلا. يومذاك، بدّل جبران تويني سيارات عدة ليلحق بزوجته سهام الى المستشفى. كان "عصر التمويه" للضرورات الامنية قد بدأ. واخيرا، استقر في سيارة اجرة، حتى يكون الى جانبها في لحظة الولادة.
... في تلك اللحظة، كانت فرحته لا توصف. ضحك. نظر الى الفتاتين. هو الذي لم يرهما الا اسبوعين قبل ان يغادر الى باريس. وبعد اربعة اشهر، لم تعد ناديا وغبرييلا تريانه...
هكذا، تصبح رؤية الأحباء بعد رحيلهم. وفي هذه المعادلة، يكون الاحياء هم الخاسرون، فيخلقون عالماً لهم مع الصور. يفتشون عنها في كل زواية، يرتبونها، يملأون البيت بها، علهم "يعيشون" اللحظة المنسية وراء الموت. وما اجمل الصور التي ننظر اليها بنبض قلوبنا...
بعفوية، تسرع ناديا الى صورة لجبران وسهام وضعت في صالون المنزل في بيت مري. تراقبها. تلمسها. تحدّق في وجه جبران، وتبتسم. ثم تتجه نحوك لتقول "Daddy". هي الفتاة التي وفي كل حركة، تذكرك بجبران. عيناها وحدهما تحدثانك، وترى فيهما تلك النظرة المصممة، لكن الحنونة، المليئة بالحركة، لكن المعطاءة. تحب ان تقاسمك لعبها. تأخذك الى الغرفة. ولا تحتاج الى ان تحدّثها. كأنها تقودك. تارة الى آلة البيانو، طورا الى كتاب، واحيانا امام لوح الرسم لتكتب احرفا وترسم خطوطا وعصافير...
تقف امام اللوح وتشرح لك رسومها، وببراءة الطفل تسألك عما إذا كانت صورها ستنشر في الـ Newspaper. عيناها عينا جبران...
اما غبرييلا فهادئة، مغناج... لكنها عنيدة وقوية. تحب الحدائق والطبيعة واللعب مع الكلاب. تختار رفاقها جيدا، وتشعر بأن لها عالمها الخاص البعيد من الضجة. تغرق في كتبها والتلوين. كأن لها شخصية رومنسية. شعرها الاشقر الذهبي والشفتان الحمراوان تجعلانك أسير وجهها. تجلس الى طاولتها وتقرأ قصة بالفرنسية. ناعمة الى اقصى الحدود. رقتها تأخذك الى الطفولة والبراءة والى دلع لا يوصف... ووجهها وجه سهام.

"قولي له اني احبّه"...
في عالمهما الخاص، تشعر ان ناديا وغبرييلا تتمتعان بشخصية قوية ومستقلة. والمميز ان لكل منهما صفات وميزة واكثر من قصة...
هذه السنة كانت صعبة عليهما، كأنهما بدأتا تختبران من قرب معنى فقدان الاب. فعندما اغتيل جبران، كان عمر التوأمين اربعة اشهر. لم تعيا جيدا وجود الاب الى قربهما، لا سيما ان جبران غادر بعد نحو اسبوعين من ولادتهما الى باريس.
هو ايضا لم يشاهدهما تكبران. كان يطمئن اليهما باستمرار. ولعلّها مفارقة ان سهام سألت جبران وهما عائدان الى بيروت قبل يوم من الاغتيال، عن تربية الفتاتين والوصية والمستقبل، وكان جبران يضحك ويحاول ان يهدّىء سهام التي كانت تعيش هاجس الخوف عليه...
... صباح 12 كانون الاول 2005، كانت القبلة الاخيرة التي طبعها الاب جبران على جبيني ناديا وغبرييلا. بعدها، بدأت الطفلتان تتعرفان الى الوالد عبر الاقارب والصور والاصدقاء.
في عمر السنتين، كانت ناديا وغبرييلا تسألان عن جبران، وسهام تجيبهما انه "في السماء. هو يراكما دائما. يحرسكما. ويحبكما كثيرا... وعليكما ان تصليا له لانه يسمعكما". منذ تلك الفترة، ولدت علاقة بين الفتاتين والسماء والكنيسة والمقبرة. بدأتا تطلبان زيارة المدفن، كأنهما تريدان رؤيته هناك...
كبرت الفتاتان... وقبل نحو ثلاثة اشهر، بدأت اسئلتهما تزداد: "لماذا لا نرى والدنا؟ كيف سيأتي الينا؟ متى نراه؟ لماذا لا يتصل بنا"... هي اسئلة تصعب دائماً الاجابة عنها...
تركض "غابي"، وهو الاسم المدلل لغبرييلا (تماما كما كانت العائلة تدلل جبران)، فتتغلغل بين صور لوالدها "زرعت" في كل زاوية ومكان، مبتسما، انيقا كالعادة، كأنه حاضر دائماً. ذات يوم، استعانت غابي بأمها لتطلب طلباً، قالت: "قولي للبابا انو انا بحبه. ليش ما بتلفن؟"...
بالطبع، فكرت غبرييلا قبل ان تطرح السؤال. لم تعرف ان طلبها سيرد لانها لم تدرك بعد لماذا لم تتمكن من رؤية ابيها واللعب معه. تفتقده وتعبر بطريقتها...
ومرة، لم تخف ناديا شعورها وهي تمرّ على الطريق حيث وقع الانفجار في المكلس، فقالت لأمها: "ناس سيئون اخذوا والدي"...
لوهلة، لم تدرك سهام كيف عرفت ناديا بمكان الانفجار، ولماذا قالت "ناس سيئون". ارتأت سهام ان تستشير طبيبا كي تعرف كيف تجيب الطفلتين، فعلمت انه من الجيد ان تخبرهما ان اباهما مات في حادث. ولاحقا، تدركان كل شيء. انما الان، من المبكر، وفق سهام، ان تزعج الصغيرتين بأخبار مزعجة ومخيفة...

