Digital solutions by

جاب العالم حاملاً الصحافة ولبنان والشباب

10 كانون الأول 2014 | 22:10

في البصرة (العراق).

كان جبران تويني رائداً في المهمات الصعبة التي دفعت به الى أقاصي الدنيا، تنقّل بين البلدان وقد أرّقته هموم الصحافة ومشكلاتها والصحافيين أينما وجدوا. ربما كان الصحافي العربي الوحيد الذي شغل مكانة دولية على خريطة الصحافة العالمية، وجعل من "النهار" منارة أراد اضاءتها في كل بقاع الأرض، ليسطع اسم لبنان في كل محيط مظلم من العالم.

من المعروف ان تويني كان عضواً في الاتحاد العالمي للصحف World Association of News papers، الذي يضم أكثر من 18000 صحيفة منتشرة حول العالم، لأكثر من عشرين عاماً، وكان ناشطاً في لجنة حرية الصحافة وعضواً في مجلس الادارة، من هنا انتدابه للمشاركة في العديد من المؤتمرات التي عقدت في ارجاء العالم.

من أجل صحافية صينية
ومن أبرز الأسفار التي قام بها كانت زيارته الى الصين عام 1997 ضمن وفد رسمي يمثل الاتحاد، للبحث في قضية المراسلة الصينية الشابة غاو يو التي منحت في باريس جائزة الأونيسكو لحرية الصحافة، وهي واحدة من عشرات الصحافيين المعتقلين في سجون أنظمة مختلفة في العالم، وقد سجنت عام 1991 عقاباً لها على نشرها احد المستندات الحكومية من دون اذن. وتقرر على اثر الزيارة، قيام فريق من الناشرين المعروفين عالمياً بعقد اجتماعات مع كبار المسؤولين في الادارة الحكومية الصينية ورؤساء المؤسسات الاعلامية الفاعلة في الصين، للبحث في قضية يو.

الى الجزائر: لا للسجن
ولم تقلّ زيارته ضمن وفد الاتحاد العالمي الى الجزائر أهمية عن سابقتها، حيث حصل الوفد على ضمانات من الحكومة الجزائرية لوقف الرقابة على الصحف والامتناع عن توقيف المطبوعات واعتقال الصحافيين وحجزهم ومحاكمتهم بسبب ما يكتبونه.
ومن اهم ما نتج من تلك الزيارة، ان قطع وزير الاعلام الجزائري آنذاك حموراي حبيب، وعداً للاتحاد بإلغاء "لجان القراءة" نهائياً، وقد كانت تتولى في ذلك الحين على مراقبة محتوى الصحف، والعمل على منح الحرية للصحافة وتسهيل الوصول الى المعلومات، وعدم توقيف اي صحافي او اعتقاله او سجنه بسبب عمله الصحافي، وغيرها من الامور التي تسهم في فتح صفحة جديدة في عالم الصحافة المحلية.

الى أوستراليا ولبنان معه
في كانبيرا التي زارها عام 1997، عرض مع رئيس الوزراء الاوسترالي جون هاورد للاوضاع اللبنانية في ضوء التطورات الداخلية والاقليمية والدولية في ذلك الوقت، وكان شديد الحرص على استعادة لبنان سيادته وحريته وقراره المستقل في اشارة واضحة الى الاحتلالات المستمرة له، وهيمنة الخارج على السلطات المحلية. وكان يرى جلياً توحّد اللبنانيين المغتربين بكل فئاتهم السياسية والطائفية، ولم يترك مناسبة الا ودعا فيها اللبنانيين جميعاً الى التوحد والانصهار في بوتقة الوطن وحده، بعيداً من التجاذبات والانقسامات السياسية والانشقاق الطائفي والاصطفاف المذهبي.

في بلجيكا "حوار الثقافات"
وتطرّق في محاضرة له عام 2002 في بروكسيل بعنوان "مسيحيو الشرق الاوسط ومسلمو اوروبا: اي حوار للثقافات؟"، الى التجربة اللبنانية في الحوار الاسلامي - المسيحي، واكد ان "لبنان اكثر من رسالة، لبنان دعوة، وهذه الرسالة، وهذه الدعوة يدين بهما لتاريخه وجغرافيته وربما ايضاً قدره".
ويبدو ان هذا القدر كان مشتركاً بين لبنان الوطن وجبران الايقونة، الذي ولد في منزل متعدد الثقافة والدين، ممثلاً شريحة كبيرة من اللبنانيين المنفتحين المولودين من زيجات مختلطة، وهم لا يعرفون للعيش معنى سوى ذلك المشترك. فكان جبران ابن التنوع اللبناني نتيجة تكوينه العائلي، وهذا هو اساس ومنطلق القسم الذي تفرد بأدائه في ساحة الشهداء يوم الرابع عشر من آذار 2005.

في سويسرا فتش عن كارلوس غصن
وكان يصعب عليه رؤية التشرذم الواضح في بلاده، وتزايد الاغتراب وهجرة الشباب والمواطنين، وركز على هامش أسفاره على لقاء المغتربين اللبنانيين ليتعرف اليهم ويحدثهم عن لبنان، في محاولة لايقاظ الحنين في قلوبهم وحثهم على العودة الى رحاب الوطن الأم، رغم انه كان شديد الفخر بنجاحاتهم ورفعهم اسم لبنان عالياً في اي بلد من بلدان الانتشار. ويُحكى انه عندما كان في سويسرا مشاركاً في مؤتمر دافوس، وخلال حفل استقبال اقيم للمشاركين، علم جبران ان كارلوس غصن، رئيس احدى شركات السيارات العالمية وهو لبناني الاصل، كان احد المدعوين، راح يفتش عنه بين اكثر من الف مدعو، لا لسبب الا ليتحدث اليه ويدعوه لزيارة لبنان والعودة اليه، مما يدلّ على تعلقه العميق بجذوره واهتمامه بقضايا اللبنانيين جميعهم.

ملاحقة مستمرة للخبر
لعل ابرز ما يميز الصحافي في عمله، الحشرية التي تتخذ طابعاً مهنياً وفكرياً أثناء الممارسة العملية. وقد فُطر جبران على الحشرية التي نمت معه ولازمته طيلة حياته. وذات يوم في السودان، بلغه من احدهم ان صاحبة محل لبيع الزهور في الفندق الذي كان جبران ينزل فيه، هي صديقة الارهابي كارلوس، وهي بولونية جميلة كانت تعيش مع كارلوس في السودان قبل ان يختطف ويسجن في فرنسا. فأصرّ جبران على لقائها، وقد ارتاحت له وأخبرته عن بعض جوانب حياتها مع الارهابي المعتقل.

الاعلام المتجدد
من البرازيل الى لندن وباريس وبلجيكا واليونان وامستردام وبودابست وفيينا واوكرانيا، مروراً بالكويت والاردن وتونس وليبيا وصولاً الى جنوب افريقيا، الى جانب دعم الحريات الصحافية الذي كان ركيزة انطلاقته نحو العالم، كان جبران يقصد المؤسسات الصحافية في كل بلد، سواء كان في زيارة عمل او في زيارة عادية، للتعرف الى الصحافة والصحف فيها، ليتحسسها ويتصفحها ويقتني مجموعات منها، حتى تلك التي لا يجيد قراءة لغتها! وكان يهتم بزيارة المسؤولين في كل جريدة ليناقشهم في مضامين صحفهم واخراجها وكيفية تطويرها ليقتبس من التجارب ما يضمن بقاء "النهار" على تطور وازدهار، وليبحث في سبل التعاون مع البلدان بغية تقديم الافضل على الدوام.

حق الشباب في الاطلاع
عندما اطلق جبران تويني ملحق "نهار الشباب" عام 1993، كان هدفه الرئيسي ايصال صوت الشباب اللبناني المراد قمعه وتحطيمه، لكونه عصب التغيير وامل المستقبل المنشود. كانت "النهار" عام 1999 الصحيفة العربية الوحيدة التي شاركت في المؤتمر الدولي الثالث لصحف التربية والشباب الذي نظمه الاتحاد العالمي للصحف في العاصمة الفرنسية، وتمحور حول "دور الصحافة في تعميم القيم الانسانية وتأمين دفق المعلومات على مختلف شرائح المجتمع، خاصة الشباب". وخلال ورش الابحاث التي تخللت المؤتمر، قدّم تويني مداخلة عن دور الصحافة اللبنانية عموماً و"النهار" خصوصاً في دفع الشباب اللبناني الى التلاقي ولا سيما الجيل الجديد.
ونظراً الى ان شبكة الانترنت تشكل وسيلة حديثة ومعتمدة لتلقي المعلومات وقراءة الاعداد الصحافية، وكون "النهار" تصدر على صفحات "الويب" وفي طبعات الكترونية اخرى، وقعت "النهار" عام 2003 اتفاق تعاون مع شركة "نولدج فيو" ومقرها الرئيسي لندن، وتملك مكاتب في العديد من العواصم العربية، منها بيروت، وهي رائدة في تكنولوجيا تطوير أنظمة الصحف العربية، وكان هدف الاتفاق تحديث النظام التحريري في "النهار" باستعمال حلّ نظام التصفح السريع من "نولدج فيو"، لتمكين اي كان من الحصول على المعلومات بسهولة ويسر.

جبران وديك "النهار"

الى جانب الايقونات والصور والصلبان التي كان يجمعها خلال سفره، لم يكن جبران تويني ينسى ان يحضر معه اللعبة الفولكلورية الوطنية Poupée Nationale الخاصة بكل بلد يزوره، لاضافتها الى مجموعة نايلة وميشيل لتوسيعها، بالاضافة الى رمز "النهار" الشامخ، صاحب الصوت الصادح كل صباح، "الديك". فكان جبران يشتري كل ما هو مميز وغريب من الديوك المصنوعة في البلدان التي يقصدها، ليزيد اعداد الديوك المختلفة الاشكال والاحجام حتى تخطت المجموعة الـ 500 ديك موزعة بين منزله والمكتب في "النهار".

جبران المؤمن

لم يكن باستطاعة جبران تويني ان يعود الى لبنان من أسفاره دون المرور بباريس، ليزور كنائسها التي عرفها واحدة واحدة، وقد سحرته بروعة تصاميمها. وكان يتنقل في فرنسا بسيارته الـ Smart التي استهوته نظراً الى صغر حجمها وسهولة ركنها في اماكن ضيقة.

layal.kiwan@annahar.com.lb

Digital solutions by