صدق وضحك
"تعيش" الصغيرتان جبران بصدق الاولاد... وناديا التي تكبر غبرييلا بثوان، تحس انها الكبرى، وتسعى باستمرار الى الاعتناء بشقيقتها. قالت لسهام ذات يوم: "يمكن ما منشوف البابا، بس عنّا خي كبير..."
تفاجىء ناديا المحيطين بها بشخصيتها. يشعرون انها تكبر عمرها... "نانو" او ناديا تحب ان تجمع كل افراد العائلة في البيت، من نايلة وميشيل وشريف. تطلب يوميا ان تزور "جدّو غسان... "، وتردد دائما: "بدّي روح عـ "النهار" عند نايلة...".
في نظر سهام، فان الصغيرتين لم تعيشا حزنهما او حدادهما على الوالد. انما اليوم، تحاولان ادراك الواقع. وهذا صعب. فمن الصعب ان تساعد طفلا على مقاربة الحقيقة، في وقت تتداخل في رأسه الكثير من الافكار والصور، ويتخبط الواقع مع الخيال.
باستمرار، تجهد سهام والعائلة لتعيش ناديا وغبرييلا طفولتيهما بطريقة عادية. تعشقان الخيل والسباحة، والتزلج، واخيرا طلبتا ان تتعلما الرقص.
تجلس معهما، فتحس كم انهما متفتحتان، كما لو ان الحياة كلّها لا تستوعب حركتهما، ضحكتهما، وتلك البراءة الممزوجة بدلع. تعرفان جيدا الفنانة ماجدة الرومي وتغنيان معها اغنيتي "يا بيروت" و"عم بحلمك يا حلم يا لبنان"... تتابعان الموسيقى، تتماوجان على انغامها. بسرعة، تدرك قربهما وحبهما للمشاركة.
وهذه السنة الاولى لهما في مدرسة American Community School في الحمراء. يروى عنهما انهما تحبان الاختلاط مع الاولاد. "محبوبين"، بهذه الصفة يتحدث زملاؤهما، كما تقول سهام، وهي احبت ادخالهما هذه المدرسة التي تساعدهما على تقوية الشخصية وعدم الاحساس بالتميّز، وتسمح لهما بالقيام بالكثير من النشاطات. أخيرا، حضرت نانو وغابي بيتزا وجلبتاها الى المنزل. كانتا فرحتين، وغالبا ما تملآن البيت ضحكا...
تروي الوالدة ان لـ "نانو" الكثير من المعجبين. ففي احدى المرات، اخبرتها انها تريد ان تتزوج "وان رفيقها قبّلها في الباص". هي ناديا التي تحب ان تجعل كل من حولها جميلاً، بينما تتميز غبرييلا باصرارها وبشخصيتها المتحفظة قليلا.
ربما هو عيد الميلاد من اكثر الاعياد التي تمرّ ثقيلة على العائلة. يأتي العيد مباشرة بعد ذكرى الاستشهاد. تقول سهام: " بعد الذكرى مباشرة، نستعيد كل شيء مجدداً، نبدأ بالتفكير لماذا حدث ما حدث، لماذا قتل جبران؟ انه عبء كبير ينزل علينا، لذلك نحاول ان نجمع العائلة والاصدقاء في المنزل ليلة العيد، لتشعر الصغيرتان بالفرحة والجو العائلي".
ربما هي علاقة فريدة تعيشها ناديا وغبرييلا مع الوالد جبران. تشاهدانه على طريقتهما. تتحدثان اليه. ترسمانه... فأن تعيشا من دون اب يعني ان ترسما عالما، تدخلان فيه الوالد الذي تحبان، فتجعلانه حاضرا دائما، واجمل الحضور ذلك الذي يحفر عميقا في القلب، حتى لو لم تلمسه اليد ولم تره العين...

manal.chaaya@annahar.com.lb

Digital solutions by